معيار قوة العامل النحوي وضعفه في الفكر النحوي العربي
أ . عمر محمد مسلم أبو غنام وزارة التربية والتعليم الاردنية عمان/ الأردن ________________________________________________________________________ الملخص: هذه دراسة لغوية تبحث في ظاهرة معيار قوة العامل وضعفه في الدرس النحوي, ودارت مشكلة البحث حول أثر قوة العامل في المعمول, ومدى ارتباط تنوع العوامل بقوة العامل وضعفه, وكانت أسئلة الدراسة الافتراضية : ما معنى معيار قوة… View Article
أ . عمر محمد مسلم أبو غنام
وزارة التربية والتعليم الاردنية
عمان/ الأردن
________________________________________________________________________
الملخص:
هذه دراسة لغوية تبحث في ظاهرة معيار قوة العامل وضعفه في الدرس النحوي, ودارت مشكلة البحث حول أثر قوة العامل في المعمول, ومدى ارتباط تنوع العوامل بقوة العامل وضعفه, وكانت أسئلة الدراسة الافتراضية : ما معنى معيار قوة العامل وضعفه؟ هل تصلح فكرة قوة العامل وضعفه معيارا لتصنيف العوامل؟ هل تتفاوت العوامل النحوية فيما بينها في قوة العمل؟ أما هدف الدراسة فمحاولة لتتبع أقول أبرز النحاة في ظاهرة معيار قوة العامل وضعفه, وتوضيح منهج علماء العرب القدماء في تصنيف العوامل اعتمادا على معيار قوة العامل وضعفه في معموله, ومعرفة أهم الضوابط النحوية التي خرجت بها دراسات القدماء لهذا المعيار , وأثر هذا المعيار في تقعيد نظرية العامل في الفكر النحوي العربي, ولتحقق هذه الدراسة لأهدافها اتبعنا منهج استقرائي وصفي تحليلي بتتبع نظرية العامل النحوي في أهم مصنفات النحو العربي واستقراء أغلب عينات الدراسة, ثم عرض آراء جمهور النحاة ومناقشتها وتحليلها, والترجيح فيما بينها محتجا بشواهد من القرآن الكريم, وتنبع أهمية الدراسة بمحاولتها تصنيف العوامل اعتمادا على معيار القوة وما يحدثه من أثر في المعمولات, أما هيكل البحث فقد اشتمل على تمهيد عرفت فيه العامل النحوي ومعيار القوة والضعف, ثم درست العوامل المعنوية وأسباب ضعفها عن العوامل اللفظية, وتوسعت في دراسة العوامل اللفظية وقسمتها إلى ثلاثة أقسام : الأفعال, الأدوات, والأسماء, وختمت الدراسة بمجموعة من النتاجات.
الكلمات المفتاحية: نظرية العامل, قوة العامل, عوامل معنوية, عوامل لفظية.

تمهيد : اهتمَّ النحاة العرب على اختلاف مدارسهم بفكرة العامل النحويّ, لما له من دور في توضيح علاقات التأثير والتأثر داخل البناء التركيبيّ للجملة العربيّة, وليكون الأساس الذي ينطلقون منه لتفسير العديد من الظواهر الإعرابية؛ لأن العربيّة تتميز على غيرها بخاصية الإعراب, فالتعريف المصطلحيّ لنظريّة العامل يحدها بأنها : كُلُّ ما أوجب تغيير آخر الكلمة على وجه مخصوص من الإعراب , مما دفعهم إلى محاولة تفسير وجود الحركات الإعرابية في كُلِّ موضع, وضبط أسبابها ومعرفة النظام الّذي يحكمها, لتكون إحدى القنوات التي تنقل النّحو العربيّ لمرحلة تكوّن علم مُتكامل له من الأسس والضوابط ما يحكمه .
واعتنى النحاة خلال دراستهم لفكرة العامل النحويّ بمفهوم ” قوة العامل وضعفه ” وظهر هذا المفهوم في الفكر النحويّ لمعالجة مقاصد التأثير في نظريّة العامل, ويقصد بهذا المعيار: قدرة العامل على إحداث أثر إعرابي في المعمول, وفق أنظمة مخصوصة ويرد مصطلح ( قوة ) عند سيبوية مرادفا لمصطلح (العمل ) يقول ” وما يعمل من أسماء الفاعلين والمفعولين عمل الفعل الذي يتعدى إلى مفعول, وما يعمل من المصادر ذلك العمل “([1]) , وهذا يقودنا إلى سؤال مهم : هل تتساوق العوامل في قوة عملها ؟
وقسم النحاة العوامل تقسيمات متعددة، اعتماداً على معايير مختلفة، شكل معيار القوة والضعف مسبارا مهما في تقسيماتهم إلى جانب معيار اللفظ والمعنى ومعيار الأصالة والفرعية, ويلمح الدارس لهذا المعيار وجود تفاوت في الفكر النحوي بين العوامل وفق هذا المعيار , فمنها : القوي, ومنها الضعيف, ونتج عن الربط بين العامل والقوة بناء مجموعة من الافتراضات في التدرج بين العوامل, وتعدد مراتبها قوة وضعفا, مما منح هذا المعيار قدرة على تفسير العديد من العلاقات الإعرابية في النحو العربيّ, وهذا ما سنقف عليه في الصفحات التالية ونحاول توضيحه.
المبحث الأول: العوامل المعنوية :
تقسم العوامل في الفكر النحويّ إلى عوامل لفظية ومعنوية , والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي ؛ لأنه ” متضمن اللفظ والمعنى جميعا بخلاف المعنوي “([2]) , كما يعتبر العامل اللفظي هو الأصل ” لأنه الأقوى , إذ كان محسوسا لأنه يدرك بالسمع , والمعنوي دونه لأنه معقول مستنبط لا محسوس ولهذا قل وجوده “([3]) , والعوامل المعنوية المتفق عليها عند الجمهور هي عامل الابتداء وعامل التجرد , وأضاف الكوفيون عامل الخلاف أو الصرف , وهذه العوامل تعتبر عوامل أضعف من العوامل اللفظية في عرف علماء النحو , ويعود سبب ضعفها إلى الضوابط التالية :
اولاً:ـ العامل المعنوي لا يعمل حتى يدل عليه الدليل اللفظي أو التوجه أو ما شاكله([4]) , فالابتداء عامل معنوي أثر في المبتدأ بالرفع لأنه مخبر عنه , والمخبر عنه في عرفهم مقدم في الرتبة , والمقدم في الرتبة يستحق أثقل الحركات , فاستحق المبتدأ الرفع , فعمل العامل المعنوي الرفع عندما دل عليه دليل لفظي وهو الرفع في الفاعل , لأن الفاعل مخبر عنه ومقدم في الرتبة مستحق من الحركات أثقلها , ” وأما رفع الخبر فمن حيث كان هو الاسم الأول في المعنى , كما في النعت والبدل , والجريان على المنعوت والمبدل منه واتباعه في الأعراب لازما” ([5]) , أما بالنسبة لرافع الفعل المضارع ” إن الرافع له عندهم وقوعه بنفسه موقع الاسم كقولك مررت برجل يكتب , ارتفع يكتب لوقوعه موقع كاتب , ثم استمر هذا حتى رفع الفعل بهذا المعنى “([6]) , وقد يكون في هذا الضابط شيء من التعسف في اطلاق التفسيرات , فلم لا يكون المبتدأ مرفوعا على الأصل كما نطقت به العرب دون حاجة إلى دليل لفظي , وأن الفعل الضارع رفع لأن الأصل فيه مرفوع ما لم يسبق بناصب أو جازم ؛ أي لتجرده من النواصب والجوازم كما قال الكوفيون , أما الخبر فرفع بتأثير المبتدأ فيه , دون الحاجة للقول بأنه رفع بتأثير المبتدأ والابتداء معا , أما التوجه فقد ظهر من خلال تفسيرات الكوفيين لعامل الخلاف وأثره في إحداث النصب.
ثانياً: ومن ضوابط ضعف العامل المعنوي عدم قدرته على نصب المفعول به, فالعوامل اللفظية كالأفعال جعلت أقوى العوامل على الإطلاق لقدرتها على إحداث أثر إعرابي في المفعول به, أما العوامل المعنوية فقصّرت عن ذلك وهي عند نحاة البصرة ترفع فقط, ولم يتعدى أثرها عن إحداث الرفع في المبتدأ على الابتداء, ورفع الخبر بتأثير المبتدأ, أو الابتداء, أو كليهما, أو بالترافع كما هو عند الكوفيين , ورفع الفعل المضارع على التجرد, أو حلوله محل الاسم, والعامل المعنوي يعمل النصب في المفعول معه والظرف الواقع خبرا والمستثنى لضعفها؛ فالضعيف لا يعمل إلا في الضعيف, من خلال النصب على الخلاف, فالخلاف عند نحاة الكوفة عامل معنوي يعمل النصب.
