التحديات الثقافية والحضارية التي تواجهالمرأة العربية (المرأة العراقيةانموذجاً)
الباحثة/الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي كلية التربية للبنات/جامعة الكوفة بالعراق Abstract: This paper discusses about the role of women in the Arab and Islamic society where they hav emerged and gained a place in cultural, social and political life, and they compete with men, because of their culture, knowledge, wisdom and soundness of… View Article
الباحثة/الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي
كلية التربية للبنات/جامعة الكوفة بالعراق
key words:Women’s challenges / feminist poetry / Arab women / Iraqi women / cultural challenges
المدخل: لقد برز دور المرأة في المجتمع العربي الاسلامي, واصبح لبعض النساء مكانة في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية وكن ينافسن الرجال وذلك لما لبعضهنْ من الثقافة والمعرفة ورجاحة العقل وسداد الفكر
ان ما يلفت الأنظار ان الدعوات التي انطلقت لتحرير المرأة من عبودية الاعراف الدخيلة صدرت وانطلقت من الرجل, وهي التي لاقت هوى طيباً واستجابة نشطة من جميع اقطار الوطن العربي.
ولم تقف المرأة في استجابتها لهذه الدعوة عند جانب واحد من جوانب النشاط الفكري وانما تعددت اوجه هذا النشاط حيث ساهمت في فنون ادبية عديدة منها: الصحافة والرسالة والخطابة, والقصة والشعر.. فأصدرت (هند نوفل) مجلة المرأة في عام 1892 ومجلة (الفتاة) في القاهرة, وهي فتاة لبنانية من اسرة صحفية اذ والدها يعمل في الصحافة وكذلك عمها.
ويمكن الاشارة إلى دراسة الاستاذ ارسنت كرتشمر في كتابه (تقنيات العباقرة) ان النساء اللاتي زاولن الفنون, فذكر قائلاً: “لم يخلد من النابغات في الموسيقى الا اللاتي اتصلن بالرجال, مثل كلارا زوجة شوفان الموسيقي العالمي”.
ويرى أحمد الحوفي في كتابه (المرأة في الشعر الجاهلي) ان النساء اعجز من الرجال على الابتكار, حتى فيما يختص بالإناث, وتظل لهن المقدرة فيه كالخياطة, والطهو, والغناء والرقص, وهذا الرأي يتردد كثيراً في كتب المتأخرين اضافة إلى القدماء كما سبق.
بيد ان الاستقراء الدقيق لنتاج المرأة العربية والتثقيب بين متراكم هذا النتاج الثقافي عن صورة المرأة العربية لابد ان يقود إلى احكام مخالفة لما اتت بها د. خضراء الجيوسي التي تحدثت عن الشاعرة العراقية قائلة: ” لقد استطاعت الشاعرة العراقية وفقاً لذلك الاستقراء ان تلتفت إلى نفسها فتعكس قضايا ومشكلات بنات جنسها أو قد تسقط أحاسيسها على شخصية نسوية منهن للتعبير عن مشكلاتها هي..” ففي الحالتين تبرز امامنا صورة المرأة متوضحة عبر العلاقة الجدلية بين الخاص والعام في عالم المرأة المأزومة بالهموم والتناقضات.
الكلمات المفتاحية: تحديات المرأة/الشعر النسوي /المرأة العربية /المرأة العراقية /التحديات الثقافية
التوطئة :
تواجه المرأة العربية تحديات كبرى في مسار تطورها وصراعها التاريخي من أجل الحصول على حقوقها المدنية والسياسية، نتيجة للصراع الداخلي الحاد داخل المجتمعات العربية بشأن حق المرأة في العمل والدراسة وفي التحكم في مظهرها الخارجي، حيث إنه كلما اعتقد المجتمع أن المرأة العربية الحديثة استطاعت أن تتجاوز وضعها كجارية أو أنثى خاضعة لإرادة الرجل الذي يمارس الوصاية على وجدانها وعقلها وجسدها، إلا ونجد أن هناك من يطالب باستمرار أن يعاد النظر في الوضعية الاجتماعية والقانونية للمرأة، بحيث يظل مستقبلها مرتبطاً بكونها أماً عليها أن تلزم بيتها لتربية أبنائها. (١).
ويبدو أن حال المرأة هي أشبه ما يكون بوضع الديمقراطية في سياق الممارسة السياسية، بحيث إنه كلما تراجعت مقاومة الشعوب من أجل الحصول على حقوقها في المشاركة السياسية، كلما تقلص معها هامش الحريات الديمقراطية المتاحة لها، والملاحظة نفسها يمكن أن نسجلها بشأن الحقوق المشروعة التي يتوجّب أن تحصل
عليها المرأة، إذ يمكننا أن نلاحظ بكل يسر أن هامش الحرية المتاح للمرأة يتقلص كلما تصاعدت قوة التيارات السياسية ذات التوجهات الشمولية وبخاصة ما تعلق منها بقوى الإسلام السياسي، التي تركز الجزء الأكبر من جهودها من أجل توظيف ملف المرأة بغرض استمالة القوى الذكورية المحافظة التي يسوءها أن تتبوأ المرأة مكانتها المرموقة في مجال التعليم والعمل والممارسة السياسية.(٢).
علينا الإقرار في كل الأحوال، أن وضعية المرأة في المجتمعات العربية ما زالت تتميز بالكثير من السلبية والصور النمطية التي لا تنظر إلى المرأة إلا من منطق كونها عورة، الأمر الذي يفرض مسؤوليات جسيمة على النخب الثقافية والسياسية من أجل قطع الطريق أمام القوى التي تريد أن تعيد المرأة إلى وضعية السبية والجارية التي يحرمها الرجل من آدميتها وإنسانيتها ليعاملها كبضاعة مخصصة لإشباع غرائزه ونزواته.
