التطبيقات التكنولوجية المستخدمة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها عن بعد
أ.د. حسن عبد العليم عبد الجواد يوسف مدير مركز البحوث والدراسات الإندونيسية عميد معهد الدراسات الأفرو آسيوية للدراسات العليا الأسبق جامعة قناة السويس –الإسماعيلية – جمهورية مصر العربية _____________________________________________________ مدخل إن المنهج الدراسي وحدة كبيرة في عملية تعليم اللغة العربية. ولها دور هام في تنظيم أهداف تعليم اللغة العربية وتشكيلها. ولذلك لابد… View Article
أ.د. حسن عبد العليم عبد الجواد يوسف
مدير مركز البحوث والدراسات الإندونيسية
عميد معهد الدراسات الأفرو آسيوية للدراسات العليا الأسبق
جامعة قناة السويس –الإسماعيلية – جمهورية مصر العربية
_____________________________________________________
مدخل
إن المنهج الدراسي وحدة كبيرة في عملية تعليم اللغة العربية. ولها دور هام في تنظيم أهداف تعليم اللغة العربية وتشكيلها. ولذلك لابد لصانع القرار أن يهتم بالمبادئ التي تحيط به.
ولابد من الإشارة الى أهمية إفريقيا لمصر والعلاقات العلمية الممتدة بين دولها وحرص جامعة قناة السويس على الاهتمام بهذا الجانب من خلال فتح معهد الدراسات الأفرو آسيوية للدراسات العليا بجامعة قناة السويس ليكون منارة ثقافية تضم كل الراغبين في الدراسة من دول إفريقيا المختلفة وكذلك إنشاء مركز البحوث والدراسات الإندونيسية بجامعة قناة السويس ليكون في داخله برنامج ” تعليم العربية للناطقين بلغات أخري ” من أجل جذب أكبر عدد ممن يريدون تعلم العربية.
والكتاب التعليمي (textbook) عبارة عن تمثيل المناهج الدراسية. فينبغي له توفير الأسس والمبادئ الأساسية في اعداد الكتاب التعليمي. ولكن الواقع يدل على أن هناك فجوة بعيدة بين الكتاب الجيد مثاليا والكتاب المستخدم في المدارس واقعيا. حيث لا يتوافر سمات الكتاب الجيد ولا يهتم بالأسس والمبادئ الأساسية في اعداد الكتاب وإخراجه وتصميمه.
ومن ثم فإن هذا البحث سيتعرف على العناصر الهامة والأسس اللازمة لبناء المنهج واعداده وتصميمه. ويقوم أيضا بتحليله تحليلا دقيق بشكل نقدي حتى يتبين ما الذي يجب أن يختاره المنهج. وخلاصة القول، إن الباحث سيبني المنهج الدراسي المثالي للطلاب الإندونيسيين على المستوى الثانوي والجامعي حسب خصوصياتهم وميولهم وتطورهم المعرفي (cognitive development) وفروقهم الفردية (individual differences).
وقد مررنا بعدة تجارب نحسبها مرضية في مركز البحوث والدراسات الاندونيسية بجامعة قناة السويس، فهو المركز الوحيد علي مستوي جامعات مصر وقد استقبل عددا كبيرا من الطلاب الراغبين في دراسة العربية واكتساب مهاراتها في ( بيئة اللغة) حسبما وجدناه في السنوات العشر الماضية من خبرات متراكمة لوفود عديدة من جامعات مختلفة تحت برنامج (تنمية المهارات اللغوية) للطلاب في المراحل الجامعية لمدة ستة أشهر وبرنامج ( اكتساب مهارات اللغة ) للأساتذة الذين يدرسون العربية بجامعاتهم في إفريقيا وذلك لمدة 3 أشهر كذلك قيامنا بالتدريس في بعض الجامعات في الخارج (أستاذ زائر) في أقسام اللغة العربية وطرق تدريس العربية للناطقين بغيرها .
كذلك أنشأنا برنامج ” تنمية المهارات اللغوية ” للتركيز على مهارات التعلم التي تتيح لكل الناطقين بغير العربية تعلمها بسهولة ويسر.
فأخرجنا من قلب تجربتنا خطة منهجية نحو تأسيس (معايير عالمية لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات اخرى) في إطار منهج تعليمي نتلمس خطاه في بحثنا المنشود.
