ظاهرة الصمت في شعر فدوى طوقان
الدكتور معراج أحمد معراج الندوي الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها جامعة عالية ،كولكاتا – الهند merajjnu@gmail.com Abstract The phenomenon of silence is one of the most prominent aspects that occupied in contemporary critical studies. This phenomenon has roots in the Arabic poetry tradition that is called in Arabic eloquence “A1 Ektefaa” which is… View Article
الدكتور معراج أحمد معراج الندوي
الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية ،كولكاتا – الهند
Abstract
The phenomenon of silence is one of the most prominent aspects that occupied in contemporary critical studies. This phenomenon has roots in the Arabic poetry tradition that is called in Arabic eloquence “A1 Ektefaa” which is a simple aspect of silence because the listener often recognizes what is silenced. Silence is an aspect of the hidden talking chosen by the poet for political, social or other reasons; it has various forms and different methods. Fadwa Tawqan’s poetry represents one of the poetic colors in which this phenomenon has emerged remarkably. This paper attempts to highlight the texts of Fadwa Tawqan and explain how she uses the technique of silence, the use of blanks and white spaces in the folds of her poems in the transmission of the psychological scene, and to explain the relationship of this phenomenon. The paper also aims to study the silence language as an important language. Silence cannot be considered meaningless as it is a main source of meaning in contemporary poetry.
ملخص البحث:
برزت في الشعر العربي الحديث ظاهرة التحدث بـالصمت في الخطاب الشعري بصورة لافتة. وهذه الظاهرة ذات جذور في التراث الشعري العربي، أهمها ما يسمى في البلاغة العربية: “الاكتفاء”، وهو مظهر بسيط من مظاهر الصمت؛ لكون السامع يدرك في الغالب ما صمت عنه. أما الصمت في نمطه الحديث، فهو مؤتلف في الغالب مع سياق القصيدة الشعوري والنفسي، وهذا ما يعطيه دلالات رحبة ويجعله منتميا لجماليات الشعر المعاصر، والصمت مظهر من مظاهر التحدث الخفي، يعمد إليه الشاعر لأسباب سياسية أو اجتماعية ونحو ذلك، وله أشكال متباينة وطرق مختلفة، وله أثر كبير في بناء القصيدة المعاصرة. يستهدف هذا البحث ابراز ظاهرة الصمت ودلالاتها في النصوص الشعرية عند فدوى طوقان، كما يسعى الكشف الأسباب والعوامل التي دفعت الشاعرة أن تلح على هذه الظاهرة.
الكلمات الرئيسية: الشعر العربي، فدوى طوقان، النزعة الرمزية، الشعور بالوحدة، ظاهرة الصمت
المدخل:يؤكد التراث الشعري العربي على دور الصمت في الإبانة ونقل المعنى وأهميته في عملية الفهم والافهام، والصمت يشكل أسلوبا شعريا يجسد المفارقة على مستوى التعبير والدلالة. برزت ظاهرة الصمت بشكل ملفت في الشعر العربي الحديث، حيث أقبل العديد من الشعراء على توظيفها في نصوصهم الشعرية، لما وجدوا فيها من دلالات وطاقات موحية، وقد أصبح هذا الصمت معادلا موضوعيا دلاليا للصوت، وأداة فاعلة للتعبير عن رؤي الشاعر وأفكاره الكامنة. ومن هؤلاء الشعراء الذين حرصوا على توظيف ظاهرة الصمت بفنية عالية هي الشاعرة فدوى طوقان. لقد عمدت الشاعرة فدوى طوقان إلى استخدام ظاهرة الصمت في تجربتها الشعرية بكسر الرتابة في التعابير، إذ وجدت في هذه الظاهرة دلالة موحية وظاقة شعورية تعجز اللغة المألوفة. لقد وجدت الشاعرة في الصمت دلالة فاعلة وطاقات مثيرة ساعدتها على رفد نصوصها الشعرية، وتخرجها من السطحية إلى العمق والثراء، كما أن تقنية الصمت في شعرها تعد عنصرا فاعلا يشكل مشهدا تسودها الوحدة والسكون من خلال إيجاد وحدات غير مرئية وغامضة. يحاول هذا البحث ابراز تجربة تقينة الصمت في شعر فدوى طوقان والتحليل النصوص الشعرية وبيان كيفية استخدام الفراغات والمساحات في قصائدها.