ثالثاً: ومن مظاهر ضعف العامل المعنوي أن العامل اللفظي يزيل عمله , فقدرت العامل اللفظي على إبطال عمل العامل المعنوي يشير بوضوح إلى ضعفها, كما هو الحال في النواسخ بنوعيها الفعلية والحرفية, التي تزيل عامل الابتداء المعنوي, ففي قولنا ( الدراسةُ مفيدةٌ ) رفع المبتدأ ( الدراسة ), والخبر ( مفيدةٌ ), بالعامل المعنوي الابتداء , وعند دخول العامل اللفظي ( كانت الدراسةُ مفيدةٌ ) فإنه في ضوابط النحاة أزال أثر العامل المعنوي , فرفع المبتدأ ونصب الخبر, وكذلك تعمل النواصب والجوازم في الفعل المضارع وتزيل أثر رفع العامل المعنوي .
رابعاً: العامل المعنوي لضعفه لا يتقدم معموله عليه, ” وتقديم معمول العامل المعنوي الأقوى ممتنع “([7]) ففي عامل الابتداء وفق هذا الضابط لا يجوز تقدم الخبر على المبتدأ وورد في القران الكريم تقديم الخبر على المبتدأ في قوله تعالى : ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ ﴾([8]) و ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ ﴾([9]) مما يجعلنا نقف عند عامل الرفع في الخبر , أهو المبتدأ فلا يجوز تقدم الخبر عليه ؟ أم الابتداء فاستوى عمله في المبتدأ والخبر , وإذا كان العامل هو الابتداء , فكيف للعامل الضعيف أن يعمل الرفع في معمولين؟ والفعل وهو العامل الأقوى لم يعمل الرفع في معمولين .
المبحث الثاني :
العوامل اللفظية :
تعتبر الأفعال والحروف قرائن لفظية لحركات إعراب الاسم, مما جعل العوامل الأساسية في اللغة أفعالا وحروفا, وكان الاسم هو المعمول لها, ولهذا صُنفت العوامل اللفظية بأنها أقوى من العوامل المعنوية, فالعوامل اللفظية تتسم بالقوة في العمل, ومع هذا نجد أن العوامل اللفظية متدرجة في مراتب القوة والضعف, ومسبار تحديد قوتها هو ( العمل الدائم ), أو وفق سياقات نحوية معينة, وتجتمع العوامل الفروع كلها في سمة الضعف إذا قيست إلى العوامل الأصول, وعليه فإن مراتب القوة في العوامل تتدرج على النحو التالي :
أ ـــ الفعل أقوى العوامل ؛ لأنه عامل دائما, ومؤثر دائما, والعمل فيه أصل.
ب ـــ الحرف أوسط العوامل ؛ لأنه يعمل ويهمل ( حسب معيار الاختصاص )
ج ـــ الاسم أضعفها؛ لأنه لا يعمل إلا بالشبه(فهو فرع والفروع تنحط عن الأصول)
وبما أن الفعل أقوى العوامل اللفظية التي ترتبط بها الحالات الإعرابية , فإذا لم يتفق عامل مع الفعل في القوة فلا يعمل عمله يقول سيبوية ” لا يقوى قوة الفعل ما جرى مجراه , وليس بفعل “([10]) , أما درجات القوة في العوامل اللفظية فتتدج فيما بينها انطلاقا من معيار الأثر الذي تتركه , ” فالأفعال لا تنفك عن التأثير , فجعلوها الأصل في العمل , فالفعل هو المستحق للعمل بذاته , والحروف لا تؤثر دائما , وأن الأكثر في الأسماء ألا تؤثر “([11]) , فالأفعال أحداث وبالتالي ترتبط بها مجموعة من المتعلقات , وعليه يمكن وضع سلمية قوة العوامل اللفظية على النحو الاتي :
أ ـــ الأفعال
ب ــ الحروف العاملة
ج ــ الأسماء العاملة عمل الفعل ومتعلقاتها
د ــ الأسماء العاملة عمل الحروف ومتعلقاتها
الأفعال
يرى النحاة أنَّ ” العمل في الأصل للأفعال , فهي عوامل قوية , لا يسأل عن السبب في إعمالها , إذ إنها عاملة دائما “([12]) , ومن هنا كانت الأفعال أقوى العوامل أي ( أقواها قدرة على التأثير في المعمول ) , فلا يوجد في اللغة فعل إلا وله معمول , ولقوة عمل الفعل فقد حُمل عليه الاسم والحرف الذي يتضمن معناه وتعمل لعلة مشابهتها الفعل , ويعمل الفعل وفق القواعد الآتية :
أ ــ أن قوة العمل في الفعل ” حدث ترتبط به مقيدات أو متعلقات تحدد جهة من جهاته ، كالمحدِث والمحدَث والغاية والزمان والمكـان والهيئة , إنه كالمحور وحوله تلتف هذه المجموعة من المتعلقات “([13]) , فالفعل أصل للعمل , وباقي العوامل فروع عليه.
ب ــ لا بد للفعل أن يعمل , ومحل عمله الاسم, إذ ليس في اللغة فعل إلا وله معمول (الفاعل). فهو يعمل دائما.
ج ــ يعمل الفعل في معموله متقدما ومتأخرا ( عند الكوفيين ).
د ــــ الأفعال تعمل ظاهرة ومضمرة
هـ للفعل معمولات كثيرة .
وإذا كان الفعل أصل العمل, ولا يسأل عن سبب عمله, إلا أن قوة عمل الأفعال تتفاوت فيما بينها قوة وضعفا, فليست على قوة واحدة في العمل, بل تتوقف قوة الفعل على حاجته الدلالية التي تكتمل بالارتباط بمعمولاته, فهي ليست في عملها على مرتبة واحدة, ونستطيع تقسيم قوة عمل الفعل إلى المراتب التالية :
الفعل المتعدي أقوى من الفعل القاصر أو اللازم
أقوى الأفعال عملا هو الفعل المتعدي ولا ينافسه في قوة العمل فعل أخر ؛ لأن تأثير هذا الفعل يتعدى الفاعل ويقع على المفعول به , معللين قوة عمله بمدى تأثيره في المعمولات من المفعولات خاصة المفعول به ؛ لأن ” المفعول به عند النحاة أكثر هذه المعمولات امتناعا على العوامل , لذلك لا ينصبه إلا الفعل , أو ما شابه الفعل من الأسماء “([14]) , ومن هنا كان الفعل المتعدي أقوى الأفعال على الإطلاق , ووفق هذا المسبار نستطيع تصنيف الأفعال المتعدية إلى أضرب اعتمادا على قوة عملها في المفعولات وعدد مفعولاتها لتكون على النحو التالي :
أــ أقوى الأفعال عملا ما كان متعديا إلى ثلاثة مفاعيل, نحو: أخبرتُ زيداً المسألةَ سهلةً
ب ــ متعديا إلى مفعولين الأول عين الثاني ( أصلهما مبتدأ وخبر) : حسبْتُ الجوَ ماطراً
ج ـــ متعديا إلى مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبر , نحو : : منحْتُ المُجتهدَ جائزةً
د ــــ متعد إلى مفعول واحد , نحو : حفظتُ الأمانةَ .