المفهوم والأسس والمتطلبات والتطبيقات:
إن إعداد المتعلم النابه الذي يمكنه تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أصبح يمثل أولوية كبرى في كافة النظم التعليمية في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء ؛ذلك لأن التطورات التي حدثت وتحدث تباعاً فرضت على المؤسسات التعليمية أدواراً جديدة ، فلم يعد دور المتعلم تقليدياً متلقياً للمعرفة فحسب بل تعدى ذلك ليشمل مجالات جديدة، فالمتعلم المستقبلي أو متعلم القرن الحادي والعشرين لابد أن يمتلك مهارات الحوار والنقاش ، والنقد ، والتحليل، والربط والاستنتاج ، والبحث ، ومن ثم فقد تغير دوره من السلبية إلى النشاط المستمر ، ولابد من امتلاك المهارات التي تساعده على مجاراة عصر العلم والتقنية، والتعايش مع الآخرين ، والاتصال بهم ، وقبولهم ، والإفادة من تجاربهم مع امتلاك مهارات التفكير الناقد ، والإبداعي ، ومواكبة عصر التطورات الحديثة.
ومن ثم فإن أهمية إعداد المتعلمين في ضوء المتغيرات المتلاحقة ترجع إلى ما يلي:
1 – سرعة التغيرات الحادثة في العالم اليوم واهتمام عدد كبير من الدارسين بتعلم اللغة العربية من كافة بلدان العالم، والتي أصبحت جزءاً من الواقع الذي نعيشه ولعل من أهم هذه التغيرات ما يلي:
- أ- النمو الهائل والمتسارع في المعرفة والفكر الذي أدى إلى تجدد البنى المعرفية، وظهور فروع وأنظمة معرفية جديدة، وقد ساعد على ذلك وجود ما يسمى بظاهرة تقادم المعرفة؛ أي عدم جدواها لفترة طويلة نسبياً من الزمن.
- ب- التقدم المذهل في الأساليب التقنية، ونظم المعلومات الذي ساعد على حدوث الثورة الصناعية الثالثة، والتحول من الصراع الأيديولوجي بين الدول إلى التسابق التقني والمعلوماتي.
- ج- التحول في فلسفة العلم وأهدافه، حيث غدت قيمة العلم فيما يقدمه من نفع وخير للإنسان بعد أن كانت قيمة العلم في ذاته فحسب.
- د- إدراك أهمية الثروة البشرية في التنمية، وبالتالي اتجاه الدول إلى التسابق في تطوير التعليم لإعداد النشء، وهذا يضع مسؤولية كبيرة على المؤسسات التعليمية. الاتساع في النظرة إلى بيئة الإنسان من المحلية إلى العالمية، وهذا يؤدي إل ضرورة إعداد النشء للعالمية، مع الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية في الوقت نفسه.
2- يندرج التعليم في إطار العمل المهني المنظم، وما دام الأمر كذلك فلابد من إعداد مقصود للطلاب في مختلف التخصصات والمستويات للناطقين بغير العربية وإعدادهم للمهن المختلفة.
3- مع تزايد الطلب الاجتماعي على التعليم في الوطن العربي والإسلامي أضحت هناك حاجة ملحة وماسة لإعداد الجيل الجديد، ورفع كفاءاتهم بما يكفل حسن الأداء للاضطلاع بمسؤولياتهم؛ لدفع عجلة التقدم والنمو في شتى جوانب حياة المجتمع المسلم.
4- التطور المعرفي وسرعة تغير العصر ومتطلباته جعل حجم المعرفة خارج المدرسة أكبر من حجم المعرفة داخلها، ومن ثم أصبحت مناهج المدارس خبرات من الماضي تحتاج إلى تطوير دائم وتحديث مستمر، وكل هذا يقتضي نوعية جديدة من المتعلمين والمعلمين.
5- تغير طبيعة الدور الذي يقوم به الطالب في العملية التعليمية الذي هو محورها تبعاً لتغير المفاهيم والنظريات التربوية، فقد أدى مثلاً تطور مفهوم التعلم، والفروق الفردية وبحوث الشخصية إلى تعديل دور المتعلم من المتلقي السلبي إلى المشارك النشط المتفاعل الذي يتعلم بنفسه، ويتدرب على الحصول على المعلومات من مصادر متعددة في ظل تطور التقنيات التعليمية وتعددها، فلم يعد الكتاب المدرسي الوعاء الوحيد للمعلومة.