أهمية البحث: تأتي أهمية البحث من كونه يتناول نسقا جديدا من النساق الشعرية الحديثة، وهي ظاهرة الصمت هو كلام معبر يتواري خلف الصمت الذي يصمت القاري ويجعله أن يفكر بصمت. الصمت في النصوص الشعرية لا يعني السكوت وعدم الكلام، بل أصبح مظهرا من مظاهر الكلام الخفي الذي يعمد إليه الشاعر في السياق النفسي والشعوري كتقنية حديثة.
الجديد في هذا البحث: تعد ظاهرة الصمت من أبرز الظواهر التي شغلت حيزا مهما في الدراسات النقدية المعاصرةـ ويمثل شعر فدوى طوقان لونا من الألوان الشعرية التي برزت فيها هذه الظاهرة بكل أبعادها. ولم يقف أحد من الدارسين والباحثين عند ظاهرة الصمت في شعر فدوى إلا في إشارات متفرقة في بعض الدراسات النقدية المعاصرة، ومن هنا قد تكون هذه الدراسة من أول الدراسات التي وقف هذا الباحث لإبراز هذه الظاهرة في شعر فدوى طوقان بشكل دقيق.
حياتها ونشأتها: ولدت فدوي طوقان بنت عبدالفتاح طوقان وشقيقة الشاعر الشهير ابراهيم طوقان في مدينة نابلس عام 1920م في أسرة مثقفة. وكانت هذه الأسرة شديدة التمسك بتقاليد المجتمع القديمة. أحبت القراءة والكتابة منذ نعومة أظفارها. تلقت دراستها الإبتدائية في نابلس وحصلت من اللغة الإنجليزية قدرا مكنها من مطالعة أدبها وشعرها. وكانت تختلف عن أخواتها في الطبع تلجأ إلى العزلة وتشعر الرغبة في الحصول على المعرفة ولكن الظروف لم تتح لها فرصة لتكميل دراستها العليا في الخارج، ولكن شقيقها ابراهيم قد أدرك ميولها الأدبية فخصص لها فترات من وقته وبدأ يدرسها بعض الدروس في الأدب والشعر. وقد تعلمت اللغة الإنجليزية حتى استطاعت أن تطالع أدبها وشعرها. وما زالت مكبة على الدراسة والاستفادة من مطالعتها الخاصة. وقد اهتمت بالقصص العلمية والنفسية والفلسفية. وكانت هناك زاوية في مكتبتها من كتب علم النفس والفلسفة. أيقضت موهبتها الشعرية مبكرا. ولكن كانت عائلة فدوى لا تحب أن تقرض فتاة منها الشعر وتنشره في الصحف والمجلات وإن كان ذلك بأسم مستعار أو تحضر المجالس الشعرية. فالشخص الوحيد الذي قام بتشجيع أخته أن تحصل مطامحها ومواهبها كن أخوها أبراهيم طوقان. فأسبغ عليها قدرا كبيرا من عطفه وعنايته وشجعها على مواصلة إظهار موهبتها الشعرية. وهي تقول: ” وقد لمس شقيقثي إبراهيم طوقان قوة ميلي الفطري إلى الشعر منذ صغري ، فأخذ على نفسه عهدا بالأخذ بيدي والعناية بنوجيهي، وبدأ يخصص لي فترات من وقته يعطيني في خلالها دروسا في الأدب والشعر، وكنت أحس بقوة نفسية وروحية تدفعني دائما إلى الأمام، وكان أخي إبراهيم مصدر هذه القوة.[1]
فدوى طوقان ومسيرتها الشعرية:
بدأت الشاعرة تمارس الشعر وأصدرت ديوانها الأول “وحدي مع الأيام” عام 1952م وأهدت إلى شقيقها ابراهيم طوقان. تناولت المواضيع في هذا الديوان حول تأملات ذاتية وذكريات وحب وأشواق حائرة. أما ديوانها الثاني “وجدتها” فيتميز أسلوبها بشعر الانطلاق حيث عالجت في هذا الديوان الموضوعات الأساسية الخاصة بالشكوى والألم وأدخلت فيه نوعا جديدا للحب والأمل والحرية في ثوب الشرق.
