Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

July 27, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

عاصفة الجنون

­­­ د. محمد سليم باحث وأكاديمي مقيم في نيو دلهي  Mob No: 9717344534     Mail id: msalimjnu86@gmail.com ________________________________________ كانت الهيئة تشبه دويلة في جزيرة نائية، توافد الناس إليها من مناطق دانية وقاصية فاستوطنوها، وبنوا بها بيوتا مثلما تبني الطيور أعشاشها في أعلى الأشجار الطويلة وارفة الظلال ولصيقة الأدواح، “والطيور على أشكالها تقع”، فعاشوا فيها هانئين… View Article

عاصفة الجنون

­­­

د. محمد سليم

باحث وأكاديمي مقيم في نيو دلهي

 Mob No: 9717344534    

Mail id: msalimjnu86@gmail.com

________________________________________

كانت الهيئة تشبه دويلة في جزيرة نائية، توافد الناس إليها من مناطق دانية وقاصية فاستوطنوها، وبنوا بها بيوتا مثلما تبني الطيور أعشاشها في أعلى الأشجار الطويلة وارفة الظلال ولصيقة الأدواح، “والطيور على أشكالها تقع”، فعاشوا فيها هانئين مرحين، أو هكذا ظن الرجال أنهم عاشوا بها في هناءة ومرح غير أن مظهرهم المرح لم يبق طويلا إذ تسرب إلى داخل نفوسهم الغرور والهوس، وكلما حُمّلت النفوس غرورها وهوسها، فهي حتما تحمل نذير سوء، ولذا لما وجد “كامل” نفسه في غرفته داخل إحدى مباني الهيئة وحيدا، أصبح غارقا في بحر من الأفكار المتلاطمة التي تصطفق بذهنه، فعادت به ذاكرته للفترة التي عاشها قبل أربعين سنة، أتى الهيئة خالي الوفاض على غرار الشبان الطموحين، وتدرج في مختلف مراحل الحياة العملية حتى غدا على قاب قوسين أو أدنى من أواخر أيامه في الهيئة، وبدأ يغرق في أحايين كثيرة في تفكير عميق، وشعر أن ملامح الرؤيا التي رآها البارحة تعاوده بين فينة وأخرى على الرغم من سعيه إبعادها عنه، وحدث أن اضطجع على السرير البارحة بعد نصب يومه فغرق في النوم ورأى في منامه هبوب عاصفة رهيبة هزت الأرض.

عاصفة هوجاء هبت فعصفت بالأشجار، وطارت بأكواخ الفقراء، وخاف الناس فهبوا يطفئون مواقدهم خيفة من اندلاع حريق، وأسرع الفقراء إلى بيوت الموسرين يحتمون بها من سياط الريح والرعد، ورأوا قطيعا من الأبقار تصرخ وتستغيث، تبدو كأنها قد تطير في الهواء، وهرع أصحابها إليها يفضون عقد الحبال، واضعين أيديهم على أعينهم اتقاء الغبار المتطاير، ولم تكن إلا دقائق حتى خلت الشوارع من البشر، كأن القرية أقفرت عن بكرة أبيها، وهدأت الريح قليلا فبدأت السماء تمطر، بينما واصلت السحب زئيرها ورعدها.

        ولما صحا كامل من نومه أحس أحداث رؤياه مسيطرة على ذهنه، نهض من سريره، وفتح شباك غرفته، ثم استدنى كرسيا فاقتعده، وفتح درج طاولته ليخرج علبة سجائر وولاعة متناسيا إقلاعه عن التدخين منذ بضع سنين خلت عقب وعكة صحية اضطرته للإقلاع عنه، وأخذ كوبا فملأه ماء، وشرع يرتشفه رشفات كأنما كان يرتشف قهوة في مقهى في عهد شبابه، أما الآن فلا يكاد يبين الأمر فيفرق بين طعم الماء ومذاق القهوة، يرتشف الماء وهو مهموم البال يفكر في المنام الذي رآه، وحدثته نفسه فتساءل هل للأحداث التي وقعت قبل سنين دور في تعكير صفو مزاجه؟ وهل لرفقائه دور في إجهاض خطته لإبقاء الأمور تحت ألغاز مبطنة؟ وماذا لو استنطق أتباعه تلك الألغاز المبطنة فباحت لهم بأسرارها؟ يقول الناس إن كلمة “أسرار” خديعة بحد ذاتها، فإن الخبرات تتقارب، والنفوس البشرية تتآلف أو تتعارض، والعواطف والانفعالات تتوارد، فما الليث إلا عدة خراف مهضومة، ولذا بدا كامل قلقا عما قد يشعر به أتباعه بعد علمهم بالأمر، وهل تعود الطباع إلى سابق عهدها بالود والاحترام والثقة في تلك الهيئة التاريخية؟ كامل بدا قلقا وتساءل هل بمقدور قلقه أن يزيل هموم “خالد” ورفقاءه ممن خبروا الأمر ودرسوه؟