6- البحث التربوي وما تمخض عنه من تطوير ممارسات جديدة تهدف إلى تحسين العملية التعليمية ، مثل : طرق التدريس، وتنظيم الصفوف الدراسية، واكتشاف تقنيات جديدة تساعد على تحقيق تعلم أفضل في وقت أسرع وبكلفة أقل ؛كأساليب التعلم الذاتي – والتعلم بالمراسلة ، والتعلم بالحاسوب ، والمدارس غير الصفية، والحقائب والرزم التعليمية ، وتفريد التعليم ، أضف إلى ذلك شيوع مفهوم التربية المستمرة كشعار للعصر ، كل هذا كانت له انعكاساته على أساليب إعداد المتعلم ،لذا ففد أصبحت المادة الدراسية ومحتواها سريعة التغير ، ولم تعد مستقرة راكدة ، كما أصبح تكيف الفرد مع المعرفة المتفجرة لا يتأتى بحفظ المعلومات واستظهارها ، وإنما يتم بإتقانه أساليب الوصول إليها واستدعائها عند الضرورة ، وأصبح هدف التعليم أن يبقى المتعلم دائم التعلم .
7- تزايد الاهتمام المجتمعي بالتربية بوصفها أداة من أدوات التنمية من خلال دورها في إعداد القوى البشرية اللازمة لتحقيق أهداف التنمية الاجتماعية، والاقتصادية والنظر إلى التعليم بوصفه استثماراً ذا عائد اقتصادي.
كل هذا جعل من إعداد المتعلم في نظر المخطط التربوي أمراً مهما لإيمانه بأنه المستهدف بالعملية التعليمية، وبالتالي فالحاجة إلى تطويرها لإعداده إعداداً متكاملاً وفاعلاً.
ولا ريب في أن تعليم اللغة العربية ليس بعيداً عن تلك العوامل والمتغيرات التي تؤكد أهمية إعداد المتعلم للعصر المعلوماتي ، بل إن ما يقوم به المتعلم من أدوار، وما يؤديه من مهام تجعل الاهتمام بإعداده من الأولويات الملحة في عالم اليوم ، فالذي يتعلم اللغة العربية ذات الرسالة السامية يعلم إنه إنما يتعلم لغة ذات رسالة خالدة سامية؛ لأنه خلال تعلمه اللغة وإتقان مهاراتها إنما يتعلم لغة مقدسة هي لغة القرآن الكريم المتعبد بتلاوته ، المتحدي بأسلوبه وبلاغته ، وبأقصر سورة وآية من آياته ، لذا يحقق متعلم اللغة العربية توجيهاً سامياً ، ومن ثم يعتـز بلغته ، ويفخر بمقدساته ، وبما تقدمه هذه اللغة من حضارة إسلامية وتراث أصيل يشدها إلى جذورها شداً. (11)
ومن ثم فهو لا يتعلم حروف ومفردات ؛ وإنما يتعلم تراث أمة عريقة ذات حضارة فريدة ، يثقف لسانه ، ويمد فكره بالأمجاد التي يضمها هذا التراث الضخم من شعر ونثر ، وخطبة ومقالة ، وقصة ورواية ، فهو بذلك ليس آلة تتلقى وتردد، وإنما هو حاضن لميراث أمته ، يمثله تمثيلاً يحقق به كيانه وينمي به ذاته ، معتزاً بأمته فخوراً بلغتها متعطشاً لإحياء تراثها ، ليتابع سيره قدماً في معارج الرقي ؛ وليسهم في تطوير البشرية والتعبير عن مشاعرها وصون قيمها الكبرى المتطلعة للخير والحق والجمال ،وهذه مهمة جليلة ورسالة سامية يجدر بنا إدراك أهميتها وعظم مسؤوليتها ، من هنا تتأكد أهمية إعداد الأجيال وضرورة تدريبهم على المهارات اللغوية باستمرار حتى يستطيعوا أداء رسالتهم ومسايرة روح العصر ، ومواكبة رياح التجديد التي بدأت بوادرها تستبين في طبيعة التعليم نفسه ، فقد بدأت العملية التعليمية تتسم بالانفتاح والمرونة ، بدلاً من الانغلاق والنمطية ، كما بدأت تأخذ بالأساليب التقنية الحديثة ؛ بدلاً من إتباع الطرائق الحرفية والأساليب العقيمة .
ورغم ذلك فما تزال الممارسات التعليمية في جميع المراحل التعليمية تعتمد على أساليب التلقين والحفظ ، واعتبار المعلم والمقرر الدراسي هما مصدر الحصول على المعلومة ، وهذا ربما يتناقض تناقضاً جوهرياً مع ثورة المعلومات والانفجار المعرفي ، والتقنية المتطورة والفضائيات، في عصر يتنامى فيه العلم بصورة مذهلة كماً وكيفاً ، ففي هذا العصر لم تعد مهمة التعليم تقديم المادة العلمية ، بل أصبحت المهمة الأساسية تنمية مهارات الحصول على المعلومات المرتبطة بالمادة العلمية من خلال مصادر التعلم المختلفة المطبوعة وغير المطبوعة. وبعد هذا الاستعراض الموجز للملامح الأساسية للتعليم في عصر المعلومات، وما يجب أن يكون عليه الواقع التربوي والتعليمي يتضح الفرق الشاسع بين الأهداف التربوية في عصر المعلومات، وبين واقع التعليم الحالي في العالم العربي وخطورة التحدي التي تواجه النظم التربوية العربية والإسلامية على المستوى العالمي.