آثارها الشعرية: تركت لنا كتابين وتسعة دواوين تشرح فيها سيرتها الشخصية والأنوثة والطنية.
- “وحدي مع الأيام” 1952م
- “وجدتها” 1957م
- “أعطنا حبا” 1960م
- “أمام الباب المغلق” 1967م
- “الليل والفرسان” 1969م
- “على قمة الدنيا وحيدا” 1973
- ” تموز والشىء الآخر”1989م
- ” اللحن الأخير” 2000م
الرمز في الخطاب الشعري عند فدوى طوقان:
يهتم الأدب العربي الحديث بتوظيف الرمز وأعماله في النصوص النثرية والشعرية باعتباره لونا جديدا من الصور المكثفة، فهو يحمل في إيحائه وتلميحاته كثيرا من القيم الجمالية وقوة التأثير في النفوس، والرمزية من الدراسات التي تتوجه إلى الظاهرة الشعرية من خلال تمييز المذاهب الفكرية والتيارات الأدبية، وهي الوليد الشرعي للحرمة الرومانتكية.[2]
الرمز هو محاولة لإشراك الملتقي في توكيد الفكرة التي يعرض لها الأديب أو الشاعر رمزا، مما يخلق نوعا من الاتصال بين المبدع والملتقي حيث تصبح الرموز الشعرية أكثر دلالة وغنى من التعبير العادي والمباشر. يكسب الرمز في الأعمال الأدبية عمقا فنيا ويشحن الألفاظ بمدلولات شعورية جديدة، فالمدرسة لرمزية هي احتواء للواقع كله في الروع ومنحه البعد الروحي المبدع وحده بالنسبة لجماعة ذلك المذهب. الرمزية اتجاه يغلب عليه سيطرة الخيال على كل ما عداه سيطرة تجعل الرمز دلالة أولية على الوان المعاني العقلية والمشاعر العاطفية.[3]
ولا يخلو شعر فدوى طوقان من الرمز، كما نجد في دواوينها الأولى، فقد ظفرت جميعها منذ الديوان الأول بعدد من الرموز الشعرية، إلا أنها لم بالكم الذي توفرت عليه الدواوين الخمسة الأخرى. تتميز رموزها بالشفافية غير الموغلة في الغموض وتتمحور هذه الرموز حول مرموزات معينة، مثلا، الوطن، الفدائ، العدو إلا أننا نجد تكثيفا لرموز العدو والاحتلال إذ بلغت أكثر من ثلثي إجمالي عدد الرموز الواردة في نصها الشعري. تعبر الشاعرة بعض القضايا الحساسية بلغة الرمز. وهي تقول في قصيدة لها “الطاعون”.
يوم فشا الطاعون في مدينتي
خرجت للعراء
مفتوحة الصدر إلى السماء
أهتف من قرار الأخزان بالرياح
هي وسوقي نحونا الساحاب يا رياح
وأنزلي الأمطار، تطهر الهواء في مدينتي
وتغسل البيوت والجبال والأشجار
هي وسوقي نحونا السحاب يا رياح
ولتنزل الأمطار!
ولتنزل الأمطار!