واعتمدنا في تصنيف هذه الأفعال على مبدأ ( الكثرة ) في عدد المعمولات من فئة المفعول به , ونعتقد أن هذا تصنيف مقبول ؛ لأننا اعتبرنا الفعل عل العمل في المفعول به أقوى درجات قوة العامل , فإن زادت المفعولات كان ذلك دليلا على ارتفاع درجة قوة عمل الفعل , وقد تكون المفاضلة بين هذه الأفعال قوة وضعفا في العمل من حيث دلالتها , وما يتحدد على هذه الدلالة من عدد المفعولات كما في الفعل ( وجد ) :
ـــــ وجد محمد المسألة صعبة ( يقتضي معناه تعلقه بمفعولين ولا تكتمل دلالته إلا بهما)
ـــــ وجد محمد ضالته ( بمعنى وجد الشيء / لقيه , وأصله في الأمور الحسية )
ـــــ وجد محمد ( لازم بمعنى الحزن )
واعتبرت الأفعال اللازمة ضعيفة في العمل ؛ لأنها لا تقوى على نصب المفعول به بل سميت بالأفعال القاصرة ؛ لأنها قصّرت عن نصب المفعول به , مما جعل عملها مقتصرا على الفاعل , أو على غير المفعول من المعمولات , الأمر الذي احتاج إلى نظر في ماهية عملها ,فعجز الفعل اللازم عن العمل في المفعول به جعله يقوى على العمل في الفاعل والفاعل مرفوع في الأصل فما الأثر الذي أحدثه الفعل اللازم فيه , وهل أثر حقا عليه؟
ولو درسنا احتجاج البصريين على العامل في المفعول به في قولهم ” إنما قلنا إن الناصب للمفعول هو الفعل دون الفاعل , وذلك لأنا أجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل , أما الفاعل فلا تأثير له في العمل”([15]) والشاهد الذي أردناه من هذا النص أن العمل نتيجة للتأثير, فما التأثير الذي أحدثه الفعل اللازم في الفاعل حتى يُعدّ عاملا فيه؟ لقد نادى مجموعة من علماء النحو العرب بان لا حاجة لتعليل رفع الفاعل ؛ لأنه هكذا نطقت العرب, فالفاعل مرفوع على الأصل , وأن الفعل لم يكن عاملا فيه , فلا تأثير للفعل في الفاعل .
والفعل اللازم أضعف من المتعدي لأنه يقصّر عن المفعول به لكنه يقوى على العمل في التمييز نحو : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾([16]), والحال نحو : ﴿ فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً ﴾([17]) والظرف نحو : ( خرج محمد ليلا ) , والمفعول له نحو ( ذهبت إلى الجامعة رغبة في العلم ) , العامل الأصلي في المفعول لأجله هو الفعل، والفعل الذي يعمل في المفعول لأجله هو ذاته الفعل الذي يُذكر المفعول لأجله لتفسيره وبيان علَّته , ونرى أن هذا القول يحتاج إلى إعادة نظر , فما الأثر الذي أحدثه الفعل في المفعول لأجله؟ , فبعض النُّحاة يرى أنَّ العامل الأصلي في المفعول لأجله هو حرف الجر الذي للتعليل، وليس الفعل، ولمَّا يُحذف هذا الحرف يصير عمل الفعل ممكناً، فالعامل الأصلي في نصب المفعول لأجله هو إسقاط حرف الجر، نحو قولنا : صَفَّقتُ لِلتَّشجِيعِ لَكَ , بدلاً من صَفَّقتُ التَّشجِيعَ لَكَ .
الأفعال المتصرفة أقوى من الأفعال الجامدة :
فما كان من الأفعال متصرفا فهو أقوى في باب العمل من الفعل الجامد , ولهذا كان من ضوابطهم : ” أن الفعل يتصرف عمله إذا كان متصرفا في نفسه, فأما إذا كان غير متصرف في نفسه فينبغي أن لا يتصرف عمله “([18]), فالعامل إذا كان متصرفا في نفسه تصرف في معموله, وإذا كان غير متصرف في نفسه لم يتصرف في معموله, فالفعل (ليس) غير متصرف, فلا تجري مجرى الفعل المتصرف كما أجرينا الفعل ( كان) مجراه لأنها متصرفه, فنقول : كان يكون فهو كائن, كما نقول ضرب يضرب فهو ضارب, فلا يجوز تقديم خبر الفعل ( ليس ) عليه كما فعلنا مع الفعل (كان) المتصرف, فالمتصرف أقوى عملا من الجامد, ويؤثر في معموله المتقدم (جميلا كان الجو) ولا نستطيع تقديم خبر ليس عليها لأنها ضعيفة لعله الجمود وعدم التصرف, والأفعال الجامدة ضعيفة العمل, واستعملت لجمودها استعمال الأدوات.
واذا استقصينا أسباب ضعف الأفعال الجامدة, نجد أفعال المدح والذم من الأفعال الجامدة, وهي ضعيفة العمل ففي هذه الأفعال ” ذهب الكوفيون إلى أن ( نعم , وبئس) اسمان مبتدآن, وذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرفان ” , فمن أهم ضوابط ضعفها عند النحاة أنها جامدة غير متصرفة , كما أن هذه الأفعال من القضايا الخلافية لأنها تأخذ بعض أحكام الاسم وكذلك بعض أحكام الفعل , فاحتج الكوفيون بدخول حرف الخفض عليهما كقول بعض فُصاء العرب ( نِعْمَ السيرُ, على بِئْسَ العَيْرُ), وقبولها النداء فالعرب تقول ( يا نعم المولى ) والنداء من خصائص الأسماء , كما أنه لا يحسن اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال فلا نقول ( يا نعم الرجل أمسِ ) بل أن البعض رأى أن في عدم تصرفها دليل على الاسمية ؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال, ويرى البصريون أنهما فعلان لاتصال الضمير المرفوع بهما كاتصاله بالفعل المتصرف نحو : (نعما رجلين, ونعموا رجالا) كما تتصل بتاء التأنيث الساكنة ( نعمت المرأة ) كما أنهما يبنيان على الفتح ([19]) , ونجدها من حيث العمل اقرب إلى الأدوات , ففعليتها تحتاج إلى نظر , وترتب على ذلك ضعفها في العمل فهي لا تعمل إلا في معرف بـ ( ال) أو فيما أضيف إلى ما هما فيه , أو في مضمر مفسر بنكرة , ومن أمثلتها في القرآن قوله تعالى ﴿ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾([20]), ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾([21]) , ﴿ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾([22]) , فعملها اقتصر على الفاعل ولم تعمل في المفاعيل مما جعلها ضعيفة في حيث العمل .
ومن الأفعال الجامدة فعلي التعجب, وعلى الرغم من أن تأثير فعل التعجب يقع على المفعول به فتنصبه, إلا أنها اعتبرت أضعف من الأفعال التامة من حيث القوة, ومسبار ضعفها عائد لكونها أفعال جامدة, ويعود سبب الضعف لاعتمادها في نصب المفعول به على التأويل, فإذا قلنا ( ما أجملَ السماءَ ) فإن معناه ( شيء عظيم أجملَ السماءَ )،والذي دفع النحاة إلى مثل هذا التأويل، سيطرة نظرية العامل والمعمول عليهم، ورفضهم قبول وجود اسم يمكن أن يقع في الجملة العربية لا يخضع لعمل عامل فلابد أن يكون لكل مرفوع رافع، ولكل منصوب ناصب، ولكل مجرور جار, مما دفعهم إلى توجيه معنى( ما ) التعجبية فذهب جمهورهم إلى أنها نكرة تامة بمعنى (شيء) في محل رفع مبتدأ، ويرى الكوفيون أن هذه الأفعال ” جامدة لا تتصرف , ولو كان فعلا لوجب أن يتصرف؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال , فلما لم يتصرف وكان جامدا وجب أن يلحق بالأسماء “([23]) .
الأفعال التامة أقوى من الأفعال الناقصة:
والفعل الناقص أضعف من الفعل التام ؛ لأن ” عمله يقتصر على ركني الجملة الاسمية ( المبتدأ والخبر) , ثم لا تمتد به قوته إلى أن يؤثر فيما أثر فيه الفعل اللازم”([24]) , وسبب ضعفها عن الأفعال التامة أن تأثيرها لم يقع على المفعول به صراحة , وإنما وقع على ما شبه بالمفعول به في بناء انساق الجملة العربية ” فكان عملها في الجملة على تشبيها بها , وأنَّها خبر عن هذا الحديث , ولم تكن لتنصب الاثنين ؛ لأن أصلها أن ترفع ما بعدها , ولم تكن لترفعهما معا فلا يظهر عملها , فلذلك رفعت أحداهما وتنصب الآخر “([25]) , وإن كانت الأفعال الناقصة أضعف في العمل من الأفعال التامة إلا أنها لا تتساوق فيما بينها في قوة العمل , بل تتفاوت في مرتبة قوة عملها, وتأتي الأفعال الناقصة في بعض الاستعمالات تاما , فتكون أقواها نحو قوله تعالى : ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ ([26]) , فجاءت هنا تامة تدل على حدث وزمن بمعنى (حدث ووقع ) وتعرب ﴿ ذُو﴾ فاعل للفعل كان, كما جاءت تامة بمعنى ( حدث يوم ) في قول الشاعر الربيع بن ضبعة الفزاري :
إذا كان الشتاء فأدفئوني فإنّ الشيخ يهدمه الشتاء([27])
فأقوى الأفعال الناقصة ما عمل تاما وناقصا ” مثل كان اذا كانت تامة , وكذلك سائر أخواتها تستعمل ناقصة وتامّة , إلا : ظلّ وليس وما زال وما فتئ , فإنها لا تستعمل إلا ناقصة “([28]) , فهذه الأفعال أضعف في العمل من الأفعال التي تأتي تامّة .