ويمكننا القول إذا ما أردنا الدقة إن حقوق المرأة مهددة في كل العالم وليس فقط في الوطن العربي، فالقراءة الموضوعية لتاريخ صراع المرأة من أجل الحصول على حقوقها توضِّح أن صورة المرأة ظلت سلبية إلى حد بعيد حتى في المجتمعات الغربية إلى غاية الخمسينات من القرن الماضي، ولم تحصل المرأة الأوروبية على حقها في الانتخاب إلا في مرحلة متأخرة من حقبتنا المعاصرة. وقد استطاعت المرأة بفضل اجتهادها ومثابرتها أن تغيِّر الكثير من الصور النمطية المتعلقة بقدراتها الفكرية والعضلية، حيث أصبحت المرأة مكوِّناً رئيسياً من مكونات أغلب الجيوش العالمية بما في ذلك الجيوش العربية، وبيّنت الدراسات التي أنجزها علماء التربية، أن الإناث استطعن أن يتفوّقن على الذكور في أغلب مجالات التعليم والتحصيل العلمي، بما في ذلك التخصصات العلمية الدقيقة والصعبة التي كان يسود اعتقاد بشأنها أن القدرات العقلية للمرأة لا يمكن أن تؤهلها من أجل البروز والتفوق فيها، مثل الرياضيات والعلوم العقلية المحضة التي كان يتم الترويج بشأنها إلى أن المرأة لا يمكنها أن تنافس فيها الرجل. ومع ذلك فإن الإيرانية والمسلمة مريم ميرزقاني استطاعت أن تكون أول امرأة في العالم تحصل على أعظم وأكبر جائزة عالمية في الرياضيات تضاهي جائزة نوبل، لتبدد بذلك كل الشكوك المتعلقة بالقدرات الذهنية والعقلية للمرأة.(٣).
نلاحظ الآن أن الكثير من الدول العربية حاولت، في سياق متصل، أن تمارس ما يسمى بالتمييز الإيجابي لصالح المرأة من أجل دفع الأحزاب السياسية إلى ضمان أكبر نسبة ممكنة من التمثيل البرلماني للمرأة في الهيئات السياسية المنتخبة، حيث وصلت نسبة تمثيل المرأة في الجزائر حوالي 30 في المئة من العدد الإجمالي من مقاعد البرلمان، ورفعت المغرب نسبة تمثيل المرأة في كل المجالس المنتخبة، والشيء نفسه حاولت أن تقوم به مصر من أجل ضمان مشاركة أوسع للمرأة المصرية في تسيير شؤون الدولة والمجتمع، والشيء نفسه حرصت على تحقيقه مجمل الدول العربية وفي مقدمها دول الخليج العربي الذي تطورت فيها وضعية المرأة بشكل لافت، فقد اعتمدت دولة الإمارات العربية المتحدة سياسة رشيدة قائمة على تمكين المرأة من ممارسة حقوقها في مختلف المجالات التعليمية والثقافية وحتى في المجالات المرتبطة بالقيادة والتسيير، وحصلت المرأة السعودية على مكسب كبير تمثل في إصدار قرار يسمح لها بالترشح والتصويت في الانتخابات البلدية. وبالرغم من كل هذه المكاسب المهمة التي حصلت عليها المرأة العربية في السنوات الأخيرة، فإن الدراسات الاجتماعية التي تنشرها منظمات المجتمع المدني ما زالت توضح أن المرأة تمثل الحلقة الأضعف في المجتمعات العربية والإسلامية، بل إن هناك من يذهب إلى أنه وبموازاة هذه الحقوق التي أقرتها الدول الوطنية للمرأة العربية، فإن المجتمع العربي بتركيبته التقليدية المحافظة ما زال ينظر بعين الشك والريبة لكل محاولة تهدف إلى إعطاء المرأة مزيداً من الحقوق، ويرفض كل انتقاد ثقافي – فكري أو مجتمعي بشأن وضعيتها، وتقف التيارات المحسوبة على الإسلام السياسي في مقدمة التنظيمات المجتمعية التي ترفض كل انتقاد يتعلق بوضعية حقوق المرأة في المجال السياسي والاقتصادي مرددة بشكل تلقائي وفوري مقولة قديمة – جديدة مؤداها، أن الإسلام أعطى للمرأة حقوقها، وأصبحت هذه المقولة بمثابة حق يراد به باطل، متناسين أن المعركة تتعلق بحقوق المرأة عند المسلمين وعند كل من يدّعون تمثيل الدين، وليس بحقوق المرأة في الإسلام والبون شاسع وكبير بين النظرية والممارسة.
ولا نذيع سراً إذا قلنا إن المرأة العربية تجد نفسها في الكثير من الحالات مضطرة إلى التراجع عن حقوقها المكتسبة، والقبول بوضعيات كنا نظن حتى وقت قريب، أنها أضحت جزءاً من الماضي، فالمرأة العربية المتعلمة تُرغم بشكل مباشر أو غير مباشر على التفريط في حقها في العمل نتيجة لضغوطات العائلة والزوج، ونتيجة للمضايقات التي تواجهها في أماكن العمل نتيجة لهيمنة العقلية الذكورية، وتقبل بكثير من المهانة البقاء في البيت رغم أنها تملك في كثير من الحالات كفاءات مهنية وقدرات فكرية لا يمتلكها شقيقها الرجل. ويذهب الكثيرون إلى أن هامش الحرية الذي كان متاحاً للمرأة العربية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كان أفضل بكثير من هامش الحرية المتاح لها حالياً في العديد من المجتمعات العربية(٤).
ونجد في السياق المتصل بهذه المقاربة، أن التنظيمات المتطرفة باتت تمارس الآن الكثير من السلوكيات المجحفة في حق المرأة، ويلجأ بعضها إلى بيعها في سوق النخاسة، ويؤكد كل ذلك أن المشكلة المتعلقة بالمرأة العربية لا تتصل فقط بوضعها القانوني الذي عرف قفزات كبيرة، بقدر ما يرتبط بالمخيلة وبالوعي الجماعي لقسم كبير من المجتمعات العربية التي تنظر إلى تحرر المرأة وكأنه مرادف للتفسخ والانحلال، وكأن قدر المرأة أن تُدفن حية لكي لا تثير الرجل، حتى ليُخيّل للمرء أن الرجل العربي مسؤول عن كل شيء في هذه الدنيا، باستثناء غرائزه التي يتوجّب على المرأة أن تتحمل وزرها بأن تتوارى خلف الستار وتغرب تماماً كما تغرب الشمس.(٥)
المحور الاول /المرأة العربية وتطلعاتها عبرعصور الأدب العربي.