ولتنزل الأمطار![4]
في هذ المقطع من القصيدة نجد الشاعرة تنادي أرضها بالأسلوب الرمزي من خلال الاستعارات التي تحمل معنى القوة والسطوة، أي أن الشاعرة أرادت بالرمز الذي هوخلف للكلمة وانتصارا للمبدأ وللفكر الإنساني. ترمز الشاعرة للمحتل بالطاعون، وقرنت بين الرمز والمرموز إليه نتيجة خبرتها الخاصة، وقد استغلت الطاقة المعنوية التي يلحقها الطاعون من ألم وتدمير للبشرية وعذاب وفتك للدلالة على ما يعانيه شعبها المحتل. نلاحظ أن الطاعون لك يرد في أعمالها إلا مرة واحدة ممن جعله يحتفظ بدلالة واحدة هي العدو، وقد وضعته في إطار كلي للنص تتأزر في بنائه وشائل الأداء المختلفة من ألفاظ وصور وإيقاعات فغدا رمزا كليا.
ومن الرموز الاجتماعية الإنسانية ذات دللات العميقة التي تشرح موقف الشاعرة من الوطن والشعب والمقاومة، كما نجد في قصيدة “لن أبكي” في احتفال اقيم لها من قبل شعراء المقاومة محمود درويش وسميع القاسم وتوفيق زياد عند زياتها لمينة “يافا”، في هذه القصيدة ترمز الشاعرة للشعب الفلسطين بالحصان، وهي تقول:
أحبائي حصان الشعب جاوز
كبوة الأمس
وهب الشهم منتفضا وراء النهر
أصيخوا، ها حصان الشعب
يصهل واثق النهمة
ولن ينداح في الميدان
فوق جبانها التعبل
ولن نرتاح، لن ترتاح
حتى تطرد الأشباح
والغربان والظلمة[5]
في هذه القصيدة ترمز الشاعرة للعدو بالأشباح والغربان والظلمة، إضافة لاستخدام صيغة الجمع في الاشباح والغربان في إشارة إلى كثرة عدو المحتلين في مدينة “يافا” حيث أصبحوا أكثر من عدد سكانها الأصليين. ففي استخدامها لكل من الحصان والأشباح والغربان والظلمة، تشير إلى أن الرمز عند الشاعرة اعتمد على تجاربها الشعورية. لقد وظفت الشاعرة الرمز السياسي والوطني والاجتماعي، فيتضافر في نصها الشعري.
ظاهرة الصمت في الخطاب الشعري عند فدوى طوقان:
إن ألم الصمت يشكل كناية عن الغربية التي تعني الشعور نتيجة المسافة التي تنقل الإنسان عن مجتمعه ومعارفه وعالمه، حينئذ يشعر الإنسان بالانفصال والانعزال عن الآخرين والعالم وحتى ذاته، هنا تهمين سلطة الصمت على سلطة الصوت لتعكس وجهة النظر الذاتية المتمثلة بالاحساس بوجع العزلة القاسية.إذا كان الصوت يخضع لقواعد مضبوطة ونظام دلالي معين، فإن الصمت لا يخضع لاي نظام وقاعدة، ومع ذلك يحمل معه دلالات وافرازات عميقة، ينقل الصمت المعاني والمشاعر المقصود. يمثل الصمت ميراثا ضخما خلفه اغتراب الشاعرة، وصبغ حياتها به، فظهر في خطابها الشعري بصورة واضحة، لقد ضربت على نفسها سياجا من الصمت، حتى أصبح كلامها صمتا، وصراخها صمتا. والصمت الذي تميل إليه الشاعرة أكثر من الكلام، يشكل اللغة المفضلة لديها حتى إن عشقت صوتا تريده صوتا دافئ الغنة منغوم الصدى، وحين تتحدث هي يكون صدى حديثها همسا، فبات الصمت لغتها المفضلة، وهو الأمل ولغة العاشقين. إن دلالة الصمت من أكبر أنماط الموجودة في شعر فدوى طوقان يظهر من خلال الحرف واللفظ. وهي تقول:
واستفاضت في حديث عاشق عيناهما
لغة صامتة تفهمها روحاهما
فترة، ثم طواها في جناحيه وأدناها إليه
استكانت نفسها في راحة بين يديه[6]
ترى الشاعرة أن لغة الإشارة بالعين أكثر قدرة على التعبير عن حالات العشق من أي كلام. وإن توظيف الشاعرة هذه الظاهرة في قصائدها لا يأتي بشكل معنوي، بل بشكل دقيق، تحقق من خلالها دلالية وجمايلة لاثارة الوهج الصراعي بين المتناقضات. لقد أثبتت فدوى طوقان في شعرها عن وظائف الصمت في الحوار والتفاوض، هنا تجعل الشاعرة من الصمت لغة تتميز بغناها دلاليا، مما يؤهلها لأن تكون لغة العاشقين، والأصل في اللغة أن تكون محكية، بيد أنها هنا صامتة تفهمها الأرواح بعيدا عن الواقع المحسوس الذي يعمل في المنطوقبه، لا في المسكوت عنه، وتتحرك الدلالة بعدها من القول الصامت إلى الفعل الصامت الذي يحمل معنى الظرفية والانغماس، مما يدل على الاحتواء الكامل.
وبالنظر للصيغة الفعلية نجد الشاعرة توظفت خمسة أفعال أربعة منها في الزمن الماضي، والخامس يحمل معنى الزمن المضارع، ليفيد استمرارية الفهم حتى بعد انتهاء الحديث. الصمت بهذه الصفة العبقرية التي تدل على مدى فترة السكوت والإطراق، فهذا الصمت يفسح مجالا خصبا للتأمل والخطاب، والشاعرة في تعبيرها كتطبيق عملي ونتيجة من نتائج الصمت الذي رسم لنفسه لغة عناصرها الحركة والإيقاع، مما يجعل الصمت لغة فاهمة ومؤثرة، تغنى عن القول، ويلعب الإيقاع الداخلي دورا في رسم هذه اللوحة. وحين يصعب الحديث بين العاشقين يكون الصمت اللغة الأيسر، فتقول:
والكلمة الخرساء خلف صمتنا
نشدها إلى قلوبنا ولا نقولها
تبقي تشع في عيوننا بلا انتهاء
كنجمة عظيمة البهاء[7]
تؤمن الشاعرة بأن الكلمات مهما كانت دقيقة فليس بوسعها أن تعبر عن كل ما نريد أن نقول، الصمت في السياق الشعري يولد لغة شعرية ويحقق حركة وانعطافا جوهريا على مستوى الأفكار ويخلق انفتاحا نصيا. هذه اللغة بعظمتها وبلاغتها قد تعجز عن التعبير والانطلاق، ليظل الصمت سيد الموقف، تشرح الشاعرة ذلك في أسلوب تقرير، فالكلمة الخرساء غير المنطوقة تقبع خلف حدود الصمت، ونشدها إلى قلوبنا ولا نقولها وتبقى تشع في عيوننا، لقد استخدمت الشاعرة كلمة “الخرساء” ليتجلى الصمت على هذا الموقف ويصبح اللغة الأقوى، بينما تبث الكلمات بريقها من بعيد وتبقي أبدية الضياء بعيدة كنجدة في السماء.