أما الأفعال الناقصة فإنها جميعا أضعف من التامة وسبب الضعف عائد لنصبها مفعولا به بالشبه ” فإن قيل : فلِمَ رفعت الاسم ونصبت الخبر؟ قيل : تشبيها بالأفعال الحقيقية , رفعت الاسم تشبيها له بالفاعل , ونصبت الخبر تشبيها له بالمفعول , كما جاز تقديم أخبارها على أسمائها ؛ لأنها لمّا كانت أخبارها مشبَّهة بالمفعول ,وأسماؤها مشبَّهةً بالفاعل , والمفعول يجوز تقديمه على الفاعل , فكذلك ما كان مشبها به”([29]) , كما أجازوا تقديم أخبارها عليها لأن المفعول به يجوز تقدمه على الفعل فنقول ( جميلا كان الجو ) إلا أن هذا لا يطرد في جميع الأفعال الناقصة , فالأفعال الناقصة التي أولها (ما) لا يجوز تقديم خبرها عليها , فكانت أضعف في العمل من غيرها لأن النفي لا يعمل ما بعده فيما قبله فلا نقول ( قائما ما زال زيد ) , كما لا يجوز تقديم خبر ليس عليها؛ لأن ( ليس ) فعل لا يتصرف وما كان غير متصرف في نفسه لا يتصرف في غيره.
أما القول بأن الأفعال الناقصة رفعت المبتدأ فكلام يحتاج إلى وقفه , فما الأثر الذي أحدثته في الاسم المرفوع على الأصل , فالمبتدأ كان مرفوعا قبل دخولها وبقي على حاله , وتأثيرها وقع على الخبر فأحدث فيه النصب تشبيها له بالمفعول به , وعليه يكون عمل هذه الأفعال وقع على الخبر وأحدث فيه النصب على التشبيه , كما أن الفاعل أيضا مرفوع على الأصل والعرب هكذا نطقته , فلم تُحدث الأفعال الناقصة فيه أثرا سواء أكان اسما لها أو فاعلا لها على الشبه.
الأدوات
والأدوات عوامل أضعف من الأفعال ؛ لأنها تعمل أحيانا وتعطل عن العمل أحيانا أخر([30]) , وهي تلي الأفعال في المرتبة ؛ لأن منها ما يقرب من الفعل فيقوى , نحو الحروف المشبهة بالأفعال , وبسبب ضعفها أن العمل فيها ليس بأصل , ولذلك متى وجدناها عاملة نسأل عن سبب إعمالها , والأدوات من حيث العمل قسمت إلى نوعين , أدوات مختصة , وأدوات غير مختصة , والأدوات المختصة عاملة وهي قسمين : أدوات مختصة بالدخول على الأسماء كأدوات الجر, وأدوات مختصة بالأفعال كأدوات النصب والجزم , فإذا كانت الأدوات من ” عوامل الأسماء فلا يجوز أن تجعل من عوامل الأفعال ؛ لأن عوامل الأسماء لا تكون من عوامل الأفعال , كما أن عوامل الأفعال لا تكون عوامل للأسماء “([31]), أما الأدوات غير المختصة وهي التي تدخل على الأفعال والأسماء كأدوات العطف فإنها لا تعمل وبالتالي لن ننظرها في معيار القوة والضعف .
ويرى العلماء أن الحروف أضعف من الأفعال في العمل ” والفعل أقوى من الحرف “([32]) ووضعوا مجموعة من الضوابط التي جعلتهم يذهبون إلى هذا الحكم نثروها في مصنفاتهم ومن خلال تتبع أهم هذه المصنفات يمكن الوقوف على الظواهر التي قادتهم للحكم بضعف الحروف عامة في العمل مقارنة بالأفعال ومنها :
أ ـ الحروف لا تعمل في الأسماء المتقدمة عليها كما هو الحال في الأفعال ؛ لأن تقديم المعمول على العامل يقتضي أن يتصرف العامل في نفسه , والتصرف خاص بالأفعال , أما الحروف فلا توصف بالتصرف , وهذا أحد أسباب ضعفها عن الأفعال , لأن عدم التصرف فيه سلب لوصف العمل منها ؛ فلم يجز تقديم معمولها عليها , فلا يجوز لنا القول ( جميلٌ إن الجوَ )؛ لأن ما شابه الفعل منها التزام حالا جامدة في التركيب, إذ لا يجوز فيه تقديم المرفوع على المنصوب فلا يقال ( إن جميلٌ الجوَ ), بل إن بعض العلماء لا يجيز أن تعمل ما قبل الأداة فيما بعدها كما هو الحال في ( ما ) النافية فاختلفوا في جواز تقديم معمول خبر ما عليها في نحو ( طعامك ما زيد آكلا ).
ب . لا تعمل الحروف في الفضلات , فلا تنصب مفعولاً ولا تمييزاً ولا استثناءً , إلا ما شابه الفعل منها([33]) , ذلك أن من أسباب قوة عمل الأفعال نصبها المفعول به , بل ان علامة القوة في العامل تعتمد على قدرته على نصب المفعول به , ومن هنا كانت بعض الأسماء المشبهة بالفعل كاسم الفاعل أقوى عملا من الحروف لقدرتها على نصب المفعول به , ونجد أن عمل الحروف في الفضلات اقتصر على المنادى والحال , ففي النداء نابت الأداة عن الفعل المحذوف أدعو, ففي قولنا ( يا زيد) فنصب المنادى على أنه مفعول به وناصبه الفعل المقدر ( يا أدعو زيدا) فحذف العامل لكثرة الاستعمال ولدلالة حرف النداء عليه , وإفادته فائدته , فصارت ( يا) بدلا من الفعل المحذوف ” وقد أجاز المبرد نصب المنادى على حرف النداء , لسده مسد الفعل “([34]), كما عملت الأدوات التي تشبه الفعل بالمعنى في الحال نحو : ليت سعيدا أخوك غنيا , أي ليته أخوك في حاله غناه , وليت بمعنى أتمنى , كما اختلفوا في عمل ( إلا ) في الاستثناء فيعضهم يرى أنها العاملة فيه, ورأى آخرون أن العامل فيه الفعل المتقدم([35])
جـ ـ الحروف لضعفها لا تعمل مضمرة , وأجاز العلماء أن تعمل الحروف مضمرة بشرط العوض , فالحروف لا يمكن لها أن تعمل مضمرة إلا اذا عوض عنها بحرف آخر , كما هو الحال في عمل أن المضمرة النصب في الفعل المضارع بشرط أن تضمر بعد حرف عطف أو حرف جر في نحو قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾([36]), فاللام في ﴿ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ تسمى لام الجحود وتكون “أنْ” هنا مضمرة وجوبًا ، فعملت وهي مضمرة بعد حرف الجر اللام, وفي قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾([37]) أضمرت (أن) بعد لام التعليل, فتسمى هذه اللام المقوية لتعوض ضعف العامل عن العمل مضمرا, كما تعمل ( ربّ ) الجر مضمرة بعد الفاء وبل والواو كما في :
ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَــهُ عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي
د ـ الحروف لضعفها لا تعمل في شيء واحد ؛ لأن أقوى العوامل يختص في العمل في صنف واحد من المفعولات , فنجد أن الفعل وهو أقوى العوامل لا يعمل إلا في الاسم وحده , والحروف وهي أضعف تعمل مرة في الاسم كحروف الجر , ومرة في الفعل كنواصب والجوازم([38]).
