Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

July 27, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

الانـزياح الصيغي في القرآن الكريم (المشتقات نموذجًا)

    م.محمد عزيز مصطفى المدرس بقسم اللغة العربية – كلية التربية بجامعة رابرين – إقليم كردستان العراق –__________________________________ :المقدمة إن وجوه الجمال اللغوي في القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، والانزياح الصيغي يمثل أحد أوجه هذا الجمال، بحيث امتاز القران الكريم بأسلوبه الذي يختص به ولا يدانيه أسلوب آخر، ويعد الانزياح من أبرز الظواهر الألسنية والأسلوبية؛… View Article

الانـزياح الصيغي في القرآن الكريم  (المشتقات نموذجًا)

 

 

م.محمد عزيز مصطفى

المدرس بقسم اللغة العربية – كلية التربية

بجامعة رابرين – إقليم كردستان العراق

__________________________________

:المقدمة

إن وجوه الجمال اللغوي في القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، والانزياح الصيغي يمثل أحد أوجه هذا الجمال، بحيث امتاز القران الكريم بأسلوبه الذي يختص به ولا يدانيه أسلوب آخر، ويعد الانزياح من أبرز الظواهر الألسنية والأسلوبية؛ لما له من وظيفة جمالية وأبعاد إيحائية ترقى بمستوى اللغة إلى مستوى الإبداع، فعن طريقه يمكن أن نميز اللغة العادية عن اللغة العالية بما يمنحه لها من خصوصية، لذا يسعى هذا البحث إلى دراسة ظاهرة الانزياح الصيغي في القرآن الكريم – المشتقات نموذجًا، تكمن أهميتها في أن الانزياح ظاهرة حديثة، لم يعرف بهذا المعنى سابقًا، وهو استعمال المبدع للغة مفردات وتراكيب وصور استعمالا يخرج بها عمّا هو معتاد ومألوف بحيث أن يؤدي ما ينبغي له أن يتّصف به من تفرّد وإبداع وقوّة جذب وأسر، وقد حرصت هذه الدراسة على عرض ما اشتملت عليه هذه الظاهرة من وجوه الحكمة المتأنية مما ينشأ عن الاختلاف بين السياقات المتشابهة من الدلالات، متخذا من جهود أسلافنا في هذا الشأن منطلقا للنظر في توجيهاتهم.

وفي ما يتعلق بمنهج الدراسة، فقد أُقيمت على منهج وصفي تحليلي تفسيري، يقوم على العينات الموجودة في الآيات، وذلك بناء على الغرض المنشود، ثم العرض والتحليل، والرجوع إلى الاتجاهات المختلفة في كتب التفسير، خاصة التفاسير ذات الصبغة النحوية والبلاغية، وقد حاد التحليل عن الوقوف عند شرح المفردات ودوالّها القريبة التي تتبع لانفتاح الدلالة ومقاصدها عند أهل العلم.

واعتمد البحث إضافة إلى مقدمة على خطة مكونة من تمهيد ومبحثين،خصص التمهيد لمفهوم المصطلحات: أولا: مفهوم الانزياح، ثانيًا: مفهوم الصيغة، ثالثاً: مفهوم المشتقات، أما المبحثين  فقد جاء الأول بعنوان: الانزياح الصيغي بين المشتقات نفسها، وأما الثاني: الانزياح الصيغي بين المشتقات وغيرها، ثم تلا ذلك خاتمة وأهم النتائج التي تم التوصل إليها، وفي النهاية قائمة بأهم المصادر والمراجع التي اعتمدت الدراسة عليها.