تؤمن الشاعرة بأن الحروف يمكن أن تقوم بذاتها كبدائل للمشاعر ويمكن أن تدل بصدق على ذواتنا ومكنوناتنا، والحقيقة أن الحروف تحجب ولا تكشف، وتضلل ولا تدلل، وتشوه ولا توضح، وهي أدوات التباس أكثر منها أدوات تحديد، وللصمت المُفعَم بالشعور حُكم أقوى من حكم الكلمات، وله إشعاع وله قدرته الخاصة على الفعل والتأثير، فما أبلغ الصمت، وما أقدره على التعبير. يرقص صمتها في إيقاع سحري النغمات، فتقول الشاعرة:
رقصت أجراس الصمت
حدثني إيقاع الصمت عن الغبطة
إذ تتنامي في أرض القلب
حدثني عن فرح الأعياد، عن الدهشة
حدثني عن فوحان باهر
عن موت حلو وشهي في لحظة حب[8]
عرفت الشاعرة بأن الصمت هو سبيل الاقناع حين تفشل مستويات اللغة عن التأسيس، والصمت أولى في مقام الحب. في الأبيات المذكورة تحدث الشاعرة عن الغبطة وعن فرح الأعياد والدهشة وعن فوحان باهر وعن حلو في لحظة حب، لقد تعددت الأخبار إلا أن محورها واحد، فلغة الصمت هي لغة الحب، وهي لغة الحديث عن الحب، لذا نجد تحرك دلالة الصمت من الرقص إلى الحديث وكلاهما صامت، كما نجد التكرار المتباعد والمتفارب في جملة “حدثني” التي تكررت ثلاث مرات، مما أحدثت الموسيقى الداخلية التي اسهمت في إضفاء جو السعادة الناتج عن حديث الصمت. أرادت الشاعرة أن تنقل القاري من دلالة الكلمات المحدودة دلالة بصرية أكثر بلاغة وتأثيرا، لأن الصمت عند أمل واعد ترى من خلاله مستقبلا مشرقا، فتقول:
الأرض الفقر تلاشت
ألمح في الصمت خيال ضفاف
النخل على الشط الغافي
تومئ لي أورعه الخضر
ألمح في الصمتخيال النهر جرى غيبي الأطياف
يتدفق من عمق الأزل[9]
الصمت صفة الإنسان يتنوع بتنوع مدلولاته الوجدانية. ومن البديهي أن الإنسان إذا افتقد أمرا على أرض الواقع يتجه لتحقيقه من خلال أحلامه، سواء في يقظة أم في منامه، ففي الوقت الذي ظن فيه الكثيرون أن الشعب استكان للاحتلال وتتمرس خلف سلبيته واستسلامه، حتى أصبحت الأرض فقرا ممن يحميها، تتجه الشاعرة في رؤية مستقبلية تلمحها من خلال ممارستها لفن الصمت، فتلمح صحوة وطنية تغزو صحراء الغفوة العربية، وترى بارقة أمل بتدفق نهر الكفاح الوطني، وقد رمزت لهم بالنخيل المتجذر في الأرض ودعمت هذا الجذر والتدفق بعمق الأزل.
إن الهندسة الصوتية من خلال تكرار “ألمح” الصمت يمثل الموضوع الذي امتد ليشمل حب الوطن ونباتاته وأشجاره. هذا الحب جعلها تتألم لما حل به من نكبات واحتلال. تألمت الشاعرة لما حل بأرضها، بسهولها وجبالها من خراب وضياع مما أورث اغترابا وصمتا صبغا حياتها بالحزن والكآبة.
استنتاج البحث:إذا كان الصوت هو الجرس أو المنطوق اللساني، فالصمت يكتسب أهمية من خلال تعشقه بالألفاظ الأخرى داخل السياق، إذ ترتدي اللفظة ثوبا آخر ويكتسب السياق معاني جديدة بعيدة عن الرتابة والمألوف. ومن الواضح أن الشاعرة وقفت أمام صورتها المنعكسة لتخاطب نصها بصمت، وقد يبدو لنا أن هذا الصمت يشيئ بالحيرة والغموض، ويوحى بمعان كثيرة في مخيال الشاعرة. لقدعمدت الشاعرة فدوى طوقان إلى توظيف الصمت بمظاهرها الجديدة ودلالاتها الإيحائية في نصوصها الشعرية، حيث وجدت هذه الظاهرة دلالة موحية وطاقة شعورية تعجز اللغة المألوفة. قامت الشاعرة بكسر الرتابة في التعابير التي تتسم بالفنية والبراعة وتخرج النص من رتابته إلى الحيوية، وهي تصميت الصوت وتصويت الصمت في القطعات المتوزعة داخل هيكل القصيدة، الصمت في نصوص فدوي طوقان لا يعني السكوت وعدم الكلام، بل أصبح مظهرا من مظاهر الكلام الخفي الذي عمدت إليه في السياق النفسي والشعوري لأسباب عدة منها الظروف السايسية والاجتماعية، فالصمت عندها يعد جزؤا لا ينفصل عن الكلام، وقد يكون تنفسا وانتظارا، أملا وتأملا، فكرا وصراخا.