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن الفلسفة التربوية السائدة في العديد من الدول العربية والإسلامية تنظر إلى التربية كأداة للثبات والاستقرار، وتركز على عدد المتعلمين في المراحل التعليمية، فهي تركز على الكم وتغفل النوع، وما زال أسلوب التلقين والحفظ هو نهج التعليم المطبق في تعليم اللغة العربية، فهناك قيود عديدة تحد من مشاركة المتعلم وإسهامه في عمليات الإصلاح والتجديد التربوي.
وفي ظل الانفتاح الثقافي، والتقدم التقني أصبحت اللغة العربية أمام تحديات كثيرة منها: قضية الذوبان بين اللغات من خلال الانترنت، ووسائل الاتصال الأخرى ومحاولات التعريب المستمرة، هذا بالإضافة إلى ضعف الأداء اللغوي لدى المتعلمين الذي ينذر بأزمة خطيرة تواجه تعليم اللغة العربية وتعلمها.
وأمام تلك التحديات برزت الحاجة إلى إعادة النظر في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وتعلمها، والتفكير في استخدام مداخل تعليمية حديثة تتناسب وروح العصر، وتقضي على المشكلات التي يعاني منها تعليم اللغة العربية، حيث أوردت الأدبيات عدة مداخل لتعليم اللغة العربية وتعلمها تلك المداخل تتسق مع طبيعة اللغة العربية، وطبيعة عمليتي تعلمها وتعليمها، ومع نتائج البحوث والدراسات في مجال العلوم المتداخلة، وما يناسبها من طرائق التدريس التي تتيح للمتعلم ممارسة اللغة واستخدامها.
ومن تلك المداخل: المدخل الوظيفي، والمدخل التكاملي، والمدخل الاتصالي، والمدخل الانتقائي، والمدخل المهاري، وقد حظيت تلك المداخل بدراسات معمقة أجريت في عدد من البلدان العربية أكدت فاعليتها في تعليم اللغة العربية وتعلمها، ودعت إلى الإفادة من تلك المداخل تصميماً وتنفيذاً. وحديثاً فقد ظهر المدخل التقني في تعليم اللغات بوصفه اتجاها فرض نفسه بقوة تناسباً مع روح العصر ومتطلباته، من هنا فقد ارتأ تسليط الضوء في هذه الورقة على المدخل التقني مبرزاً مفهومه، وأهميته ومبرراته، ومطالب استخدامه وتطبيقاته. (1)
***
مفهوم المدخل التقني:
قبل الولوج في تعريف المدخل التقني تلقي الورقة الضوء على مفهوم المدخل، حيث يقصد به في بعض أدبيات تعليم اللغة: ” مجموعة من الافتراضات تربطها مع بعضها علاقات متبادلة هذه الافتراضات تتصل اتصالاً وثيقاً بطبيعة اللغة وطبيعة عمليتي تعليمها وتعلمها ”
وهو بمعنى إجرائي: وصف لطبيعة الموضوع الذي سيعلم، وبيان للأسس الفكرية، اللغوية، التربوية، النفسية والاجتماعية التي تحكم تعلم اللغة وتعليمها وتوجهه.
والمدخل في التربية يعني الترجمة التربوية لنظرية المعرفة في صورة برامج تعليمية تتحقق فيها فلسفة المعرفة نفسها، وأسس التربية، ونظريات علم النفس من أجل تحقيق الأهداف المبتغاة سواء أكانت أهدافاً للمجتمع، أم أهدافاً للفرد، وتتحقق في المدخل أسس المناهج وتستوفي عناصرها المعروفة بدءًا من الأهداف، وانتهاءً بأساليب القياس والتقويم.
وبمعنى آخر ففي المدخل التعليمي توضع الخطط العامة لأمرين اثنين هما: تصميم البرامج المدرسية، وطرائق التدريس معاً في صورة خطة على المعلم تنفيذها، وعلى المتعلم أن يتعلمها بالوسائل المتاحة، وهذه الخطة الشاملة أشبه ما تكون بقوائم طويلة من العناصر اللغوية وغير اللغوية التي ينبغي تدريسها، حتى يقال إنه قد حدث تعليم وتعلم برنامج دراسي لصف أو مجموعة من المتعلمين.
