رجل ناجح (قصة قصيرة اجتماعية هندية)
بقلم: د.محمود عالم الصديقي أستاذ مساعد، بقسم اللغة العربية وآدابها جامعة كشمير، الهند __________________________________________________ كنتُ راكبا على أجنحة الأحلام في نومي العميق في الصباح الذي كان يطلُع ببياضه الناصع وينشُر خيطَه الأبيضَ اللامعَ على ظلمة الفجر التي كانت تنقشي بالسرعة التي ينشربها الصباحُ الناصع الجبين بَياضَه عليها ويشع أشعته اللامعة إذ انفتحت عيناي من… View Article
بقلم: د.محمود عالم الصديقي
أستاذ مساعد، بقسم اللغة العربية وآدابها
جامعة كشمير، الهند
__________________________________________________
كنتُ راكبا على أجنحة الأحلام في نومي العميق في الصباح الذي كان يطلُع ببياضه الناصع وينشُر خيطَه الأبيضَ اللامعَ على ظلمة الفجر التي كانت تنقشي بالسرعة التي ينشربها الصباحُ الناصع الجبين بَياضَه عليها ويشع أشعته اللامعة إذ انفتحت عيناي من جرس التلفون الذي يرنُّ برنين متواصل. فمددت يدى اليسرى إلى سمَّاعة التلفون الواضع على منضد خشبي قصير الأعمدة في الجانب الأيسر لفراشي قبالة رأسي، ورفعتُ السمّاعة واستلمتُ المكالمة الهاتفية قائلا: آلو… فجاء صوت آلو من الجانب الآخر في التلفون… وكان الصوت المجيئ من التلفون صوتُ رجلٍ أجنبيِّ، ولكن اللهجة الصوتية للرجل المُتْلَفِن تنم إلى معرفة قديمة بيني وبين الرجل المُتْلَفِن: وبعد ما تبادلنا التحيات فيما بيننا سبقنى الرجل المتلفن بالسؤال قائلا:
- هل معي الدكتور محمود ؟
:فأجبته متثائبا
- نعم، أنا بذاتي الدكتور محمود أتكلم، ومن سماحتكَ هناك في جانب آخر؟
:ردني الرجل لسؤالي في صوت مفعم بالارتياح والسرور
- أنا ” السيد جميل” لعلك عرفتَني؟
من سماع إسمه قد ركّزتُ تفكيري محاولا للعثورعلى شخص يُعْرف بهذا الأسم في حلقة معارفيَّ أو وسط أصدقائِيِّ. ولكن رغم تفكيري المركّز الطويل لم أجد أحدا
:بهذا الأسم في حلقة معارفي وزملائي وأصدقائي . فسألتُه بعجز
- مَنْ السيد جميل ؟
:فقال لي الرجل مازحا
- حاوِلْ من أنا؟
:فقلتُ لهُ معتذرا
- حاولتُ كل المحاولة ولكن لم أهتد إلى معرفتك بالضبط، فاعطني مواصفات هُوَيَّتَك.
- وما سمع المتلفن جوابي حتى قال لي مداعبا:
- كيف يمكن لك أن تعرفني ومن هم على شاكلتي. وقد صرتَ رجلا كبيرا. وقد كسبْتَ كلَّ ما أردتَّ من المنصب والنجاح….
:فقلتُ له في لهجة جدية
- والله لا أمازحك ….مع بذل كل جهودي ما استطعتُ معرفتك حتي الآن ..