وبعد أن بينا ضوابط ضعف عمل الأدوات , نجد أنفسنا أمام سؤال منطقي , هل الأدوات جميعها تقع في نفس المستوى من القوة ؟ إن الأدوات تتفاوت فيما بينها قوة وضعفا , ويمكن تصنيف الأدوات حسب معيار القوة إلى الأقسام التالية :
أ ـــ أقوى الحروف عملا ما كان مشبها بالأفعال فإنها تقرب من الفعل , فتعمل عملين رفعا ونصبا , وهي ( إن وأخواتها ) ” فهذه الحروف مشبهة بالأفعال, وإنما أشبهتها؛ لأنها لا تقع إلا على الأسماء وفيها المعاني من الترجي والتمني والتشبيه التي عباراتها الأفعال, وهي في القوة دون الأفعال, ولذلك بنيت أواخرها على الفتح كبناء الواجب الماضي, وهي تنصب الأسماء وترفع الإخبار , فتشبه من الفعل ما قدّم مفعوله, نحو : ضرب زيدا عمرو “([39]), فهذه الحروف اعتبرها العلماء أقوى الحروف عملا لأنها تعمل النصب في المبتدأ وتعمل الرفع في الخبر , ففي قولنا ( إن الوطنَ قويٌ ) نصبت إن الاسم الأول , ورفعت الثاني , وهذا يقودنا إلى تساءل منهجي وهو ما الأثر الذي أحدثه في الخبر , ألم يكن الخبر مرفوعا قبلها ؟ لذلك نقول إنها لا تؤثر في الخبر عملا بل الخبر بقي مرفوعا على الأصل, وتأثيرها كان بإحداث النصب في الاسم, والحروف ضعيفة العمل فلا يتعدى عملها إلى معمولين ولا تتعدد مفعولاتها كالأفعال , لذلك نرى أن عملها قد اقتصر على نصب المبتدأ فقط , ويعلل ابن مالك سبب نصبها المبتدأ بقوله ” إلا أن هذه الحروف لما كانت فروع كان في عمل الرفع والنصب , قدم معهن عمل النصب على الرفع تنبيها على الفرعية , لأن الأصل تقديم الرفع “([40]) , وقد يكون من أسباب جعلها أقوى الحروف أنها أعملت النصب في الاسم تشبيها له بالمفعول به , ونصب الأسماء من اختصاص الأفعال والأصل أن لا تنصب الحروف الأسماء , فكانت أقوى الحروف عملا بعلة المشابهة.
ب ـــ ومن الحروف ما يضعف فيعمل عملا واحدا , جرا أو نصبا أو جزما([41]) , وان كانت أصيلة في عملها ولا تشبه بالفعل ولا تلحق به ؛ لأنه لا يجر ولا ينصب ولا يجزم . فسبب ضعف هذه الحروف أنها لا تشبه الفعل ويمكن تفصيل القول فيها على النحو الاتي : حروف الجر من العوامل الضعيفة ولكن علماء النحو قارنوا بينها في مراتب القوة , فنجدهم قد جعلوا الحرف ( من ) أقوى حروف الجر , بل ذهب الأشموني إلى أن ابن مالك عندما قال ( هاك حروف الجر وهي عشرون حرفا من وإلى وحتى ) إنما ” بدئ بمن لأنها أقوى حروف الجر ؛ ولذلك دخلت على ما لم يدخل عليه غيرها , نحو : من عندك”([42]), وكأنه جعلها بسبب قوتها في العمل على باقي حروف الجر ( أم ) لهذا الحروف , وحروف الجر لضعفها لا يفصل بينها وبين معمولها فاصل , إلا في الاضطرار يفصل بينها وبين معمولها ظرف أو مجرور كما في قول الشاعر :
إنَّ عمراً لا خير في اليوم عمرٍو إنَّ عمراً مكثر الأحزان
وكقول الشاعر : ………….. وليس إلى منها النزولِ سبيل([43])
أما النواصب والجوازم فهي من العوامل الضعيفة عندهم ؛ لأنها لا تشبه الفعل وتعمل عملا واحدا , ويكون معمولها الفعل , والأصل في العمل أن يكون المعمول في الأسماء , وبالرغم من ضعفها فقد أجاز العلماء تقدم معمول معمولها عليها , ففي ( لن ) نجد جمهور العلماء قالوا ” بجواز تقدم معمول معمولها عليها نحو : زيداً لن أضربَ “([44]) بل استدلوا من ذلك أن (لن) ليست مركبة من ( لا , أن ) لأن ( أن ) المصدرية لا يجوز تقديم معمول معمولها عليها وهي أم الباب فجاز للفرع ما لم يجز للأصل , كما نجد أن الفصل بين ( كي ) والفعل لا يبطل عملها نحو : جئتُ كي فيك أرغبَ , كما أجاز الكسائي في كي تقدم معمول معمولها عليها نحو ( جئتُ النحوَ كي أتعلمَ ) وان كانت هذه الحروف ضعيفة إلا أنها أقوى من العوامل المعنوية فوقع عملها على المضارع المرفوع بالتجرد , وأثرت فيه نصبا وجزما, ويعود سبب ضعفها بالنسبة للعوامل اللفظية ” أن هذه لم يدخل على معنى الجملة إنما دخلت لمعنى في الفعل المتضمن للحدث من نفي أو إمكان أو نهي أو جزاء , وذلك كله يتعلق بالفعل خاصة لا بالجملة فوجب عملها فيه كما وجب عمل حروف الجر في الأسماء من حيث دلت على معنى فيها ولم تكن داخلة على جملة سبق إليها عامل معنوي ولا لفظي”([45]) فهي وإن كانت ضعيفة العمل إلا أنها أزالت عمل العامل المعنوي , وهذا يقودنا إلى أن قوة عمل الحرف تعتمد على ” اختلاف الأحرف أصالة وفرعا , فبعضها عمل عملا هو منه أصل كأحرف الجر والنواصب والجوازم , وبعضها الآخر عمل عملا هو فيه فرع كالأحرف المشبهة بالفعل وأداة النداء “([46])
ونخلص إلى أن معيار قوة العمل في الحروف يعتمد على أصالة عمل الحرف وفرعيته فالحروف إن كانت فرعا في عملها فهي أقوى في العمل ؛ لأنها تعتبر مُلحقة بالفعل في العمل , فحصل العمل لشبهه بالفعل فعملت عمله وهي (إنَّ , وأنَّ , ولكنَّ , وليتَ , ولعلَّ ) وتحمل هذه الحروف معاني الفعلية وهي التوكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي , كما أن هذه الحروف في ضوابطهم تشبه الفعل من حيث البنية اللفظية فيتألف بعضها من ثلاثة أحرف وبعضها من أربعة أحرف كما أنها مبنية على الفتح وتلحق بها نون الوقاية أحيانا([47]) ” وسبب أعمال هذه الحروف اختصاصها بمشابهة كان الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر إلا أن هذه الحروف لما كانت فروعا في عمل الرفع والنصب قدم معهن عمل النصب على الرفع تنبيها على الفرعية “([48]), ونؤيد ما ذهب إليه الكوفيون بأن عملها مقتصر على نصب ما كان مبتدأ , أما الخبر فبقي مرفوعا على ما كان عليه قبل دخولها , فلا أثر لها فيه , فهي عوامل فروع غير أصيلة جاءها الإعمال لصلة لها بالفعل , أما الحروف التي يكون فيها العمل أصلا فهي أضعف عملا , فهي أصيلة في عملها , ولا تُشبه بالفعل , ولا تلحق به, على أنه لا بُد من الإشارة إلى أن معيار الاختصاص في عمل الحروف لا يطرد, فنجد حروفا غير مختصة ولكنها عاملة , بل هي قوية في عملها ؛ لأنها تحدث النصب في الأسماء, والنصب خاص بالأفعال, وذلك اعتمدا على معيار المشابهة كما هو الحال في ( ما ) الحجازية, و ( لا ) النافية, واللتان تعملان عمل ( ليس ) فعلة عملها مضارعتها ليس, نحو : ﴿ ما هذا بشرا ﴾.