فالمدخل لتعليم أي مادة دراسية إنما هو مخطط نظري يقع وسطاً بين رؤية علمية فلسفية لكل من: طبيعة المادة وخصائصها وخصائص المتعلمين، والأهداف المرادة من تعليم التلاميذ هذه المادة، وبعده يكون تنفيذ التدريس ملتزماً بذلك المخطط وقائماً عليه، وصادراً عنه
وفي تعبير آخر فمدخل تعليم اللغة العربية يجب أن يكون قائماً على النظرة الفلسفية العلمية لكل من: اللغة العربية، وخصائص الثقافة العربية، وطبيعة المتعلمين، وأهداف اللغة ذاتها والأهداف الدينية منها، والأهداف المتصلة بالمتعلمين، مثل: الحاجات، والميول، وطبيعة نموهم الاجتماعي والعقلي. (9)
ويجب أن ينص في المدخل على المواد التعليمية اللغوية، الشفهية والمكتوبة وكافة المحتويات اللغوية في كافة عصورها، والتقنيات التعليمية، وأساليب التقويم اللغوية “شفهياً وكتابياً، وأوجه النشاط المنهجي في الصفوف، وخارجها كل ذلك في خطوات إجرائية محكمة”.
أما التقنيات التعليمية فقد عرفت بأنها: منحنى نظامي لتصميم العملية التعليمية، وتنفيذها وتقويمها، تبعاً لأهداف محددة نابعة من نتائج الأبحاث في مجال التعليم والاتصال البشري مستخدمة الموارد البشرية وغير البشرية من أجل إكساب التعليم مزيداً من الفاعلية.
ومن ثم فإن تقنيات التعليم تعني أكثر من مجرد استخدام الأجهزة والآلات، فهي طريقة في التفكير، فضلاً على أنها منهج في العمل، وأسلوب في حل المشكلات يعتمد في ذلك على إتباع مخطط منهجي، وأسلوب علمي منظم، يتكون من عناصر كثيرة متداخلة ومتفاعلة بقصد تحقيق أهداف محددة.
بينما تعرّف تقنية المعلومات بأنها: معالجة المعلومات إلكترونيا، أو بواسطة رسائل إلكترونية وتشمل المعالجة نقل وتخزين وتصنيف والحصول على المعلومات، وتقنية المعلومات تركز بصفة خاصة على استخدام الأجهزة والبرمجيات لتنفيذ المهام السابقة ليستفيد منها الفرد والمجتمع.
كما تعرّف بأنها: استخدام الحاسوب وشبكاته المحلية (LAN)والشبكات الواسعة (WAN) والانترنت، وشبكة النسيج العالمية (WEB) وطرق المعلومات السريعة من أجل جمع المعلومات ونشرها، ومعالجتها، وتخزينها واسترجاعها.
وفي ضوء ذلك يمكن تعريف المدخل التقني بأنه: إدارة تعليم اللغة العربية وتعلمها في ضوء برمجيات تعليمية ومقررات إلكترونية نشطة من أجل إكساب المتعلمين مهارات اللغة العربية؛ لحقيق التواصل اللغوي البناء، والتعامل مع العصر ومتغيراته. (2)
إن الدعوة إلى اشتقاق مدخل تقني لتعليم لغتنا العربية وتوحيد خطوطه العامة العريضة إنما يضمن لنا أموراً عديدة منها: توحيد الفلسفة اللغوية، وتوحيد برامج الإعداد، وتوحيد أدوات المعلمين في مجملها العام لا خصوصها الفرعي الخاص، ومن ثم نضمن الأهداف كلها ومنها الأهداف المتصلة بخصوصيات الثقافة القطرية العربية الطبيعية بهذا يكون لنا سمتنا الأصيل الذي لا نعزله عن مجريات التطور في تعليم الأمم غيرنا أبناءها لغاتها.
مبررات استخدام المدخل التقني في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها:
يتميز هذا العصر بالتغيرات المتسارعة الناجمة عن التقدم العلمي والتقني ، وتقنية المعلومات ، لذا أصبح من الضروري مواكبة العملية التربوية لهذه التغيرات لمواجهة المشكلات التي قد تنجم عنها مثل : كثرة المعلومات ، وزيادة أعداد الطلاب ، ونقص المعلمين المؤهلين ، وبعد المسافات ، وازدياد الحاجة إلى التعليم ، وظهور مفهوم التعليم مدى الحياة – كما أشير سابقاً وقد أدت هذه التغيرات إلى ظهور أنماط وطرائق عديدة للتعليم الفردي ، أو الذاتي الذي يسير فيه المتعلم حسب طاقاته وقدراته ، وسرعة تعلمه ، ووفقاً لما لديه من خبرات ومهارات سابقة ، لمواجهة هذه التغيرات ، فظهر مفهوم التعليم المبرمج، ومفهوم التعليم باستخدام الحاسوب ، ومفهوم التعليم عن بُعد ، والذي يتعلم فيه الطالب في أي مكان دون الحاجة إلى وجود المعلم بصفة دائمة .