لقد قدر العرب المرأة وأعطوها قدرها, ومنحوها حرية ومكانة فاقت مواقف الأمم المجاورة لهم, ففي عصر ما قبل الاسلام مثلاً اسموا اكثر آلهتهم اسماء انثوية, واسبقوا عليها صفات قلما يتجلى بها الآلهة الذكور, ولعل العرب من أقدم الأمم التي حكت فيها ملكات مثل بلقيس.. والمكلة زنوبيا.. وكذلك رفع العرب من شأن الكاهنات مثل زرقاء اليمامة وفاطمة بنت مر, ونحن نعلم ما كان للكاهنة من مكانة في قومها وكيف كانت تأمر فتطاع, والحديث يطول في هذا الجانب.(٦)
وحين جاء الاسلام منح المرأة من الحرية ما لم تحلم بجزء منه في الأمم الأخرى, فكان منهن الصحابيات والمهاجرات إلى الحبشة واللاتي جاهدن بالإسلام وشاركن في غزوات النبي حرباً واسعافاً ونجده ناهيك عن عدد غفير من الشاعرات اللاتي كان لهن دور فعال في الدعوة إلى الاسلام مثل عاتكة بنت زيد, وميمونة بنت عبد الله, وهند بنت أثاثه, وهنية بنت عبد المطلب.(٧)
وقد قامت المرأة بدورها الايجابي ؛ لأنها ادركت بغريزتها وعقلها ان الاسلام دفع عنها الظلم الذي كان يحيط بها وان الاسلام أقر حقوقها وثبت عزائمها ومنها حق الحرية وابداء الرأي وحق الملكية واختيار الزوج فلها مثلها مثل الرجال مودة ورحمة, على نحو لم يعرف مثله من قبل في الحضارات العريقة كحضارات اليونان والرومان والفرس والفراعنة.
فالمرأة في المجتمعات العربية القديمة كانت احسن حالاً مما هي عليه في مجتمعات الفرس أو الرومان أو اليونان, وهناك اسماء نسائية برزت في تلك العصور المتقدمة وكان لها دور ملحوظ في مجال السياسة وتدبير الحكم وفي الحياة العامة وخاصة عندما توافرت لهذه الاسماء الظروف الملائمة لإبراز مواهبهن وقدراتهن الفطرية, ومن الأمثلة في التاريخ العربي القديم (زنوبيا ملكة تدمر) التي حكمت مملكة مترامية الأطراف انتدت حتى اسيا الصغرى, وبلاد ما بين النهرين ومصر, وكانت هذه المرأة ذات رأي وحكمة وذات بأس وشدة وبعد نظر, إضافة إلى ما اتصفت به من جمال اخاذ ويقال انها حكمت البلاد بعد موت زوجها (أُذينة) باسم ابنها (وهب اللات) اما بلقيس ملكة سبأ وهي من أشهر ملكات التاريخ العربي القديم, وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم (سورة النحل الآيات 23-44) وان لم يرد اسمها, ولقد ورت الاشارة إليها باسم ملكة سبأ عند الحديث عن نبي الله سليمان, وفي الآيات القرآنية اشارات واضحة إلى رجاحة عقلها وحسن تدبيرها, وقد\ اعتمدت المشورة في قضاء امور بلادها.(٨)
لقد كانت للمرأة مكانة في عصر ما قبل الاسلام حيث شاركت في عقد الاحلاف مع الرجل كما كانت المرأة تجير الرجل الغريب اذا لجأ إليها, وعلى القبيلة ان تحترم هذه الاجارة, وان تحمي هذا الرجل من الأذى والعدوان, فقد أجارت ربيعة بنت شمس وكان ذلك قبل الاسلام, وأجارت ربطة بنت جذل الطعان دريد بن الصمة حين أُسرته كنانة.
وبرزت المرأة في المجتمع العربي الاسلامي, واصبح لبعض النساء دور ومكانة في الحياة الاجتماعية والسياسية, وكن ينافسن الرجال وذلك لما لبعضهنْ من الثقافة والمعرفة ورجاحة العقل وسداد الفكر.(٩)
وقد أعطى الاسلام المرأة الحرية في ابداء الرأي حول كثير من الامور ليس في امورها الشخصية وانما في الامور العامة, كما اشرك الاسلام المرأة في الشورى.. لقد كان للمرأة شأن ومكانة سواء في العصور الاسلامية أو حتى العصر الذي وسم بالعصر الجاهلي, ولكن حين بدأ الضعف والانحلال ينخر في جسد هذه الأمة حتى اصبحت لقمة سائغة بعد ان بسطت الدولة العثمانية نفوذها على بقاع عديدة من بلاد العرب, واخذ تدريجياً ينطفئ ذلك الاشعاع الفكري والحضاري في المجتمع العربي, والمرأة التي هي أحد عناصر المجتمع لم يبقَ لها دور في هذا المجتمع الا المتعة والانجاب.
المحور الثاني/التحديات الثقافية للمرأة العربية.
ان ما يلفت الانظار ان الدعوات التي انطلقت لتحرير المرأة من عبودية الاعراف الدخيلة صدرت وانطلقت من الرجل, وهي التي لاقت هوى طيباً واستجابة نشطة من جميع اقطار الوطن العربي.(١٠)
ولم تقف المرأة في استجابتها لهذه الدعوة عند جانب واحد من جوانب النشاط الفكري وانما تعددت اوجه هذا النشاط حيث ساهمت في فنون ادبية عديدة منها: الصحافة والرسالة والخطابة, والقصة والشعر.. فأصدرت (هند نوفل) مجلة المرأة في عام 1892 ومجلة (الفتاة) في القاهرة, وهي فتاة لبنانية من اسرة صحفية اذ والدها يعمل في الصحافة وكذلك عمها.
ويمكن الاشارة إلى دراسة الاستاذ ارسنت كرتشمر في كتابه (تقنيات العباقرة) ان النساء اللاتي زاولن الفنون, فذكر قائلاً: “لم يخلد من النابغات في الموسيقى الا اللاتي اتصلن بالرجال, مثل كلارا زوجة شوفان الموسيقي العالمي”.
ويرى أحمد الحوفي في كتابه (المرأة في الشعر الجاهلي) ان النساء اعجز من الرجال على الابتكار, حتى فيما يختص بالإناث, وتظل لهن المقدرة فيه كالخياطة, والطهو, والغناء والرقص, وهذا الرأي يتردد كثيراً في كتب المتأخرين اضافة إلى القدماء كما سبق.