الأسماء :
الأسماء عوامل أضعف من الأفعال ؛ لأنها تعمل في مواقع ولا تعمل في أخرى, فهي فروع , ومراتب الفروع بعد الأصول , والأصل فيها ألا تعمل ؛ لأن الإعراب خاص بها وهذا يعني أنها معمولات لا عوامل, وتتفاوت الأسماء المشبهة للفعل في العمل وكلما ازدادت منه قربا ازدادت قدرة على العمل, وكلما بَعُد بها الشبه ضعف عملها ([49]) , وتتدرج الأسماء في قوة العمل بحسب مشابهتها الفعل أو لتضمنه معنى الحرف أو لنيابته عنه([50])
الأسماء العاملة عمل الفعل ومتعلقاتها
- اسم الفاعل
وهو أقوى الأسماء عملا ؛ لأنه يشبه الفعل المضارع شبها معنويا ولفظيا , فهو مثله في الدلالة, يدل على الحدث وفاعله وزمنه , ووصفه سيبوية ” هذا باب من اسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى , فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت في ( يَفْعَلُ ) كان نكرةً منونا , وذلك قولك : ( هذا ضارِبٌ زيداً غداً ) فمعناه وعملُه مثلُ : ( هذا يَضْرِبُ زيداً غداً )”([51]), فاسم الفاعل يقوم بما يناط بالفعل من وظائف حتى أن فريقا من النحويين يسميه الفعل الدائم , واسم الفاعل عند النحاة ” يعمل عمل فعله إن أريد به الحال والاستقبال واعتمد على صاحب مذكور نحو : زيد مكرم رجلا طالبا العلم, كما أن اسم الفاعل لا يعمل إذا صُغر أو وصف أو قصد به المضىّ ولم توصل به الألف واللام , ولا حكيت به الحال , فلا يقال هذا ضويرب زيدا , ولا هذا ضارب عنيف زيدا , ولا هذا ضارب أمس زيدا لا اليوم , وإنما امتنع العمل بالتصغير والوصف لأنهما من خصائص الأسماء , فيزيلان شبه الفعل معنى ولفظا “([52])
واسم الفاعل أقوى الأسماء عملا , وتأثير عمله يقع على نصب مفعول به , ومتى استطاع العامل إحداث النصب في المفعول به كان قويا , لأن نصب المفعول به من خصائص الأفعال التي ترتقي سلم قوة العمل , فإن وصلها أي عامل صعد إلى أعلى مرتبة العمل في فئته , وبالرغم من فرعية عمل اسم الفاعل إلا أنَّه لقوة عمله جُعل أصلا لباقي الفروع , وجُعلت شروط عمله مقياسا لباقي المشتقات , بل إن بعض العلماء يرى أنه أقوى عملا من الحروف , ويأتي مباشرة بعد الأفعال , فوضعوا له شروطا ليكون عاملا ” فيعمل اسم الفاعل عمل فعله في التعدي واللزوم إن كان مُضِيَّه بمعزل بأن كان بمعنى الحال أو الاستقبال ؛ لأنه إنما عمل حملا على المضارع , وهو كذلك , وولي ما يُقَرِّبه من الفعلية بأن ولي استفهاما ملفوظا به نحو : أضارب زيدٌ عمراً , أو الموصوف المقدر : يا طالعا جبلا , والتقدير يا رجلا طالعا جبلا , أو نفيا : ما ضاربٌ زيدٌ عمراً أو صفه : مررت برجل قائدٍ بعيراً أو حالا : جاء زيدٌ راكبا فرسا “([53]) , وقد يكون في إعماله بشرط سبب لضعفه عن الفعل ؛ لأنه إن تخلف شرط من شروطه لا يعمل , في المقابل نجد الفعل عامل دائما , بل لجأ العلماء إلى التقدير في بعض التفسيرات ليتوافق ذلك مع أسس وضوابط نظرية العامل كما في قوله تعالى: ﴿ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ ﴾([54]) على حكاية الحال , والمعنى يبسط ذراعيه بدليل ﴿ ونقلبهم ﴾, واختلف العلماء في قوة عمل اسم الفاعل فما كان منونا أقوى في العمل من المعرف بال, فجعلوا المنون يساوق المضارع, والمعرف بـ (أل) يساوق الماضي, وكلاهما مستحق للعمل؛ لأنه وقع موقع يجب تأويله فيه بالفعل , ويعمل اسم الفاعل المعرف بـ ( أل ) في المضي والحضور والاستقبال نحو قولنا هذا الضارب زيدا , فصار بمعنى الذي ضرب زيدا وعمل فعمل فيه عمله([55]) وهو النصب.
- اسم المفعول :
ويأتي في القوة بعد اسم الفاعل, وسبب ضعفه أنه يعمل عمل الفعل المبني للمجهول وسبب قوته على باقي المشتقات أنه يشبه الفعل المضارع معنى ويشبهه لفظا حين يكون فوق الثلاثي , وهو قادر على عملين في الاسم , أولهما الرفع ويحدثه في نائب الفاعل وثانيهما النصب ويحدثه في المفعول به الثاني أو الثالث إذا كان فعله متعديا إلى اثنين أو ثلاثة , واسم المفعول يعمل بنفس شروط اسم الفاعل, فهو فرع على الأصل في شروط الإعمال , ويمكن لنا تميز اسم المفعول من حيث القوة في العمل إلى صنفين , الأول ما عمل الرفع في نائب الفاعل والنصب في المفعول الأول والثاني وهو الأقوى عملا ؛ لأنه يحدث النصب في المفعول به, نحو : المعطي كفافا, فنائب الفاعل ضمير يعود عليه وكفافا مفعول به منصوب لاسم المفعول , ونحو : زيدٌ معلم ٌ أبوُه عمراً قائماً , أما الذي يكتفي برفع نائب فاعل فهو أضعف عملا نحو : زيدٌ مضروبٌ أبوُه ([56]) .
- الصفة المشبهة :
وهي أضعف عملا من اسمي الفاعل والمفعول لعدم مشابهتها للفعل ؛ لأنها تحمل قدرا من الثبات الذي تخالف به الأفعال , فهي أقرب لامتناع العمل لولا شبهها لاسم الفاعل في الدلالة على الحدث الوصفي فنصف بها كما نصف باسم الفاعل , فهي فرع يُحمل على فرع وتعمل عمل اسم الفاعل ” وإن لم تكن مثلها في القوة في شبه الأفعال , بل منحطة عن رتبتها, فتعمل لذلك الرفع خاصة , ولا تنصب مفعولا “([57]) , ولضعفها تتمثل حالات إعرابية متعددة ” أي لمعمول هذه الصفة ثلاث حالات : الرفع على الفاعلية , والنصب على التشبيه بالمفعول به وعلى التمييز إن كان نكرة, والخفض بالإضافة “([58]) فمعمولها يتمثل الحالات الإعرابية الثلاث الرفع على الفاعلية في محمدٌ كريمٌ خلقُه, والنصب على التمييز محمدٌ كريمٌ خلقاً, والجر على الإضافة في : محمدٌ كريمُ الخلقِ ” وتحوُّل مرفوعها إلى التمييز تارة والمضاف إليه تارة أخرى يدل على ضعف عملها ؛ لأن رفع الفاعل أوكد لاتخاذ الكلمة المشتقة سمت الفعل” ([59]) , فاضطراب تأثيرها في معمولها إشارة لضعف عملها .