ومع ظهور تقنية المعلومات التي جعلت من العالم قرية صغيرة زادت الحاجة إلى تبادل الخبرات مع الآخرين، وحاجة الطالب خاصة الناطقين بغير العربية إلى بيئات غنية متعددة المصادر للبحث والتطوير الذاتي، فظهر مفهوم التعليم الإلكتروني، والذي هو أسلوب من أساليب التعليم في إيصال المعلومة للمتعلم ، ويعتمد على التقنيات الحديثة للحاسوب، والشبكة العالمية والوسائط المتعددة (أقراص مدمجة ، برمجيات تعليمية ، البريد الإلكتروني ، ساحات الحوار الثقافي ، الفصول الافتراضية) .(8)
فالمناهج الإلكترونية وطرق التعلم والتعليم المتطورة هي الأساس في التعامل مع معطيات القرن الحادي والعشرين من أجل مواجهة ثورة المعلومات ، كما تعد الركيزة الأساسية لمستقبل الدارسين للعربية من أهلها وللناطقين بغيرها لسنوات قادمة وهي السبيل إلى التنمية في جميع مجالات الحياة ، ولا شك في أن أزمة التعليم عامة ،وتعليم اللغة العربية بصفة خاصة قد فرضت على سياسة التعليم في الدول العربية أن تتطور لكي تلحق بثورة المعلومات ، وتقنية الحاسبات الإلكترونية والاتصالات ، ومن ثم استثمارها في إصلاح تعليم اللغة العربية ، وتطوير مناهجها في جميع المراحل الدراسية ، بحيث تهيئ المتعلم لامتلاك المهارات المتعددة لمواكبة تقنيات العصر. وهذا يعني إحداث ثورة شاملة في تعليم اللغة العربية تتناسب مع الثورة التقنية الهائلة ذات النمو المتسارع التي تتطلب تغييراً ملحاً ، وتطويرا مستمراً في أساليب التفكير من المراحل الأولى من عمر المتعلم ، وهذا يستلزم خططاً متطورة لتعليم اللغة العربية وتعلمها.
فالانفجار المعرفي وتدفق المعلومات، وثورة الاتصالات، وظهور الوسائط والأوعية التعليمية الجديدة، والتقدم العلمي والتقني في شتى المجالات كل ذلك كان من دواعي الاهتمام باستثمار معطيات تقنيات التعليم والاتصال في تخطيط مناهج اللغة العربية وطرق تعليمها وأساليب تقويمها وإعداد معلمها، حيث أصبحت التقنية تحتل مكانة مميزة في برامج التعليم الذي يساير متطلبات العصر وذلك للمميزات التالية:
- تزويد المتعلم بخبرات تعليمية لغوية تتناسب واستعداداته وقدراته وميوله.
- إبقاء أثر التعلم، وجعله أكبر ثباتاً في ذهن المتعلم من أجل الاستفادة من هذه الخبرات اللغوية وتوظيفها في المواقف التعليمية والحياتية التي قد يتعرض لها في المستقبل تحقيقاً لوظيفة اللغة الاتصالية.
- إثارة اهتمام المتعلم، وجذب انتباهه وتركيزه تجاه المشكلات الدراسية والحياتية.
- مراعاة الفروق الفردية للدراسيين للعربية من غير الناطقين بها ومدي استعدادهم النفسي والمهني لذلك.
- إكساب المتعلم المهارات اللغوية [الاستماع، التحدث، القراءة والكتابة] ومهارات النشاط العلمي، والتفاعل الاجتماعي، ومهارات التعلم الذاتي.
- الإسهام في تسلسل الأفكار والخبرات، وترابطها خلال المواقف التعليمية، بما يحقق وحدة اللغة وتكاملها.
- زيادة فاعلية المتعلم ونشاطه الذاتي، ودوره الإيجابي في العملية التعليمية.
- إثارة الحماس والدافعية لدى المتعلم نحو تعلم اللغة العربية، وإتقان مهاراتها، وتهيئة المناخ المناسب لتقصي المعلومات اللغوية الصحيحة، وتحري الدقة في الحصول على المعلومات.
- تحقيق الأهداف التربوية بشكل أيسر وأفضل، مع توفير الوقت والجهد.