 

التمهيد: تحديد مصطلحات البحث

أولًا: مفهوم الانزياح لغةً واصطلاحًا:

الانزياح لغة:يدل الانزياح في اللغة على العدول والتباعد والتحول والذهاب، جاء في مقاييس اللغة: “الزاء والياء والحاء أصلٌ واحد، وهو زوال الشيء وتنحِّيه، يقال: زاح الشيء يزيح، إذا ذهب”([1]). وورد في معجم العين: “نزحت الدار، وتنزح نزوحا أي بعدت”([2])، وجاء في معجم لسان العرب: إن الانزياح، مادته (زيح ) من باب الانفعال أي ذهب وتباعد، زاح الشيء يزيح ريحاً وزيوحاً زيوحاً وزيحاناً وأزحته وأزاحه غيره.نزح الشيء ينزح نزحًا ونزوحًا: بعد.وانزاح ذهب وتباعد وزاح عني الباطل أي زال وذهب([3]).

وإذا ذهبنا إلى (القاموس الموسوعي لاروس) سنجد دقة اكبر في تحديد المصطلح؛ إذ إن الانزياح هو حركة عدول عن الطريق أو خط المسير([4]).

الانزياح اصطلاحًا:

يعرف (أحمد محمد ويس) الانزياح بأنه: “استعمال المبدع للغة مفردات وتراكيب وصورًا استعمالا يخرج به عمّا هم معتاد ومألوف بحيث يؤدي ما ينبغي له أن يتّصف به من تفرّد وإبداع وقوة جذب وأسر”([5]).

فمنهم من يرى أنه: “الخروج عن أصول اللغة وإعطاء الكلمة أبعادا دلالية غير متوقعة”([6])، ويعد هذا الخروج عن المألوف في التركيب والصياغة والصورة واللغة “خروجا ابداعيا جماليا، يهدم لكيبيني بطرد من ضبطها طريقة هاربة لوما”([7])، ويمنح اللغة خصوصيتها وتوهجها وألقها، ويجعلها لغة خاصة تختلف عن اللغة العادية([8]).

فالانزياح في المفهوم الأسلوبي هو قـدرة المبدع على انتهاك واختراق المتناول المألوف، سواء أكان هذا الاختراق صوتياً أم صرفياً أم نحوياً أم معجمياً أم دلالياً؛ ومن ثم يحقق النص انزياحاً بالنسبة إلى معيار متواضع عليه، لذا تبقى اللغة الإبداعية هي التي تسمح بهذه الخلخلات اللغوية ضمن النصوص بحملها من النفعية البلاغية إلى الفنية الجماليـة؛ وهذا كله وفقاً لأفكار وتداعيات خاصة، في إطار أمنى ومواقف محددة تمليها طبيعـة المواضيع المتناولة في ضمـن النصوص، حيث «إنه من غير المجدى حصر الكلام في تكرار جمل جاهزة، كل واحد يستعمل اللغة لأجل التعبير عن فكرة خاصة في لحظة معينة، يستلزم ذلك حرية الكلام واستقلالية الخوض فيه وبه بارتياح، في رحاب لغة فنية أدبية تجعل الجمالية و التأثير غايتها”([9]).

وهكذا؛ فالانزياح كما في دلالته اللُّغوية خروج عن المألوف والمعتاد، وتجاوُزٌ للسائد والمتعارف عليه والعادي، ويرتبط بالذَّهاب والتباعد والتنحي والتحويل، وفي كل هذا تغييرٌ لحالة معينة وعدم الالتزام بها،وهو في الوقت نفسه إضافةٌ جمالية يمارِسها المُبدِع لنقل تجرِبته الشعورية للمتلقي والتأثير فيه، ومِن ذلك لا يُعَد أيُّ خروج عن المألوف وتجاوُزٍ للسائد وخرقٍ للنظام انزياحًا إلا إذا حقَّق قيمةً جمالية وتعبيرية، وأجمع الدارسون المسلمون قديما على أن أسلوب القرآنالعظيم خارج عن المألوف من كلام البشر.