- اسم التفضيل :
يُعَد من أضعف المشتقات عملا , بل النادر فيه العمل لبعد شبهه بالفعل , وقصر عن الوصول لمرتبة الصفة المشبهة فانحطّ عنها في العمل , فالصفة المشبهة عملت لمشابهتها اسم الفاعل ؛ لأن اسم الفاعل وإن كان فرعا على الأفعال إلا أنه أصل في العمل للمشتقات ” فأما أفعل هذه وبابها فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث فبعُد من شبه اسم الفاعل , وصار كالأسماء الجوامد التي لا يؤخذ منها الأفعال “([60]) ولا شبه بينه وبين اسم الفاعل, واسم التفضيل لضعفه يعمل في حالات نادرة ومشروطة , ومن إعماله أن يُرفع به الضمير المستتر , نحو : محمد أكرم من خالد , والتقدير : محمد أكرم هو من خالد , قد يرفع اسم التفضل الاسم الظاهر ( الفاعل ) إذا صلح وقوع فعل بمعناه , نحو: ما رأيتُ رجلا أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ , فكلمة ( الكحل ) مرفوعة بـ ( أحسن ) لصحة وقوع فعل بمعناه موقعه , والتقدير : ما رأيت رجلا يحسنُ في عينه الكحل كزيد . ويرى العلماء أن اسم التفضيل لا يقوى على نصب مفعول به لإنعدام الشبه بالفعل , وبعدها عن اسم الفاعل , ولكنهم وجدوا في كتاب الله وشعر العرب ما يخالف هذا الأصل الذي وضعوه , ففي القرآن الكريم ورد في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ﴾([61]) فيصح وقوع فعل بمعنى اسم التفضيل ( أعلم ) وهو ( يعلم) فتكون (من) مفعولا به لاسم التفضيل , كما جعلوا فالقوانس مفعول به لاسم التفضيل أضرب لأنه يصح وقوع فعل بمعناه وهو ( نضرب ) في قول العباس بن مرداس([62]) :
أكرَّ وأحمى للحقيقة منهم وأَضربَ منا بالسيوف القوانِسا
ولكن بسبب سيطرت فكرة العامل رفض بعضهم إعمال اسم التفضيل خاصة في النصب فجعلوا النصب بتأثير فعل محذوف ففي الآية (من) مفعولا به لفعل محذوف تقديره (يعلم) أو منصوبة على نزع الخافض, وفي القوانس نصبوها بفعل محذوف تقديره (نضرب) والذي ” يدل على تعسفهم أنهم يجيزون أن تلحق لام التقوية معمول اسم التفضيل في قولهم أنا أضرب منك لزيد , كما يبيحون أن تلحق الباء الزائدة بعده بمعمول يكون مفعولا به للفعل منه مثل أنا أعلم به منك, لأن لام التقوية تدخل على معمول عامل ضعيف”([63])
- المصدر :
أما المصادر فهي أضعف من الأفعال ؛ لأنها لا تتضمن الضمائر كما هو الحال في الأفعال , فجعلوها أضعف عملا من الفعل وقالوا: ” المصدر أصل للفعل في الاشتقاق في أصح القولين, والفعل أصل للمصدر في الإعمال”([64]), وهذا البُعد عن الأفعال جعل المصادر أضعف عملا من المشتقات ؛ لذلك كان دونهما في القدرة على العمل , والمصدر العامل عند النحاة هو المصدر المقدر بأن والفعل , ويعمل عمل الفعل الذي أُخذ منه , وتتفاوت قدرة المصدر في معموله حسب أحواله , فالمصدر يعمل منونا , أو مضافا , أو معرفا بال , فإذا كان المصدر ” منونا فذلك أقوى أحواله في العمل , ارتفع به الفاعل وانتصب به المفعول إن كان لفعله مفعول “([65]), ذلك أن التنوين يدل على التنكير , فيكون موافقا لمعنى الفعل دون وجود شبه , نحو : يخيفني نومٌ زيدٌ , ونريد به يخيفني أن ينام زيدٌ, فأحدث المصدر الرفع في الفاعل, وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾([66]), فأحدث المصدر النصب للمفعول به﴿ يتيما﴾.
ويأتي بعد المصدر المنون ” في القوة عملا المصدر المضاف , وأضعف المصادر ما كان معرفا “([67]) ؛ لأن الإضافة للمصدر بمنزلة التنوين له , غير أن المصدر يختلف عن اسم الفاعل بأنه قد يضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله , فالإضافة إلى فعله نحو قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾([68]), فالمصدر ﴿دَفْعُ﴾ جاء مضافا إلى الفاعل ﴿ اللَّهِ﴾ فنصب مفعولا به ﴿ النَّاسَ﴾ , أما المصدر العامل المعرف بأل فهو أضعف حالات المصدر عملاً ، لبُعده عن مشابهه الفعل بدخول أل عليه , نحو : عجبت من الضرب محمداً , ولضعف المصدر في العمل فلا يجوز أن يكون مفصولاً عن معموله ، نحو: أراضي لقاؤك مرتين محمداً , ولا يجوز أن يتأخر المصدر عن معموله، نحو: أعجبني عمراً احترام زيد, كما أن معموله لا يتقدم عليه، نحو (ليس لي به علم) ؛ والصواب (علم به) . ولضعف المصدر تدخل لام التقوية على معموله لأنه بحاجة إلى قوة مساعدة حتى يمتلك القوة للعمل , نحو : فهمك للكلام جيد ([69]) , يذهب بعض النحاة إلى أن المصدر لم يعمل لشبه بالفعل , بل عمل لأنه أصل الفعل ، وهذا مذهب البصريين ، لأنهم يقولون المصدر أصل الفعل ، ولهذا يختلف المصدر عن الفعل بأنه يجوز حذف فاعل المصدر ولا يجوز حذف فاعل الفعل . نحو : تكريم الفائزين يشجعهم على مواصلة الفوز .
الأسماء العاملة عمل الحرف
وهي أضعف عملا من الأسماء العاملة عمل الفعل ,وعملها إما أن يكون بالجر وإما يكون بالجزم , وهي في ضربين :
ضرب ضُمِّن معنى الحرف
وهو أسماء الشرط , نحو : من , ما , مهما , متى , أيان , أينما , حيثما , أنى , كيفما , أيا , ” وأما الجزم بها لتضمنها معنى الحرف الجازم , وذلك الحرف ان الشرطية خاصة , فلا يجزم اسم إلا بتضمن معناها ” ([70]) , ففي قولنا من تكرمْ أكرمْ , وتكرك مجزوم بمن نيابة عن حرف الشرط إن , فسبب إعمالها أنها تُضمنت معنى ” إن ” ولولا ذلك لما عملت , وان تضمنت معنى همزة الاستفهام فلا تكون عاملة , فقوتها في تضمنها معنى ( إن ) , وضعفها في تضمنها معنى الاستفهام .
ضرب ناب عن الحرف
وهو المضاف , والإضافة في هذا الضرب تكون إضافة بمعنى اللام أو إضافة بمعنى من , فالتي بمعنى اللام تسمى إضافة الملك نحو : كتاب محمدٍ , كان المعنى هو ملكه , أي كتاب لمحمدٍ , أو الاستحقاق , نحو : سرج الدابةِ , كان المعنى سرج تستحقه الدابة ولا تملكه أي سرج للدابة , والتي بمعنى من تبين النوع نحو : خاتم ذهب , أي خاتم من ذهب , لكنهم اسقطوا حروف الجر اختصارا للكلام , فحل الاسم قبله محله , وناب عنه في عمل الجر , فأعمل الاسم الأول الجر في الثاني , والدليل على أن المضاف هو العامل في المضاف إليه أنه يتصل به ضمير فيقال كتابك , كتابه , والضمائر لا تتصل إلا بما كان عاملا فيها , وإن كان ” أبو الحسن الأخفش يذهب إلى أن المضاف إليه إنما جر بمعنى الإضافة , ولم يجر بالاسم المضاف إليه “([71]) على اعتبار أن العامل المعنوي ” الإضافة ” هو من أحدث الجر , ونرى أن المضاف هو العامل , وهو أضعف الأسماء عملا .
الخاتمة : يعد العامل المحور الرئيس في نظرية النحو العربي , وأصل مهم من أصولها , ولبيان مدى تأثير العامل في المستوى الإعرابي ظهرت الحاجة إلى معيار يضبط قوة العامل وضعفه , فحاول هذا البحث كشف منهج النحاة في تحديد قوة العامل وضعفه , وخرج بالنتائج الأتية :
أولا : العوامل المعنوية أضعف عملا من العوامل اللفظية ؛ لأنها لا تعمل حتى يدل عليها دليل لفظي , ولا يتقدم عليها معمولها , ولا تقوى على نصب مفعول به , ويزيل العامل اللفظي عملها .
ثانيا : أقوى العوامل اللفظية الأفعال ؛ لأنها تعمل دائما , فلا يوجد فعل بدون معمول , واعتبر أصل في قوة العامل , فالعوامل الأصول قوية , بينما تشترك العوامل الفروع كلها في سمة الضعف .
ثالثا : تأتي الحروف في المرتبة الثانية بعد الأفعال في العمل , ومنها ما يعمل بالأصل كحروف الجر والنواصب والجوازم , ومنها ما يعمل لمشابهته الفعل نحو إن وأخواتها.
رابعا : أضعف العوامل عملا الأسماء, لأنها في الأصل معربة, والعمل فيها فرع على الأصل, وتتحدد قوة عملها بمدى شبهها للأفعال, فاسم الفاعل أقواها عملا لأنه أكثر الأسماء شبها بالفعل, فهو فرع على الفعل وأصل للأسماء في العمل .
خامسا : تعدُّ قدرة العامل على نصب المفعول به مسبارا على قوة العامل , ومؤشرا على قوته.