:فرد الرجل تاركا المزاح
- أنا زميلك الأقرب القديم في المدرسة الثانوية في مدينة لكناؤ. هل عرفتَنِيْ الآن؟
ما سمعتُ هذه الجملة الكاملة إلا ( قد تحول إسمه “السيد جميل” في مخيلتي إلى) تذكرتُ ولدًا وسيم الصورة متوسط القامة، واسع العينين السوداويين وأبيض الجلد، دائم الابتسامة. وكان زميلا في الصف في المدرسة الثانوية في مدينة لكناؤ قبل ثلاثين سنة، ومصاحبا مستديما في كل شيء. فنحن نسكن – هو وأنا – في غرفة واحدة، ونأكل معا في مائدة واحدة، ونلعب معا في ملعب واحد، ونتنزه معاً في حدائق المدينة و نتكسع معا في شوارع المدينة حتى نتنافس في الصف ونتشاجر معا في أمور تافهة. ثم نتفرق بعد النشاز أو الشجار. ولا نتفرق لوقت قليل حتى نجتمع من جديد بأوثق العرى كأن لم يحدث شيء بيننا…. نحن نعيش معا على هذا المنوال حتى غاب يوما… بحثتُ عنه، وحاولتُ المعرفة بأحواله. ولكن لم أنجحْ في العثور عليه ولا تناهى إليَّ أي خبر له. ثم شغلنى الزمانُ ومسؤوليتُه عنه حتى انقضى ثلاثون سنة على ذلك الانفصال والافتراق: ههنا قد أتصل بي في هذا الصباح الباكر: فتدور كل هذه الأفكار الماضية في رأسي حتى انتبهتُ لصوته الذي يهتف في التلفون
- هل أنت تسمعني يا محمود؟
:وقلتُ له بفرح وارتياح
- نعم! نعم! أنا أسمعك بكل جوارحي ومشاعري… غير قد تهتُ في ذكرياتك الماضية …
:لا بأس: ثم ردد نفس السؤال
- هل عرفتني الآن أو تحتاج مزيدا من مواصفاتي؟
:فقلتُ له صائحا في تنفس واحد مفعم بارتياح وسرور
- نعم ! نعم! قد عرفتك كل المعرفة إنك “السيد جميل” من أعمال دربنغا بولاية بهار، زميلي المفقود منذ زمن طويل. وكيف لا أعرفكَ وأن أيام طفولتي وذكراها لاتكتمل إلا بك وبذكرياتك. وأن الزمان الذي فرّقنا قد أجمعنا من جديد نفسُ الزمان اليوم…فأرقص فرحا وارتياحا بالعثورعليك كالرجل الذي وجد فجأة كنزه المفقود الذي انقطع عنه أمله.” ثم سألته
- كيف حالك؟ ومن أين وجدت رقم هاتفي؟
:فقال في نفس الارتياح والسرور
- أنا بخير الحمد لله وأتمنى لك أيضا العافية والسلامة. وقد حصلتُ على رقم هاتفك من مدرستنا الثانوية حيث كنَّا تلاقينا أول مرة، وتربطت فينا رابطة صدافتنا ثم من حيث انفصلنا بعد لقائنا لثلاث سنوات انفصلا طويلا يمتد حتى اليوم. فنفس المدرسة قد ساعدتْنَا في هذا اللقاء الشفوي من جديد. فإن إخبارك تتناهي إليها بالتزام، وتتناثر حكايات نجاحك إليها بدوام.. وأن المدرسة تتباهي بك وأن أساتذتها تقص قصصك على أبنائها.وعندما قد زرتُها في الشهر الماضي بعد غياب لثلاثين سنوات أخبرني مديرها بأنك أحرزتَ إنجازا باهرا في مجال الدراسة، وصرتَ أستاذا مساعدا في جامعة كشمير.. فأخذتُ منه رقم هاتفك. ومنذ تلك اللحظة أحترق إلى محادثتك ولكن لم أجد فرصة للتكلم معك إلا في هذا الوقت المريح. فأدرتُ رقمك للمحادثة في هذا الصباح المبكر. فأطلب العفومنك على ازعاجك في هذا الوقت.
- فقالتُ له بدون تكلف:
- لا أشعر بالانزعاج عندما أُلفِيى زميلا قديم العهد مثلك، بل أشعر بالسرور و الفرح بمثل هذه الانزعاجات العذبة والمفاجآت السارة. وأرحِّب بك ترحيبا حارا بسحابة صدري وانفتاح قلبي.
ثم قلتُ له: وبدون اللف والدوران، نعم، أنا صرتُ أستاذا مساعدا في جامعة كشمير، بعد ما زودتُّ نفسي بالمؤهلات التعليمية المتطلبة لهذه الوظيفة. وقد انقضت في هذه العملية التعليمية نحو ثلات عقود منذ فارقتَني، وانسابت عليها جهود عظيمة…..