بيد ان الاستقراء الدقيق لنتاج المرأة العربية والتثقيب بين متراكم هذا النتاج الثقافي عن صورة المرأة العربية لابد ان يقود إلى احكام مخالفة لما اتت بها د. خضراء الجيوسي التي تحدثت عن الشاعرة العراقية قائلة: ” لقد استطاعت الشاعرة العراقية وفقاً لذلك الاستقراء ان تلتفت إلى نفسها فتعكس قضايا ومشكلات بنات جنسها أو قد تسقط أحاسيسها على شخصية نسوية منهن للتعبير عن مشكلاتها هي..” ففي الحالتين تبرز امامنا صورة المرأة متوضحة عبر العلاقة الجدلية بين الخاص والعام في عالم المرأة المأزومة بالهموم والتناقضات.(١١)
ومما لاحظته الدكتورة الجيوسي هو تأخر الشعر النسوي عن النثر النسوي في مجال الاهتمام بقضية المرأة, فقد طرحت سؤالاً منطقياً بقولها: “ان سطوة النظام الاخلاقي المهيمن الذي كبح المرأة طويلاً لم يمنع الكاتبة والقاصة العربية من ان تهاجمه وتكشف الوضع الاجتماعي الانثوي وتعرى ما انطوى عليه من مفارقات ومعايير مزدوجة فلماذا تأخرت الشاعرة عن هجوم مماثل؟” وقد بلورت الناقدة الفاضلة من وجهة نظرها في امور ثلاثة هي بإيجاز:
أولاً: هو ان الشعر اكثر التصاقاً بالتجربة الشخصية من النثر ولو تبنت الشاعرة قضية المرأة لما أنطوت عليه من ظلم صارخ فأنها انما تتبنى قضيتها هي نفسها ولا تستطيع الا في حالات نادرة كما فعلت نازك الملائكة في قصيدتها (غلاً للعار) ان تتحدث عن اخرى صاحبة تجربة غريبة عن حياة الشاعرة نفسها وتجربتها ويصبح كشف الوضع الانثوي كشفاً للسخرية التي تمر بها كل امرأة تقريباً بدرجات متفاوتة في حضارتنا.
فكان على الشاعرة ان تبوح بحقيقة الظلم الذي تعاني منه وان تعترف حكم مولدها كأمرأة ضحية سهلة للرجل وتعتبر مواطنة من الدرجة الثانية, لكن ما ورثته الشاعرة العربية من كبرياء هو جزء من الترتيب الاخلاقي المتوارث في الثقافة العربية لم تستطع ان تواجه ه ذه الحقيقة وتعترف بها.
ثانياً: لم تجد المرأة العربية المعاصرة (الشاعرة) اسلوباً معبراً في القول تحتال به في معالجة القضية, فهي اجمالاً امام اسلوبين اما المجابهة والتحدي أو اسلوب الدفاع وتأكيد النية الحسنة والبراءة في المطالبة بالحرية, وكلاهما فاشلان؛ لأن اسلوب المجابهة واسلوب الدفاع هو اسلوب يصدر عن موقف ضعيف في اساسه.(١٢)
ثالثاً: وجود صعوبات جدية امام الشاعرة المعاصرة لابد ان تتخطاها لكي ترتقي لغتها إلى مستوى التعبير الناضج عن تجربتها الانثوية كاملة, واولى تلك العقبات ردان الشعر العربي قبل الخمسينيات كان يعاني بشدة من زيف العواطف وتسلط التعبير الرجولي عليه.. وهكذا أُبقيت القضية قضية المرأة خارج الشعر إلى حد كبير, ملك الكاتبة والقاصة وحدهما تقريباً.(١٣)
المحور الثالث/التحديات الثقافية للمرأة العراقية /
ان صوت المرأة قد يخفت امام هول الأحداث الطارئة ولكن لا تلبث العزيمة الصافية المواتية ان تثور بين حين وآخر.
ومن مظاهر هذه السليقة انها لم تقتصر على الرجال بل تجاوزتهم إلى النساء, ولهذا امتلكت الشاعرة العراقية ارثاً نسوياً واسعاً مما جعلها في عصر النهضة ان تتقدم صف الادبيات العراقيات سباقة في تناول موضوع المرأة والمطالبة بحقها في الحياة المتكافئة مع الرجل ونيل حريتها الذاتية.
واذا كانت (حوادث وغير) الصادرة في عام 1937 لدلال خليل صفدي أقدم مجموعة قصصية تصدر لامرأة عراقية, فان مجلة ليلى النسوية الصادرة في عام 19223تضعنا امام موشحة ذات مضامين ترسم ابعاد قضية المرأة العراقية التي هي (قضية تحريرها من الجهل ومنحها الحق في التعليم والعمل) والموشحة للشاعرة فيروز توما, أول شاعرة عراقية تناولت قضايا المرأة وادركت همم النساء من خلال موشحتها التي نشرتها في مجلة ليلى عام 1924. (١٤)
إنَّ الشاعرة العراقية المعاصرة كانت اسبق شواعر العرب المعاصرات في الدأب لاستكمال تجربتها الشعرية كي تكوت انعكاساً ناضجاً لأبعاد قضيتها الي تتفرع إلى جانبين هما:
-الجانب الذاتي الخاص بالمرأة وهو مرتبط بحياتها وتجربتها الوجدانية الخاصة وطبيعة نظرتها إلى الحياة وظواهرها.
-الجانب الموضوعي في نظرتها وفي نتاجها الذي يتجسد في مواقفها من قضايا المرأة ككل- حقوقها وحريتها ومشكلاتها ومدى اسهامها في الحل الجذري لهذه القضية, وذلك من خلال الربط بين قضية المرأة والقضية السياسية, لكن الشاعرة العراقية لم تضع هذه الحقيقة, ولعل ذلك بسبب حالة القمع التي سادت المجتمع العراقي بعد الحرب العالمية الثانية, منعت من ولوج هذا الباب مباشرة, فكانت في شعرها ترسم صوراً حيه لحياة المرأة عبر نماذج نسوية منحدرة من مختلف الفئات الاجتماعية في اجواء نفسية خائفة قد لا تحياها هي واقعياً وانما استجابة لإحساسها المرهف بما تلاقيه المرأة من معاناة تدفعها لنصرتها بالفن- لذا نجد ان صور المرأة في القصيدة النسوية تتمحور بعناوين تحمل طابع المعاناة كما عند الشاعرة نازك الملائكة: (النائمة في الشارع) و (الراقصة المذبوحة) و (في وادي العبيد) و(غسلاً للعار) و (مرثية امرأة لا قيمة لها).. الخ.
إنَّ المرأة العربية لا سيما الشاعرة قد ادركت بعمق ابعاد وضعها المزري مجسدته في شعرها عبر قصائد تلتقي في مضامينها عند استبعاد المرأة وان تنوعت موضوعاتها وصورها.