المصادر والمراجع :
1 ـ القرآن الكريم
2 ـ الأنباري , كمال الدين أبي البركات ,(1961) الأنصاف في مسائل الخلاف , تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد , مطبعة السعادة ـ القاهرة , ط4
3 ـ الأنباري,(1957) : أسرار العربية , تحقيق : محمد بهجة البيطار , مطبعة الترقي ـ دمشق , د. ط
4 ـ الحلواني , محمد خير,(2011) : أصول النحو العربي , أفريقيا الشرق ـ المغرب , ط2
5 ـ خان , محمد , ( 2012 ) : أصول النحو العربي , مطبعة جامعة محمد خضير ـ بسكرة
6 ـ ابن الخشاب, أبي محمد عبد الله بن احمد, (1972): المرتجل في شرح الجمل, تحقيق: علي حيدر , دمشق.
7 ـ الخطيب , محمد عبد الفتاح ,(2006): ضوابط الفكر النحوي , دار البصائرـ القاهرة ,ط3
8 ـ الرضي , محمد بن الحسن النجفي ,(1993) شرح الرضي لكافية ابن الحاجب , تحقيق : حسن محمد الحفظي , منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود , ط1
9 ـ السهيلي , أبي القاسم عبد الرحمن عبد الله ، (1992) : نتائج الفكر في النحو , تحقيق : عادل عبد الموجود , علي معوّض , دار الكتب العلمية ـ بيروت , ط1
10 ـ سيبوية, عمرو بن عثمان,( 1988) : الكتاب , تحقيق عبد السلام هارون , مكتبة الخانجي بالقاهرة , ط3
11 ـ الأشموني ,(1955) منهج السالك إلى ألفية ابن مالك ـ شرح الأشموني ـ , تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد , دار الكتاب العربي ـ بيروت , ط1
12 ـ عمايرة , خليل احمد , (1985) : العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه , د . ط
13 ـ ابن مالك , جمال الدين بن محمد بن عبد الله الأندلسي ,(1990) : شرح التسهيل , تحقيق : عبد الرحمن السيد , محمد بدوي , دار هجر ـ مصر , ط1
14 ـ المبرد ,أبي العباس محمد بن يزيد , (1994) : المقتضب , تحقيق : محمد عبد الخالق عضيمة , منشورات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ـ القاهرة , ط 3
15 ـ الملخ , حسن خميس ,(2001) : نظرية الأصل والفرع في النحو العربي , دار الشروق ـ عمان , ط 1
16 ـ ابن هشام , جمال الدين بن أبي محمد الأنصاري ,(1986): تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد , تحقيق : عباس مصطفى الصالحي , دار الكتاب العربي ـ بيروت , ط1
17 ـ ابن يعيش ,أبي البقاء يعيش بن علي , (2001 ) : شرح المفصل للزمخشري , تحقيق : إميل بديع يعقوب , دار الكتب العلمية ـ بيروت , ط1
[1]. سيبوية , ( 1988): الكتاب , تحقيق عبد السلام هارون , مكتبة الخانجي, ط3,ج1 , ص33
[2]. السهيلي,(1992): نتائج الفكر في النحو, دار الكتب العلمية ـ بيروت , ط1, ص 312
[3]. ابن الخشاب , (1972) : المرتجل في شرح الجمل , تحقيق : علي حيدر , دمشق , ص 114
[4]. الخطيب , محمد عبد الفتاح , (2006): ضوابط الفكر النحوي , دار البصائرـ,ط3 , ص 40
[5]. السهيلي ، نتائج الفكر , ص 312
[6]. ابن الخشاب , المرتجل , ص 115
[7]. ابن مالك ,(1990) : شرح التسهيل , تحقيق : عبد الرحمن السيد, دار هجر, ط1, ج1 , ص270
[8]. سورة يس , الآية : 33
[9]. سورة يس , الآية : 37
[10]. سيبوية , الكتاب , ج1 , ص 33
[11]ـ الملخ , حسن خميس (2001): نظرية الأصل والفرع في النحو العربي , ط1,ص82
[12]. عمايرة , خليل احمد , (1985) : العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه , د . ط , ص 60
[13]. الحلواني , محمد خير, (2011) : أصول النحو العربي , أفريقيا الشرق, ط2 , ص 149 ـ 150
[14]. الحلواني , محمد خير , أصول النحو العربي , ص 149
[15]. الأنباري, (1961) الأنصاف في مسائل الخلاف , مطبعة السعادة ـ القاهرة , ط4 , ص 80
[16]. سورة مريم , الآية : 4
[17]. سورة طه , الآية : 86
[18]. ابن الأنباري , الأنصاف في مسائل الخلاف , ص 161
[19]. انظر المسالة 14 في الإنصاف للأنباري , ص 97 ـ 126 , فقد تحدث عن حجج الفريقين والرد عليهما وأثبت فعلية نعم وبئس
[20]. سورة هود , الآية 98
[21]. سورة ص , الآية : 30
[22]. سورة الأنفال , الآية : 40
[23]. ابن الأنباري , الأنصاف في مسائل الخلاف , ص 126
[24]. الخطيب , محمد عبد الفتاح , ضوابط الفكر النحوي , ص 43
[25]. السهيلي , نتائج الفكر في النحو , 263
[26]. سورة البقرة : الآية 280
[27]. ابن هشام الأنصاري , تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد , ص 242
[28]. الأنباري,(1957) : أسرار العربية , تحقيق : محمد بهجة البيطار , مطبعة الترقي, ص 88
[29]. المصدر السابق , ص 88
[30]. عمايرة , خليل احمد, العامل النحوي , ص 58
[31]. ابن الأنباري , الأنصاف في مسائل الخلاف , ص 598
[32]. المصدر السابق , ص 164
[33]. الحلواني , محمد خير, أصول النحو العربي , ص 159
[34]. الرضي, محمد بن الحسن,(1993) شرح الرضي لكافية ابن الحاجب, ط1, ق1 , ص407
[35]. الحلواني , محمد خير, أصول النحو العربي , ص 160
[36]. سورة الأنفال , الآية : 33
[37]. سورة يوسف , الآية : 52
[38]. الخطيب , محمد عبد الفتاح, ضوابط الفكر النحوي , م2 , ص48
[39]. المبرد , (1994) : المقتضب , تحقيق : محمد عبد الخالق عضيمة, ط3 ,ج 4 , ص108
[40]. ابن مالك , شرح التسهيل ,ج2 , ص8
[41]. الخطيب , محمد عبد الفتاح, ضوابط الفكر النحوي , ص 44
[42]. شرح الأشموني على ألفية ابن مالك , ج2 , ص 284
[43]. المصدر السابق , ج2 , ص302
[44]. شرح الأشموني على ألفية ابن مالك , ج3 , ص 548
[45]. السهيلي , نتائج الفكر في النحو , ص 61
[46]. الحلواني , محمد, أصول النحو العربي , ص 161
[47]. الحلواني , محمد, أصول النحو العربي , ص 158 ـ 159
[48]. ابن مالك , شرح التسهيل , ج2 , ص8
[49]. الحلواني , محمد, أصول النحو العربي , ص 161
[50]. خان , محمد, ( 2012 ) : أصول النحو العربي , جامعة محمد خضير ـ بسكرة , ص 134
[51]. سيبوية , الكتاب , ج1 , ص 164
[52]. ابن مالك , شرح التسهيل , ج3 , ص74
[53]. شرح الأشموني على ألفية ابن مالك , ج2 , ص 339 ـ 340
[54]. سورة الكهف , الآية : 18
[55] ـ ابن مالك , شرح التسهيل , ج3 , ص 76
[56]. شرح الأشموني على ألفية ابن مالك , ج3 , ص 345
[57]. ابن الخشاب , المرتجل في شرح الجمل , ص 239
[58]. المصدر السابق , ج2 , ص 357
[59]. الحلواني , محمد, أصول النحو العربي , ص 163
[60]. ابن يعيش ,أبي البقاء, (2001 ): شرح المفصل للزمخشري , ط1, ج6 , ص 105
[61]. سورة الأنعام , الآية ك 117
[62] . للمزيد انظر , شرح الفصل ج6 و ص106 , وأصول النحو لمحمد الحلواني, ص 204
[63]. الحلواني , محمد, أصول النحو العربي , ص 204
[64]. ابن الخشاب , المرتجل في شرح الجمل , ص 240
[65] . المصدر السابق , ص 240
[66]. سورة البلد , الآية : 14 ـ 15
[67]. الخطيب , محمد عبد الفتاح, ضوابط الفكر النحوي , ص 44
[68]. سورة البقرة , الآية : 251
[69]. الحلواني ,محمد خير , أصول النحو العربي , ص 191
[70]. ابن الخشاب , المرتجل , ص 269
[71]. الحلواني ,محمد خير , أصول النحو العربي , ص179