وخلاصة القول:

إن الانزياح ظاهرةٌ مُهمَّةٌ في اللغة العربية؛ فهو وسيلة لتوسُّعها، وأداة فنية وجمالية عرَفَتْها اللغةمنذ القديم؛ وتنبه الدارسون المسلمون القدماء إلى سمة بارزة من سمات الأسلوب العربي هي سمة المراوحة بين الأساليبب والانتقال المفاجئ من أسلوب إلى آخر ومن صيغة إلى أخرى، وقد أطلقوا على هذه الظاهرة مصطلحات عدة منها: النقل والانتقال والتحريف والانحراف والرجوع والالتفات والتحويل والعدول والصرف والانصراف ومخالفة مقتضى الظاهر وشجاعة العربية والحمل على المعنى والجسارة اللُّغوية والترك ونقض العادة وغير ذلك.

ثانيًا: مفهوم الصيغة لغة واصطلاحًا:

الصيغة في اللغة والاصطلاح: مصدر الفعل (صاغ) بمعنى الخِلقة والهيئة، قال ابن منظور: “فلان حسَنُ الصيغة، أيحَسَنُ الخِلْقَة والقَدِّ، ويقال صيغة الأمر كذا أو كذا، أي هيئته التي بُنِيَ عليها”([10]).

ويعرفها ابن الحاجب بقوله: “المراد من بناء الكلمة ووزنها وصيغتها هيئتها التييمكن أن يشاركها فيها غيرها، وهي عدد حروفها المرتبة وحركاتها المعينة وسكونها معاعتبار الحروف الزائدة والأصلية في كل موضع”([11]).

وعند الكفوي هي: الهيئة العارضة للفظ باعتبار الحركات والسكنات وتقديمبعض الحروف على بعض، وهي صورة الكلمة والحروف مادتهـا”([12]).

وعند التهانوي:”الصيغة بالكسر عند أهل العربية هي الهيئة الحاصلة مـن ترتيب الحروف وحركاتها وسكناتها([13]).

وعند محمد سمير اللَّبَدي: هي الشكل والبناء، وغالبًا ما تستعمل في مجال المقيسات منالأحكام فيقال في فُعيل فُعيعِل وفُعَيْعِيل صيغ تصغير، ويقال في (فاعِل) من (فَعَلَ) صيغة اسـمالفاعل، كما يقال في مفعول منه صيغة اسم المفعول ….إلخ، فالصيغ إذن عبارة عن أبنية مقيسة، ولها أوزانها التي لا تختلف في عمومها وغالب أمرها([14]).

ثالثًا: مفهوم الاشتقاقلغة واصطلاحًا:

الاشتقاق في اللغة:”الأخذُ في الكلام يمينًا وشمالًا مع تَرْكِ القَصْدِ“([15])، و”اشتقاقُ الحرف من الحرف: أَخْذُه منه، ويقال: شَقَّقَ الكلام، إذا أخرجه أحسن مخرج”([16]).

وفي اصطلاحفقد ذكر الشريف الجرجاني ان الاشتقاق: “هو نزع لفظ من آخر، بشرط مناسبتهما معنًا وتركيبًا، ومغايرتهما في الصيغة”([17]).

وجاء في المزهر هو:أخذُ صيغةٍ من أخرى مع اتفاقهما معنىً ومادة أصليّةً وهيئةَ تركيب؛ ليُدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيـدة لأجلها اختلفا حروفاً أو هيئة كضارب من ضرب، وحذر من حذر([18]).

ويعرفه أحد الباحثين المعاصرين بأنه: “استحداث كلمة أخـذًا مـن كلمـةأخرى للتعبير بها عن معنىً جديد يناسب المعنى الحرفي للكلمة المأخوذة منها. أو عن معنى قالبي جديد للمعنىالحرفي، مع التماثل بين الكلمتـيـن فـي أحرفهـا الأصلية وترتيبها فيها”([19]).

وأصل المشتقات عند البصريين المصدر، وعند الكوفيين الفعل، والمعتمدالأول، والمشتقات من المصدر عدا الأفعال سبعة هي: اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل واسما الزمان والمكان واسم الآلة([20]).