وقد التفتت الدكتورة عربية توثيق في كتابها (المرأة في الشعر العراقي الحديث) إلى هذه الناحية ولكن بمنهج مغاير منهجياً, فهي مثلاً قد تناولت صورة المرأة.. كما انها مزقت من صور المرأة العربية المنطلقة إلى الحرية عبر صور (الرافضة) المستهينة, المتعدة,.. وهي جميعها تصلح ان تكون تحت عنوان واحد وللمعنى واحد ايضاً, ومن ابرز صور المرأة الشقية هي تلك المرأة التي تذهب ضحية الجهل والتخلف واعلنت غضبها على الرجل الجاهل الذي يفترس المرأة بوحشية يندى لها الجيش.(١٥)
لقد وضعت الشاعرة قصيدتها وفق معادلة تبين طريقين متناقضين هما المجتمع وتقاليده.. وقد جعلت (الوحش الرجل)رمزاً له ودليلاً على ظلمه للمرأة واستبعاده لها وفي الطرف الآخر كانت المرأة ودموعها حتى انتهى ذلك الصراع بانتصار (الرجل الجزار) بكل ما يملك من سند اجتماعي واخلاقي, اذ يرى في قتل المرأة احد معايير الشرف المهمة (وغسلاً للعار) المزعوم مما جعل هذا القتل شبحاً يهدد فتيات (القرية) اللواتي تحذرهن الشاعرة على لسان القتيلة:(١٦)
يا جارات الحارة، يا فتيات القرية
الخبزُ سنعجنهُ بدموع مآقينا
سنقص جدائلنا وسنسلخ أيدينا
لتظل ثيابهم بيض اللون نقية
ولنازك الملائكة قصيدة عنوانها (جامعة الظلال) اذ يمزج صوت الشاعرة وصوت الاخريات للتعبير عن ضياع المرأة وحيرتها بين المعنى والاوهام: (١٧)
نحنُ ضحايا هنا
تجوعُ وتعطشُ أرواحُنا الحائرهْ
ونحسَبُ أَن المنى ستملأ يومًا مشاعرَنا العاصرهْ
ونجهلُ أَنَّا ندورْ مع الوَهْم في حَلَقاتْ.
وتضيف الشاعرة:
وأنا وحدي
والنجمُ بعيدُ الأفقِ
يخدعني املُ في فجر لم ينبثق.
فالشاعرة أكدت استحالة ان يتحقق الامل من خلال الفعل المضارع المنفي ب(لم) لم ينبثق, فعدم الانبثاق اصبح جزءً من واقع تعيشه المرأة, فهي اسيرة اوهام قلب شاعري لم يجد إلى تحقيق امانيه سبيلاً, فنازك الملائكة كانت ترى ان المجتمع كان شريكاً في جريمة قتل المرأة, فهو الذي يشع الرجل من خلال تقاليده المتخلفة على ازدرائها ويدفعه إلى قتلها, فضلاً عن ذلك يتجاهل المرأة ويبعد عنها الامل ويحولها إلى (جامعة ظلال) أو (باحثة عن الغد) أو (امرأة لا قيمة لها) أو (نائمة في الشارع) أو (خائفة)…
لقد عالجت نازك قضايا المرأة وفق منظور المرأة البرجوازية.
أما الشاعرة لميعة عباس عمارة اذ التفتت إلى النساء البسيطات المعدمات وما يعانين من ظلم مزدوج (ظلم الرجل والمجتمع) وقد احتلت مكاناً بيناً في اشعارها وفي قصائدها مثل (إلى خبازة) و (إلى امرأة) و (جامعات الملح) و(سائلة تائهة), وفي قصائد الشاعرة صبرية (ام فاضل) و(إلى زهره العاملة) و (خائفة).
ومن النماذج النسوية التي حطم الدهر حياتها ورماها القدر شر رمية هي (السائلة) التي تحمل في شخصياتها مظاهر البؤس والشقاء فهي (مشفقة الرداء) و (مرتعشة من البرد) و(لم تمتد إلى انائها يد ) وقد اتخذت من رصيف الجسر وساداً, تقول الشاعرة لميعة على لسان السائلة تلك)١٨)
بالأمس توسدت
رصيف الجسر
اعدُ بالأقدام لمم الدهر
لقد تقمصت الشاعرة دور السائلة وما تعانيه هذه الفئة المعدمة من البشر وخصوصاً النساء في ظل مجتمع وصفته الشاعرة (١٩)
امواتٌ وان لم يُدفنوا فان اصوات الأغاني الهادرة
من المذياع واصوات لعبة ترد وقد تمطر هذا النداء المبحوح
لقد خرجت السائلة محملة بأثقال العناء والخيبة ثانية.
وفي قصيدة(التائهة) تضعنا الشاعرة لميعة امام امرأة تعيش في مخاوفها وقلقها وضياعها وموقفها من الرجل ومن القيم والاعراف الاجتماعية السائدة آنذاك.
فالمرأة مسلوبة الحق مجردة من متع الحياة وحيدة, تصف حالهافتقول :(٢٠)
الريحُ تلف جسمي الذاوي ويصهرني الهجير
لا ظلَ لي آولي إليه ولا وقاءَ ولا نضير
عبثاً افتراشي الفلا فانا هنا وحدي
ثم تعبر بمرارة عن تجاهل الناس لصوتها وحالها فتقول: (٢١)
قلبي يمزقه الصراخ ولا مجيب سوى الصدى
وشفاهي الظماى تحسس في الثرى أثر الندى
قست الحياة وعذبت نفسي.
لقد زاد من مخاوف هذه التائهة التي (لا صدر يسندها) ولا (مقلة ترعى حظها) وان الذئاب قد احاطت بها حتى اصبحت نهباً للمخاطب والثيوب لا لذنب سوى انها امرأة فتسمع لميعة تقول:(٢٢)
اليكِ ايتها الشقيةُ يزحفُ العدمُ الرهيبُ
ماذا جنبتِ من الشرور وما اقترفتِ من الذنوب
ليصبح قلبك نهبة بين المخاطب والثيوب.
وفي قصيدة صبرية الحسو التفتت فيها إلى النساء العاملات المعرضات للاستغلال فهذه (زهره) تستغل طوال الليل جراء عملها المتعب بالنهاء بين اكوم الاصواف التي ادمت روح الشاعرة حتى قالت:(٢٣)
لِمَ تسعلين
ادميت روحي
وفتحتِ جُرحاً من جروحي
جُرحاً تكادُ.. تكادُ.. تلثمه عيوني.