- تنمية مهارات التعلم الأساسية للمتعلم، مثل: تنشيط الذاكرة، والرجوع إلى مصادر التعلم المطبوعة وغير المطبوعة.
- منح المتعلم الفرص الكافية من أجل الاستمرار في التدرب على استخدام تقنيات التعليم، والانتقال من جزء إلى آخر، أو من عنصر إلى آخر، كما يتزود بنتيجة تعلمه أولاً بأول.
- مساعدة المتعلم في تنظيم أوقاته وتسجيل ملاحظاته، وترتيب أفكاره والمتابعة الدقيقة للتحصيل خاصة للدراسين العربية من الناطقين بغيرها. (3)
ولابد لتعليم اللغة العربية من أن يكسب المتعلم القدرة على التعامل مع المعلومات، وكيفية الحصول عليها من مصادرها المتعددة، وكيفية تنظيم هذه المعلومات وتوظيفها، والقدرة على الربط بين المعلومات، وإدراك العلاقات المتبادلة بينها، واستنباط معلومات جديدة منها، وتحليل المعلومات، والقدرة على استيعاب مخرجات التقنيات الحديثة واستخدامها، ومهارة الحفاظ عليها، وصيانتها وتطوير أدائها. (7)
***
مطالب استخدام المدخل التقني في تعليم اللغة العربية:
هناك جملة من المطالب يمكن الأخذ بها عند تبني المدخل التقني في تعليم اللغة العربية وتعلمها، ومنها ما يلي:
- أ- ضرورة إعادة النظر في تصميم مقررات اللغة العربية بحيث توجه العناية إلى إنتاج مقررات إلكترونية، وبرمجيات تعليمية، حيث يقدم المحتوى التعليمي على أقراص مدمجة، أو في شكل صفحات من خلال بيئة تفاعلية تعتمد على تقنيات الشبكة العنكبوتية، وذلك من خلال مجموعة من الوسائط المتعددة، والممثلة في: النص، الصوت، والفيديو، والرسوم الثابتة، والرسوم المتحركة، والرسوم التوضيحية.
- ب- إعداد معلم اللغة العربية أثناء الخدمة للتعامل مع التقنيات الحديثة، ودمجها في برامج إعداده، بحيث تصبح مطلبا أساسيا من مطالب إعداده ليكتسب المهارات اللازمة لاستخدامها في المواقف التعليمية المختلفة.
- ج- عقد دورات تدريبية للتدريب معلمي اللغة العربية ومشرفيها أثناء الخدمة علي دمج تقنيات التعليم والاتصال في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
- د- تهيئة البيئة الدراسية وإمدادها بآليات الاتصال الحديثة من حاسوب آلي، وشبكاته ووسائطه المتعددة، وآليات بحث، ومكتبة إلكترونية، وبوابات انترنت؛ لتوظيفها في تعليم اللغة العربية.
- ه- التوسع في إنشاء المعامل اللغوية في المدارس والمعاهد والجامعات لتدريب الطلاب على الاستماع، والتحدث، والقراءة.
- و- تبني طرق التدريس الحديثة التي تقوم على نشاط المتعلم، وتسمح له بالتعلم الذاتي وفقا لقدرته، وحاجاته، وخصائصه.
- ز- تبني أساليب تقويم حديثة تتناسب مع المدخل التقني وتطبيقاته بحيث تركز على إنجاز الطالب، وتقدم التغذية الراجعة اللازمة. (4)
تطبيقات المدخل التقني في تعليم اللغة العربية وتعلمها:
تورد الورقة البحثية لبعض تطبيقات المدخل التقني في تعليم اللغة العربية، منها:
1- استخدامات الحاسوب، وتشمل:
أ – طريقة التعلم الفردي الخصوصي. ب – طريقة التدريب والممارسة.
ج – المحاكاة. د – الألعاب التعليمية.
هـ- طريقة حل المشكلات. و – البرمجيات التعليمية.
2- استخدامات الانترنت، وتشمل:
– البريد الإلكتروني. – القوائم البريدية.
– نظام مجموعات الأخبار. – استخدام برامج المحادثة.
3- استخدامات الشبكة العنكبوتية، ويمكن توظيفها فيما يلي:
- وضع مناهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها على الشبكة العالمية.
- وضع الدروس اللغوية النموذجية وشرح وافي لها في صورة مبسطة.
- وضع دروس للتعلم الذاتي ومتابعتها مع الدارسين للغة العربية.