المبحث الأول: الانزياح الصيغي بين المشتقات نفسها

 

أولا: الانزياح الصيغي بين اسم الفاعل وصيغة المبالغة

قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (الأعراف: 112)، وقال في الشعراء: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 37)

فقد وردت في الأعراف بصيغة اسم الفاعل (ساحر) وهو كل من يعمل بالسحر، ووردت في الشعراء بصيغة المبالغة (سحّار)،و(سحّار) كل من تمرس بالسحر أو جعل السحر صفة له بل صفته الوحيدة أو من صار أستاذا بالسحر يعلمه الناس، وذهب ابن طلحة أن فعّالا: لمن صار له صناعة([21])، والأصل عند العرب أن ينسبوا إلى الحرفة والصنعة بصيغة (فعّال) غالبًا([22])، والمقصود بقوله (بكل ساحر): الكمية والعدد، و(بكل سحّار): النوعية والخبرة([23]).

صيغة (سحّار) في الشعراء تتناسب مع المبالغة في قوة التحدي والخصومة وشدة المواجهة بين فرعون وموسى (عليه السلام)، وتتناسب مع غضب فرعون البليغ واندفاعه للنيل من موسى أيضًا([24])، فهم أرادوا سحّارًا بليغًا في السحر لا مجرد ساحر، بيد أن قوة المعارضة والتحدي والخصومة لم تكن في سورة الأعراف بهذا المستوى([25]).

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن كلا الموضعين جاءا على لسان سادة القوم من أتباع فرعون، لكن اختلف اللفظ مراعاةلحال المستمع  الذي هو فرعون، ففي سورة الأعراف كـان الحوار بين سادة القوم وهم الذين اتهموا موسى بالسحر:﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (الأعراف: 109 – 110).

فرد عليهم بعضهم: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (الأعراف: 111 – 112).

بينما في سورة الشعراء كان الحوار بين فرعون وملئه وأن فرعون هو الذي اتهم موسى بالسحر:﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (الشعراء: 34 – 35).

فكان ردهم عليه: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 36 – 37).

فجاء ردهم باستخدام صيغة المبالغة، وكانت هذه الصيغة مناسبة لسياقها، حيث إن سادة القـوم مـن أتباع فـرعـون لما رأوا شـدة خـوفه واضطرابه، أتوه بكلمة تدل على الإحاطة والمبالغة تطمينا لنفسه وتسكينا لبعض قلقه، فـوعـدوه أن يجلبوا لـه مـهـرة السحرة ومتمرسيهم، والضالعين في السحر([26]).

وهذا يتناسب أيضاً مع مقام التأكيد على السحر، فإن السحر أكّد وكرّر في سورة الشعراء أكثر مما في سورة الأعراف، فقد ذكر في الأعراف سبع مرات وفي الشعراء عشر مرات([27]).

ثانيًا: الانزياح الصيغي بين اسم الفاعل واسم التفضيل

قال تعالى في سورة هود: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ﴾ (هود: 22)

وقال في سورة النحل: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (النحل: 109)

جاء الوصف في سورة هود بصيغة أفعل التفضيل وفي سورة النحل جاء بصيغة اسم الفاعل، وكلاهما ماخوذان من جذ لغوي واحد (خسر).

وقد عزا الإسكافي هذا الاستبدال إلى الجانب المعنوي واللفظي، فقال في بيان الجانب المعنوي: أنهم وُصفوا بالأخسرين في آية هود لأنهم كانوا {يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا}، فهم لا يكتفون بضلالهم، وإنما يُضِلّون غيرهم ليكونوا في الضلال سواء، فاستحقوا الوصف بالخسران بصيغة التفضيل.

وأما في آية النحل فلم يخبر عن الكفار أنهم مع ضلالهم أضلوا من سواهم، وإنما قال فيهم: {ذلك بأنهم استحبوا الحيوة الدنيا على الأخـرة وأن الله لا يهدى القوم الكافرين} (هود: 107)، فلم يذكر ما يوجب مضاعفة العذاب([28]).