بينما تزاحمت المشاعر المتناقضة في رأسه، وطافت به صور أشباح مظلمة، رنّ هاتفه، فبدا منزعجا إذ قطع عليه رنين الهاتف خيط تفكيره، فرفع جواله على مضض وردّ في فتور قائلا:

“آلو! من معي في هذه الساعة؟”

ردّ عليه شخص من الطرف الآخر في صوت هادئ: “أنا عزير فاضل، آسف  أزعجتك في هذا الوقت، بس اتصلت عليك لأطمئن عليك …”

تحدّث كامل في صوت يشي بانزعاجه: “أنت يا فاضل، لا تزال باقيا على نهجك، لا تكاد تتركني ونحن في مثل هذا العمر، ما الذي حداك للاتصال بي في هذه الساعة؟”

أجاب فاضل في صوت ملؤه الخبث والدهاء: “سمعت أنك صرت منعزلا، وتظل سحابة النهار حبيس بيتك، المقربون منك انفضوا من حولك، وهجروك تلاقي من رحى الأيام ما يتعبك ويشقيك؟”

أخذ كامل نفسا عميقا وتكلّم في نبرة تنم عن تبرم واضح فقال: “من هم الأوغاد يخبرونك عما أمرّ به؟ وشر البلية ما يُضحك، أنت تعرف حالي وطبعي، خبرت أناسا، وجرّبت معهم الأمور، وأنت خبير بوضعي، وأنت ما أخبارك، أين رفاقك الذين كانوا يتبعونك مثل ظلك؟”

شعر فاضل بتحد باد في سؤال كامل ولذا هيأ نفسه لأن يفحمه بكلامه، فأسرع يرد عليه: “لا تحدثني عن الرفاق، هم رفاق المصالح، لم يتصل بي أحد منذ سنين ولو على سبيل الكلفة، تحققت مصالحهم، وتمسكنوا حتى تمكنوا، وأناس كما يقولون دوما يعبدون الشمس المشرقة، ولا يعيرون إلتفاتا لشمس على وشك الغروب”.

قاطعه كامل قائلا: “صديقي فاضل! ذلك هو الواقع المرير، وهي الحقيقة الناصعة في جبين الدهر، الشمس تطلع في الأفق البعيد، وتشرق وهاجة، ثم ترتفع في كبد السماء، وتحرق البسيطة، وتلسع الوجوه والجباه وتلفحها، وتمرغ الناس في التراب، ثم تزول، وتغيب وتحرق نفسها بنفسها”…

وتحمّس فاضل فقال: “نعم صديقي! هكذا هي الحياة باختصار، وماذا عسانا نفعل غير إيلام الضمائر، وإبداء الأسف والندم على ما مضى”.

وتوقّف الصديقان في الكلام، وسلّم بعضهما على البعض الآخر.

وإن كان كامل قد توقف في حديثه، غير أن ذهنه لم يتوقف عن التفكير، فتنهّد ثم بدأ يتحدث مع نفسه، وطفق يستذكر الأحداث التي ظن البعض بخس فيها حقوق الآخرين، وهضم فيها حقوقهم الفكرية والعلمية، ثم ذهب به ذهنه إلى الآثار المروية التي قرأها عليه والده المعلم، فاستعادت ذاكرته حديث أبيه عن حقوق الخالق والمخلوق، أو العابد والمعبود.

وقطع عليه تفكيره طرق خفيف على الباب، دخلت على إثره حفيدته تحمل صينية الفطور له، والشاي الأخضر بالنعناع المفضل لديه، فوضعته على طاولته، وخرجت مبتسمة يشع وجهها براءة وذكاء، غير أن ابتسامتها البريئة لم تستطع أن تزيح عنه تبرمه بالحياة، فما عتم أن انثالت عليه مشاعره المتناقضة، وعاودته صور العواصف الرهيبة التي رآها في منامه، فمدت بظلالها عليه حتى ظنها تبدلت إلى أحلام يقظة بل إلى واقع مرير.