- التدريب على بعض التمرينات اللغوية. (6)
4- المختبرات اللغوية:
أصبحت مختبرات اللغة في وقتنا الحاضر من المكونات الأساسية لأي نظام متكامل لتعلم اللغات وتعلمها، وهناك ثلاثة أنواع أساسية للمختبرات اللغوية (5): مختبر الاستماع ، ومختبر الاستماع والترديد (الإذاعي) ،و مختبر الاستماع والترديد والتسجيل ومن استخداماتها ما يلي:
- استخدام التدريبات البنيوية في المرحلة الابتدائية من غير الدخول في المصطلحات النحوية
- استماع الدارسين في المستويات الأولى إلى القراءة السليمة التي تعنى بمخارج الحروف، بغية تذليل صعوبات النطق لدى الدارسين وتعويدهم على المحاكاة الدقيقة.
- إجراء تدريبات علاجية لتلافي الأخطاء الشائعة في تعبيراتهم الشفوية والكتابية في المراحل كافة، وبخاصة تلك الأخطاء التي انتقلت إلى أساليبهم العامة.
- الاستماع إلى نماذج من التسجيلات الشعرية في مواقف متعددة مثل: الرثاء، والفخر، والاعتزاز، والوجدانيات؛ بغية تعويد التلاميذ على تكييف القراءة وتكوينها بحسب المواقف وتحقيقاً للتفاعل مع المقررات.
- تدريبات على الفهم من حيث إدراك المعنى العام، والمعنى القريب، واستخلاص الفكرة الأساسية الفرعية، والفكرة العامة من خلال قطعة يستمعون إليها في المختبر ويفسح المجال للمناقشة لتسجيل إجاباتهم.
- تدريبات في الإملاء.
خاتمة:
حاول البحث تقديم رؤية مستقبلية تنظيرية وتطبيقية لاستخدامات المدخل التقني في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وتعلمها في ظل الحاجة الملحة إلى اللحاق بركب الأمم المتقدمة ونشر جاد للغتنا العربية، فالأمية التقنية أصبحت هاجساً يقلق الغيورين على الأمة الإسلامية وحضارتها وأمجادها مما يحتم علينا التفكير بجدية في استثمار المعطيات التقنية، وتوظيفها بالشكل المطلوب. البحث وهو يقدم هذه الرؤية تؤكد على أهمية تكامل الجهود وعناية خالصة للبحث في استخدامات المدخل التقني في تعليم اللغة العربية وتعلمها سواء لأهلها او للناطقين بغيرها، حيث أشارت أدبيات المناهج الحديثة إلى أن الأساس التقني اعتبر من أسس بناء المناهج في العصر الحديث، وهذا يتطلب التركيز على الدراسات النظرية المعمقة التي ترفد التطبيقات العملية لهذا المدخل.
***
المراجـــــع
- غسان خالد بادي (1406هـ) تحديد معنى طريقة التدريس في إطار علمي متجدد، سلسلة دراسات تربوية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (6)، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، معهد اللغة العربية، وحدة البحوث والمناهج، ص83-97.
- ريما سعد الجرف (2001م) المقرر الإلكتروني، المؤتمر العلمي الثالث عشر مناهج التعليم والثورة المعرفية والتكنولوجية المعاصرة، المجلد الأول، القاهرة، الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، جامعة عين شمس، ص ص195 – 109 .
- محمد محمود الحيلة (1422هـ) تكنولوجيا التعليم من أجل تنمية التفكير بين القول والممارسة.
- حسن جعفر الخليفة (1424هـ) فصول في تدريس اللغة العربية، ط3، الرياض، مكتبة الرشد.
- عادل السيد سرايا (2005م) تصميم برنامج تدريبي في مجال توظيف التقنية في التعليم لدى أعضاء هيئة التدريس بكليات المعلمين بالمملكة العربية السعودية، دراسات في المناهج وطرق التدريس العدد (100)، القاهرة، الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، ص155-201 .
- حسن شحاتة (1417هـ)، تعليم اللغة العربية بن النظرية والتطبيق، ط3، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية.
- صلاح عبد الحميد العربي (1981م) تعلم اللغات الحية وتعليمها بين النظرية والتطبيق، لبنان، مكتبة لبنان.
- إبراهيم عبد الوكيل الفار (1423هـ) تربويات الحاسوب وتحديات مطلع القرن الحادي والعشرين، القاهرة، دار الفكر العربي.
- مصطفى عبد السميع محمد وآخرون (1425هـ) تكنولوجيا التعليم مفاهيم وتطبيقات، الأردن، دار الفكر.
- مصطفى، فهيم (1424هـ) مهارات القراءة الإلكترونية وعلاقتها بتطوير أساليب التفكير، القاهرة، دار الفكر العربي.
- عايد حمدان الهرش (1999م) الحاسوب وتعلم اللغة العربية، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 12، الجزائر، جامعة منتوري، ص 217-230 .