والشاعرة بعد ان احست عمق الجرح الذي نزف لما تقاسيه هذه (الزهرة السمراء) وبدأت تعبر عن كرهها لمن لا يشعر المآسي )٢٤)
وكرهتُ قلباً لا يحسُ
ولا يقاسي هذه المآسي
هذه الفضاعةُ.. الزهرة السمراء
فلهم من تراب الصوف حفنة.
اما قصيدة (قيود) فتبكي الشاعرة على عمر المرأة المضاع واحلامها واناشيدها المدمات قائلةً: (٢٥)
عمرُ ولى والاحلامُ تهاوت كالورود
واناشيدُ حياتي راعها ليل الجمود
وأمنيات ارهقتها فتنة الدهر العنيد.
فقد عبرت عمن يستعبد المرأة من الرجال الذي يحمل قيم زائفة تطال الحرية وتكبل الخطى.
اما الشاعرة عاتكة الخزرجي فقد تناولت تجربة نسائية محضة لابد ان يكون لها مساس بها, لاسيما في قصيدتها (ذات مال ) اذ التقطت صوراً ما للنساء المترفات اللواتي حصلتا على نعم المال ولا يعرفن لا هماً ولا الماً بقولها (٢٦)
وكان ان دارت الايام دورتها والدهرُ في العالمين الخصم والحكم
اذا بنيت القصورُ الشمُ خائفة حيرى وما ان لها مأوى ومقصمُ
تمدَّ في الناس كفاً طالما نهلوا من فيضها وبالاء لها نعموا
لقد بسطت الشاعرة عدداً من الحقائق منها(٢٧)
-ان شقاء المرأة يرجع إلى اسباب اقتصادية, فالمال يلعب دوراً في حياة المرأة وهو يصون العفاف ويحفظ لها كرامتها في كثير من الاحيان.
-المرأة اذا ما تهيأت لها اسباب النعم من حال وجاه وسلطان فأنها تعيش حياة خالية من الدمع والالم والهم.
والجدير ذكره ان الشعراء الرجال امثال الزهاوي والرصافي جعلوا المرأة بطلة قصائدهم (كالذل) و(الفقر) و(الاستجلاء) فهذا الزهاوي ينظم قصيدة (ارملة الجندي) فينظر فيها إلى مشكلة فقر المرأة وما تعانيه من ذل وعوز ومما يؤخذ عليه الشاعر الزهاوي في عرضه لهذه المشكلة انه يبحثها كمشكلة فردية لا مشكلة اجتماعية قد تأزرت لإظهارها جملة من العوامل السياسية والاقتصادية والفكرية, ومن جميل شعر الزهاوي قوله :(٢٨)
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها
تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها
أَثوابُها رثَّةٌ والرِّجْلُ حافيةٌ
والدمع تذْرفه في الخدِّ عيناها
بكت من الفقر فاحمرَّت مدامعها
واصفرَّ كالوَرْس من جوعٍ مُحياها
مات الذي كان يحميها ويسعدها
فالدهر من بعده بالفقر أشقاها
فمنظر الحزن مشهود بمنظرها
والبؤس مرآهُ مقرونٌ بمرآها
وللشاعر نزار قباني قصيدة وهو يسأل عن حال المرأة العربية, اذ يقول فيها:)٢٩)
لماذا في مدينتنا ؟
نعيش الحب تهريباً وتزويراً ؟
ونسرق من شقوق الباب موعدنا
ونستعطي الرسائل
والمشاوير
لماذا في مدينتنا ؟
يصيدون العواطف والعصافير
لماذا نحن مزدوجون
إحساساً وتفكيرا؟
لماذا نحن أرضيون..
تحتيون.. نخشى الشمس والنورا؟
لماذا أهل بلدتنا
يمزقهم تناقضهم
لماذا الا يكون الحب في الدنيا؟
لكل الناس
كل الناس
مثل أشعة الفجر.
والشاعر نزار قباني صاحب الفكر العميق المواجه لفكرة الظلم والناقم على الظالمين, الثائر المتصلب على الاعراف العربية للشعراء, فيجمع بين المرأة والسياسة, وله قصيدة عنوانها: (يوميات امرأة لامبالية) والذي يستهلها نزار قباني بقوله:(٣٠)
ثوري أحبك أن تثوري
ثوري على التاريخ وانتصري على الوهم الكبير
لا ترهبي أحداً, فالشمس مقبرة النسور
لذا يكمن لدنيا العديد من الأسئلة منها ما يتعلق بالمرأة العراقية، أو سيدة بلاد وادي الرافدين، ودورها في مجال الأدب والفنون والثقافات كافة، عبر التأريخ، هل أعطيت فرصتها كما ينبغي؟ هل تصدرت هذه المرأة المشهد الفني والثقافي والأدبي، رغم تسيّد الرجل لهُ، وما هي الفرص التي منحها المجتمع العراقي للمرأة العراقية قديماً وحديثاً؟ تساؤلات كثيرة تطرح حول دور المرأة الاديبة والمثقفة والفنانة في بلاد الرافدين منذ القدم وحتى الآن، ولا يجيب عنها سوى سيدات يعانين حاضراً ما عانته مثيلاتهن سابقا.(٣١)
مؤسسات كثيرة تنادي بحقوق المرأة، ناقشت مثل هذه الموضوعات خلال جلسات أقامتها تلك المؤسسات، من ابرزها منتدى نازك الملائكة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، والذي يعد أهم منتدى نسوي معترف به محلياً…
بين الشعر، والمسرح، الرواية والقصة، الموسيقى، والفن التشكيلي، ماهي أبرز الاسماء النسوية التي تصدرت هذه الأجناس الادبية والفنون والثقافات…يجد البعض أن حضور المرأة مميزاً عربياً ومحلياً، وثقافياً، بخاصة في مجال الشعر، أما المسرح وهو الصورة الممتزجة بالشعر كما تراه الشاعرة والكاتبة المسرحية اطياف رشيد لتقول ” أن حضور المرأة مسرحياً، يعتمد على اساس القوة والاحساس الموجودة في مكامن هذا الكائن، فعليها هي ومنذ القدم أن تكتشف نفسها، وتشق طريقها من اجل استغلال طاقاتها الابداعية في المسرح.” وإلا وبحسب ما تعتقده رشيد، فإن المجتمع لن يقدم مثل هذه الفرص للمرأة على طبق من ذهب.