وفي لحظتئذٍ سيطرت عليَّ مشاعري ودفعتنى عواطفي إلى أن أفيض عليه بما عنيتُ من المشاكل والمصائب في الحصول على هذه الوظيفة، وما خسرته من الحياة وما ربحت منه….ولكن تغلّبتُ على مشاعري وكتمتُ عنه مشاعري الجياشة قائلا:
ولكننى حتى الآن لك ولزملائي أمثالك نفس محمود، الطالب الأصغر والرجل البسيط المستعد لتلبية بأوامرك مثلما كنتُ في أيام المدرسة الثانوية…. وسألتُه بدافع فضولي للمعرفة بأحواله
- وقل لي أين أنت الآن، وماذا تشتغل؟
:فأجاب في لهجة مفعمة بالافتخار والاعتزاز
- أنا أسكن في مدينة ممبائ، وأدير فيها عدة مطاعم، ويعمل فيها أكثر من مائة وخمسة وعشرون عاملا وهم بمثاية عائلتي الممتدة، يشتركون في فرحي و ألمي….
:فقلت له في لهجة باردة مفعمة بالابتحاج والدهشة
- ماشاء الله: سررتُ بسماع عن حالتك الطيبة… و عن تجارتك المزدهرة. هل تزوجتَ أم لا؟
:فأجاب في هدوء
- ما تزوجتُ فقط بل لي أربعة أولاد:منهم ثلاثة بنين وابنة واحدة وكلهم يدرسون في مدرسة ديرية ذات سمعة طيبة.
فسألته منشرحا بالإعجاب والمطالبة بالمزيد للإفصاح عن مكنوناته الشخصية والتجارية:
- ماشاء الله، الله يبارك في عمرهم و يزيد في تجارتك. ويبدو من كلامك أنك كسبتً ثروة طائلة حتى صرتَ صاحب مطاعم عديدة. ولكن كيف كسبْتَ هذه الأموال الطائلة و صرتً صاحب المطاعم العديدة؟
- :ففهم رغبتي الملحة في الإفصاح لي عن المزيد. فبدأ يسرد قصته قائلا
“كما أنت تعرف أننى كنتُ طالبا ذكيا قد أَتْرُكُ جميعَ أقراني خلفي في الدراسة وأَبُزُّهم في كل أمتحان. فلم يكن أحد يستطيع أن يسابقني في الدراسة وأن يبزني في الامتحان حتى أنت. ولكنك أنت لا تعرف أن أبي قد توفي وكنتُ في رحم أمي. فكانت أمي كاسبة وحيدة لخبزنا – أعني خبزي وخبزأختى الكبرى- وتحاول كل المحاولة أن تنجح في تحقيق حلم أبي لجعلي أستاذا مساعدا بعد تزويد إياي بالتعليم العالي. فألحقتنى بأجود المدرسة تعليما وأثمن رسوما. فكانت تُتْعِبُ نفسَها في كسب نقود لتستطيع أن تحملَ عبء تعليمي، وأن تقوم بتربيتنا تربية حسنة. غير أنها ماتت فجأة تحت وطأة ثقل تعليمي وتحت حمل عيالتنا. وإثر موتها تَمَّ طردي من المدرسة لعدم قدرتي على دفع رسومي المدرسية. فكنتُ حائرا و مضطربا بعد خروجه من المدرسة، أتشرد على شوارع مدينة لكناؤ وأتطفل على زملائي، وأعيش حياة الطفيليين على فضولة مأدبة زملاءي.. وكنتُ على وشك الضياع أو كنتُ بالكاد ضائعا……ولكن هممتُ بانقاذ نفسي من هذا الضياع، وشمَّرتُ ساعدي للعمل. فبدأت أحاول محاولات جدية في البحث عن عمل، ولكن محاولاتي باءت بالفشل. ومن يعطيني العمل و كنتُ في ذلك الحين صغير السن لا أتعلم عملا ما ولا أعرف صنعة ما؟ فاضطرإلى التسول والاستعطاء على شوارع مدينة لكناؤ حتى جمعتُ نقودا تكتفي بالتنقل من مدينة لكناؤ إلى مدينة بمباي، عاصمة الهند الاقتصادية تُآوي كلَّ من يأوي إليها وتجود على كل مجتهد بالثروة و الشهرة والتألق. وبعد وصولي إليها قد حصلتُ بصعوبة على عمل مقابل أجرة يومية في مطعمٍ صغير لا ينزل فيه إلا فقراء وتعساء وعمّال كاسبون لاجرة يومية ليستطيعوا أكل وجْبَتَيْهم الغدائية والعشائية في أرخص ثمن. وكنُتُ مكلفا بتوفيرهؤلاء الزبائن الأطعمة ومسح المائدة لهم وتنظيف