المراجع والمصادر
- د. بسام قطوس، مقاربات نصية في الأدب الفلسطيني الحديث، دار الشروق، عمان، 2000م
- رامز حوراني، نشوء وتطور الأدب العربي، الدار العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1996م
- شاكر النابلسي، فدوى طوقان والشعر الأردني المعاصر، الدر القومية للنشر والتوزيع، الأردن، 1963م
- فدوى طوقان، الأعمال الشعرية الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993م
- فدوى طوقان، اللحن الأخير، دار الشروق، عمان، 2000م
- فدوى طوقان، رحلة جبلية رحلة صعبة، دار الشروق، عمان، 1998م
- فتحية إبراهيم صرصر: خصائص الأسلوب في شعر فدوى طوقان،غزة، فلسطين، 2005م
- فرحانة طيب الصديقي، دور المرأة في إثراء اللغة العربية وآدابها، نيو دلهي، 2003م
- صالح أبو أصبع، الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1995م
- د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، دار الأندلس، بيروت، 1983م
- د. عز الدين اسماعيل، الشعر العربي المعاصر، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1992م
- د. علي عشري زائد، عن بناء القصيدة العربيةالحديثة، دار مرجان للطباعة، القاهرة، 1978م
- د.عمر يوسف القادري، التجربة الشعرية عند فدوى طوقان بين الشكل والمضمون، دار الأندلس، بيروت، 1994م
- د.كامل السوافيري، الأدب العربي المعاصر في فلسطين، عام 1996م
- مصطفى محمد السعدني، البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث، منشأة المعارف الإسكندرية، عام م 1987م
- د. مصطفى ناصف، مشكلة المعنى في النقد الحديث، مكتبة الشباب، القاهرة، عام 1965م
- مفيد محمد قميحة، الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر، منشورات جار الآفاق الجديدة، بيروت، 1981م
- محمد أيوب تاج الدين، شعر العرب من النهضة إلى الإنتفاضة، البلاغ، نيو دلهي 2004م
- موسى رباعية، التناص في نماذج الشعري العربي الحديث، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية، الأردن، 2000م
- د. محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، دار المعارف، القاهرة، 1984م
[1] فرحانة طيب صديقي، دور المرأة في إثراء اللغة العربية وآدابها، نيو دلهي، 2003م ص، 341
[2] فتحية إبراهيم صرصور، خصاص الأسلوب في شعر فدوى طوقان، غزة 2005م ص، 132
[3] د. يوسف عيد، المدارس الأدبية ومذاهبها، دار الفكر اللبناني، بيروت، عام 1994م ص، 212
[4] فدوى طوقان، قصيدة “الطاعون”، الأعمال الكاملة،ص، 372
[5] فدوى طوقان، قصيدة “لن ابكي”، الأعمال الكاملة، ص، 397
[6] فدوي طوقان، قصيدة، “هو وهي”، الأعمال الكاملة، ص، 223
[7] فدوى طوقان، قصيدة “عند مفترق الطرق”، الأعمال الكاملة، ص، 356
[8] فدوى طوقان، قصيدة “اترك لي شيئا هذه المرة”، الأعمال الكاملة، ص، 513
[9] فدوى طوقان، قصيدة “في الكون المسحور”، الأعمال الكاملة، ص، 155