رشيد تعتقد، أن الكاتبة المسرحية العراقية غير موجودة كواقع حال، ولكن هنالك محاولات متفردة تقدمها بعض الكاتبات سواء شاعرات أو روائيات كأنها تقدم نصاً مسرحياً واحداً فقط وتعمل عليه، أو قد لاتعمل على تقديمه مسرحياً حيث تقول رشيد ” في بغداد أو العراق بشكل عام، توجد صعوبة بخلق كاتبة أو مخرجة أو ممثلة مسرحية، أما بحكم المجتمع والنظرة العشائرية التي يتمتع بها مجتمعنا، أو لأسباب أخرى عديدة، لهذا انا شخصياً، اعتقد أنه لم يظهر هنالك اسم مسرحي نسوي، أحدث ضجة أو اثراً كبيراً في الواقع الفني قد تكون الشاعرة رنا جعفر ياسين، قدمت نصاً مسرحياً أو اكثر، ولكنها سرعان ما بدأت تنغلق على نفسها لعدم وجود إي إلتفات لمنجزها.” مؤكدة ” أنه لا توجد كاتبة اكاديمية متخصصة في مجال الكتابة المسرحية منذ السابق وحتى الآن )٣٢).
أما في مجال الموسيقى، فنستطيع القول أن، رغم الظرف الاجتماعي الصعب الذي واجهته المرأة الموسيقية العراقية إلا انها استطاعت اثبات نفسها في كثير من الاختصاصات الموسيقية الاكاديمية خاصة، لأن الموسيقى بحر يحتوي على مجموعة لاتحصى من التخصصات، حيث تذكر الباحثة والاستاذة الاكاديمية المختصة في مجال الموسيقى اسراء الموسوي “استطاعت المرأة في فترات معينة من تاريخ الموسيقى العراقية، أن تتصدر بعض التخصصات، وخصوصاً فيما يخض الغناء، وذلك في فترة الازدهار الثقافي في اواسط الخمسينيات من القرن الماضي وما بعدها، مثل سليمة مراد وعفيفة اسكندر، وزهور حسين ولميعة توفيق وغيرهن من الأسماء”.
أما في مجال العزف فتذكر الموسوي قائلة “لم ينشط هذا المجال بالنسبة للمرأة العراقية إلا اواسط السبعينيات ومابعدها، حيث شهدنا الانفتاح الاقتصادي والثقافي على أوجّه مما ساعد في فتح المعاهد الحكومية والاهلية التي تعلم العزف والموسيقى بشكل اكاديمي”. مشيرةً ” الا اني استثني من ذلك، العازفة العملاقة راهبة البيانو ” بياتريس اوهانسيان” إذ درست العزف على البيانو وتخرجت من معهد الفنون الجميلة عام 1944 بدرجة امتياز وكان عمرها نحو 17 عاماً”.
وأكدت الموسوي قائلة “أن باقي الاختصاصات الموسيقية، كانت مساهمات المرأة كموسيقية فيها خجولة، مثل الاختصاص الذي امارسه انا شخصياً، وهو البحث العلمي والدراسات الموسيقية، فلا ابالغ إن قلت انني الوحيدة تقريباً بهذا الاختصاص ومجال القيادة الموسيقية وباقي المجالات الأخرى، لا يوجد فيها حضور للعنصر النسوي”.(٣٣)
قد يكون للمرأة الروائية والقاصة أو الشاعرة حضور اكبر حيث تذكر القاصة والروائية د. رغد السهيل ” اذا تحدثنا عن تاريخ المرأة العراقية في الأدب، لا يمكن أن ننسى أول كاتبة في العالم وهي الاميرة أنخدونيا ابنة سرجون الاكدي، كانت شاعرة وأغانيها تعد أقدم عمل أدبي في التاريخ، ولقد لقبها الدارسون بلقب شكسبير الادب السومري”.
أما عن الاسماء النسوية التي برزت في الساحة الروائية والقصصية العراقية تقول السهيل “حربية محمد اول من كتبت الرواية (من الجاني 1954) الصادرة عن مطبعة جامعة بغداد، بالرغم من بساطة تلك الرواية، فلقد وصفها دكتور نجم عبد الله بأنها قصة قصيرة طويلة تفتقر الى المقومات الفنية واتفق الكثير من النقاد انه خلال تلك الحقبة، لم يظهر في العراق سوى خمس روائيات من بينهن، ليلى عبد القادر التي اصدرت رواية نادية بجزأين 1957 وجنة الحب، لمائدة الربيعي في الستينيات، وايضاً سميرة الدراجي وسميرة المانع في روايتها السابقون واللاحقون، بداية السبعينيات التي شكلت نقلة نوعية في السرد النسوي كما وصفها النقاد، ثم بدأ العدد يرتفع، فقد مهّد هذا الجيل لجيل الثمانينات، بالظهور مثل لطفية الدليمي في رواية عالم النساء الوحيدات، ومن يرث الفردوس، وكذلك هيفاء زنكنة وبثينة الناصري وميسلون هادي وابتسام عبد الله، واسماء اخرى”. (٣٤)
ختمت السهيل حديثها قائلة “وليس كل ما تكتبه المرأة يندرج في خانة السرد النسوي، لأن النسوية في اساسها فلسفة عميقة تصب في كل مناحي الحياة سواء في الفن والأدب والسياسة والاقتصاد والمجتمع والصحة، وكل الميادين هدفها رفع المرأة من حالة الخنوع ودعوتها لرفض كل اشكال القمع والتميز الجنسي ودفعها نحو تطوير الذات وبناء القدرات. ونعتقد بروز هذا النوع، يحتاج الى جهود نقدية خاصة تكون قادرة على تقبل وجهات نظر مختلفة عن النقد الذكوري، وربما هذا ما نفتقر اليه في العراق، فالمدارس النقدية ذكورية في اساسها ونحن بحاجة عميقة لتأسيس نقد نسوي حقيقي ليمنح الأدب النسوي العراقي حقه من الضوء والوجود”.