الآنية لهم وغيرها من الأعمال التنظيفية والطبخية. فرحتُ أعمل في هذا المطعم الصغير حتى انقضتْ سبع سنوات. و خلال هذه السنوات السبع تعلمتُ كل شيء متعلق بشؤون المطعم من اشتراء المواد الغذائية وإعداد الطعام و الشاي والقهوة حتى اتقان الكلام العذب مع الزبائن واللباقة في توفيرطلباتهم، وتحسنت علاقتي مع كل زبون يأتي إليه للأكل والشرب، وامتدت حلقة مُعارِفيَّ إلى خارج المطعم في الزقاق الذي كان فيه مطعمُنَا واقعا، وادَّخرتُ من أجرتي اليومية نقودًا كانت كافية لفتح مطعمٍ شخصيٍ لي. فاستأجرتُ محلا وفتحتُ فيه مطعمي الشخصي.. وبحسن حظي ولباقتي قد بارك الله في تجارتي المطعمية. فانجذب الزبائن إلى مطعمى، ومع انقضاء الأيام ازداد عددهم مع ازدياد شهرة مطعمي وكسبه للربح الوفير حتى ازدهرمطعمي ازدهارا باهرا، ونمت نموا كبيرا دفعنى إلى توسيع تجارتي للمطعم. ففتحتُ مطعما جديدا بعد مطعم، واستمرتُ في فتح المطاعم حتى وصلت عددها إلى أربعة مطاعم حتى الآن. ويعمل في هذه المطاعم الأربعة أكثر من مائة و خمسة وعشرون عاملا. و تكسب لي هذه المطاعم الأربعة كلها ربحا وفيرا وشهرة و شرفا. وأعيش على مكاسبها الوفيرة حياةً سعيدةً مع أسرتي المتكونة من زوجتي و أربعة أولاد وكلهم يدرسون في مدرسة ديرية ذات واسطة اللغة الإنجليزية. و أريد أن أجعل واحدا منهم طبيبا وثانيا مهندسا و ثالثا أستاذا مساعدا ورابعا ضابطا إداريا في الحكومة وأن أحقِّقَ ما كان حَلَمَ به أبي فِيَّ ولو كان هذا التحقيق لحلمه في أحفاده بدلا مني… وقد صرتُ فرحا كبيرا عندما سمعتُ أنك حققت ما كان أحلم به أن أحققه وصرتَ أستاذا مساعدا في جامعة من الجامعات الهندية . فلم أستطع إيقاف نفسي من الاتصال بك. فاتصلت بك في هذا الوقت.”
كان زميلي ” السيد جميل” مستغرقا في حكاية قصته المتشوقة ذات الهمة العالية إذ تناهى إليّ في التلفون رنُّ جرس منزله، فصمت لحظة. ثم استأنف قائلا ” طالت المحادثة بيننا وسطحت الشمس بضيائها ….. وأن مشرف العمال لمطاعمي الأربع قد جاء لتلقى الأوامر المتعلقة بالمطاعم …. وإن شاء الله سأتحدثك بعدذلك وأكون في الاتصال االدائم بك على الهاتف. وإعطني الإذن لوضع الهاتف، ثم قطع مكالمته الهاتفية قائلا مع السلامة إلى اللقاء.
قد قطع زميلي القديم “السيد جميل” كلامه . والآن لعله قد صار مشغولا في أعماله الروتينية منسيا لي وشأني … ولكن قصته المتشوقة أجبرتني على التفكير في شأن أولئك الشباب العاطلين الذين قد أكملوا الدكتورات بعد مواجهة مشاكل جسيمة في سبيل تلقي تعليمهم ولاسيما دراساتهم العالية ولكن معظمهم يتسكعون في الشوارع سعيا لوظائف…ويقرقعون حذاءهم في هربهم من جامعة إلى جامعة وراء وظائف…ولكن جهودهم تذهب إلى سدى..ولا تعطف عليهم أحد من أرباب الحكومة، فهم مضطرون على عيشهم لحياة صعبة ملية بالهموم المادية والهموم القلبية…..ولو تركوا تعليمهم في المرحلة الثانوية كما كان ترك “السيد جميل”، واتجهوا إلى تعلم صناعة من الصناعات أو حرفة من الحرف لنجحوا في تلك الحرف ولكسبوا أموالا طائلة مثلما كسب”السيد جميل”. ولكن متابعتهم للتعليم العالي
. الذي قد التهم نصف أعمارهم، قد تسبَّبَ لضياعهم إلا من رحم عليهم الحظ وابتسمت لهم الحياة كمثلي