أما في مجال الفن التشكيلي فقد يكون للفنانة التشكيلية اليوم دور ضعيف نوعياً، اما كمياً فالساحة حاضرة بالفنانات، حيث تذكر الفنانة التشكيلية ومديرة المرسم في دائرة الفنون التشكيلية الفنانة ندى الحسناوي أن “للمرأة دوراً واضحاً في مجال الفن التشكيلي، فهي باستطاعتها اليوم، منافسة الرجل في هذا المجال، رغم ان التصدر المشهد الفني ذكوري وهذا لا فصال فيه”.(٣٥)
وتشير الحسناوي قائلة “قديماً كانت هنالك اسماء تشكيلية نسوية كبيرة ومميزة، مثل الفنانة مديحة عمر، والتي لها جناح خاص في متحف الرواد، إلا انه تعرض للنهب ككثير من الاعمال المهمة، اضافة الى نزيهة سليم، وهي سليلة عائلة تشكيلية، فهي اخت الفنان الكبير جواد سليم، كذلك الخزافة عبلة العزاوي، والتي اشتهرت اعمالها الخزفية، اضافة الى حياة جميل حافظ التي عرفت بأنها سيدة الانطباعية”.وأكدت الحسناوي “سابقاً كان هنالك فنانات تشكيليات تُدرس اعمالهن لنا في المعاهد واكاديمية الفنون لأهميتها ورصانتها، أما اليوم ومع احترامي للكثير من الاعمال النسوية، فإن الساحة ممتلئة بالاسماء ولكن النوع نادر جداً”.(٣٦(
وستبقى المرأة العربية بعامه والعراقية بخاصة شعلة ابداع في ميادين الثقافة والفن بمختلف توجهاتها رغم كل التحديات الثقافية التي واجهتها لاسيما الراهنة منها .
……………………………………………………………………………………….
الهوامش /
١_ينظر :المرأة العربية وتحديات المستقبل /الحسين الزاوي ،صحيفة الخليج ، مقال على النت .
٢_نفسه
٣_نفسه
٤_نفسه
٥_نفسه
٦_الحب عند العرب ،د. عادل كامل الألوسي:٥٤،وينظر صنم المرأة الشعري ،ظبية خميس : ٨٩
٧_شهر زاد وغواية السرد ، وجدان الصائغ :٢٤وينظر العرب والمرأة،خليل عبد الكريم :٤٤
٨_المراة العربية والابداع الشعري ،سهام عبد الوهاب :١٠٢،وينظر التحديات التي تواجه المرأة العربية في مجتمعنا وسبل مواجهتها ، مقال على النت
٩_صنم المرأة الشعري :٣٣ وينظر الرجل في شعر المرأة :٨٨
١٠_الحب عند العرب :٥٥
١١_المرأة العربية والابداع الشعري:٦٠،وينظر سر قوة المرأة عند ابن عربي ،د. الصادق عوض بشير :٧٦
١٢_الذات الانثوية من خلال شاعرات حداثيات في الخليج العربي:٥٦
١٣_نفسه :٧٧
١٤_ينظر الشعر النسوي في العراق مضامينه وخصائصه الفنية ،علي محمد حسين ،رسالة ماجستير ،١٩٨٨ :٤٥،وينظر دور المرأة في المجتمع وأهمية تمكين المرأة مقال على النت
١٥_الشعر النسوي في العراق :٥٦
١٦_ديوان(شظايا ورماد) نازك الملائكة:٢٣
١٧_نفسه :٢٤
١٨_ديوان(الزاوية الخالية ) لميعه عباس عمارة :٤٤
١٩_نفسه :٤٤
٢٠_نفسه:٤٤
٢١_نفسه:٤٥
٢٢_نفسه:٤٧
٢٣_ديوان (القمر في شوارع بغداد) صبرية الحسو :٣٣
٢٤_نفسه :٣٣
٢٥_نفسه:٣٤
٢٦_ديوان (أنفاس السحر ) عاتكة الخزرجي:٥٢
٢٧_نفسه :٥٣
٢٨_ديوان الزهاوي : ٩٧
٢٩_ديوان نزار قباني:١٠٩
٣٠_ نفسه :١٠٩
٣١_ينظرالثقافة والفن والادب النسوي بين الأمس واليوم نساء في المشهد مقال على النت
٣٢_نفسه
٣٣_نفسه
٣٤_نفسه
٣٥_نفسه
٣٦_نفسه
المصادر و المراجع
القرآن الكريم
_الحب عند العرب ،د. عادل كامل الألوسي،الدار العربية للموسوعات ،ط١،١٩٩٩،١ بيروت .
_ديوان(انفاس السحر)عاتكة الخزرجي،مطبعة الاتحاد ، ،١٩٦٣،بغداد
_ديوان(جميل صدقي الزهاوي ) ،دار المطبعة العربية ١٩٧٠،مصر
_ديوان (الزاوية الخالية)،لميعة عباس عمارة،مطبعة الرابطة ،١٩٥٨
_ديوان (شظايا ورماد )،نازك الملائكة،منشورات المكتب التجاري ،للطباعة والتوزيع والنشر ،ط٢،بيروت
_ديوان(القمر في شوارع بغداد)،صبرية الحسو،مطبعة اتحاد الأدباء،١٩٦٣
_ديوان( نزار قباني )،دار العودة ،بيروت،١٩٨٧
_الذات الانثوية من خلال شاعرات حداثيات في الخليج العربي،ظبية خميس،دار المدى للثقافة والنشر،١٩٩٩،دمشق
_الرجل في شعر المرأة،عمر بن عبد العزيز،٢٠٠٨،بيروت
_سر قوة المرأة عند ابن عربي،د. الصادق عوض بشير،الدار العربية للعلوم ،٢٠١٤،الاردن
_شهرزاد وغواية السرد. قراءة في القصة والرواية الانثوية ،وجدان الصائغ،الدار العربية للعلوم ،٢٠٠٨،بيروت
_صنم المرأة الشعري البحث عن الحرية ويقظة الانثى ،ظبية خميس،دار المدى للثقافة والنشر ،١٩٩٧،دمشق
_العرب والمرأة،خليل عبد الكريم،دار القاهرة ،ط ١، ١٩٩٧،مصر
الرسائل الجامعية /
_الشعر النسوي في العراق مضامينه وخصائصه الفنية من الحرب العالمية الثانية حتى ثورة تموز ١٩٥٨،الباحث علي محمد حسين ،الجامعة المستنصرية ،رسالة ماجستير،١٩٨٨
المواقع الإلكترونية…
_مقال التحديات التي تواجه المرأة العربية في مجتمعنا وسبل مواجهتها
_ مقال الثقافة والفن والادب النسوي بين الأمس واليوم نساء من المشهد.
_مقال دور المرأة في المجتمع وأهمية تمكين المرأة
_مقال المرأة العربية وتحديات المستقبل،الحسين الزاوي