وقال في ما يوجبه اللفظ ويراعي فواصل الآي: وهاهنا ما يضاهيه من طريق اللفظ، وهو أنّ ما قبله من الفواصل {يُبْصِرُون} و{يَفْتَرُون} {…وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}،{…مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (هود: 20-21)فما قبل الواو والنون متحركان لايعتمدان على الألف قبلهما، فجاء على التوفقة بين الفواصل.

لذلك قال: فاجتماع المعنى والتوفقة بين الفواصل أوجبا اختيار (الأخسرين) في هذا الموضع على الخاسرين.

أما آية النحل فكانت الفواصل التي حملت هذه عليها على وزن (الكَافِرِين) و(الغَافِلِين){…وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ}،{…وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ} (النحل: 107- 108) فاقتضى ذلك أن يكون (الخاسرون)([29]).

ويرى ابن الزبير أن سبب تخصيص آية هود بقوله : (الأخسرون) وآية النحل بقوله : (الخاسرون) هو أن آية هود تقدمها قوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} (هود: 17) وهذه الآية تُفْهِم منها المفاضلة، أي من كان على بينة من ربه ليس كمن كفر وجحد وكذب الرسل. ثم اتبع هذا بقوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} (هود: 18) فقد جاء باسم التفضيل (أظلم)، فناسب هذا لفظ (الأخسرون)بصيغة المفاضلة.

أما آية النحل فلم يقع قبلها اسم تفضيل ولا ما يفهم المفاضلة، فناسب هذا لفظ (الخاسرون)([30]).

ولعلّ اختيار القرآن (الأخسرون) في سورة هود ما سبقها من خسارة النفس، وإنّ خسران النفس من اعظم الخسران: (هود: 21 – 22)، “فلا أحد أبين أو أكثر خسرانًا منهم، فأفعل للزيادة إمّا في الكمّ أو الكيف”([31]) “فهم الأكثرون خسرانا من كل ما يمكن وصفه بالخسران”([32]).

إضافة إلى أنّ (أخسر) على وزن أفعل وهي للمبالغة والاستمرار، فهم قد بالغوا في الكفر فبولغ لهم العذاب، فإنّ الجزاء من جنس العمل، ويدل اسم التفضيل على الزيادة في أصل الفعل غالبًا، فكلاهما خاسر لكن الأخسرين خسرانهم أكثر وأشد([33]).

 

ثالثًا: الانزياح الصيغي بين صيغتيالمبالغة

قال تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ (ق: 2)، وقال في سورة هود: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: 72)، أما في سورة ص فقال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: 5)

جاء في سورتي ق وهود بصيغة (عجيب) وفي سورة ص بصيغة (عُجاب)، وصيغة (فعيل) في أصلها تدل على الثبوت واللزوم، فإذا أريد المبالغة في الوصف حُوّل إلى (فُعال)، قال الخليل: “بين العجيب والعُجاب فرق، أما العجيب فالعجب يكون مثله، وأما العُجاب فالذي تجاوز حدّ العجب”([34])، وقال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: (إن هذا لشيء عجيب): إن العجاب هـو العجيب، إلا أنه ابلغ من العجيب، كقولهم: طويل وطُوال، كبير وكُبار، عجيب وعُجابفإذا أفرط في الزيادة قيل: (فُعّال)، ككُبّار([35])، وقال الرضي: “والظاهر أن فُعالاً مبالغة فعيل في المعنى، فطُوال أبلغ من طويل وإذا أردت زيادة المبالغة شدّدت العين فقلت: طُوّال”([36]).

إن بين (عجيب) و(عُجاب) تدرّج في العجب بحسب قوته ففي آية (ق) ذكر أن الكافرين عجبوا من أن يجيء إليهم منذر منهم فقالوا: {هذا شيء عجيب}، أما في آية هود كان العجب أكبر لأنه من خلاف المعتاد أن تلد امرأة عجوز وعقيم من شيخ كبير في قصة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إذ كل ذلك يدعو الى الغرابة والعجب فالعجوز لا تلد، فإذا كانت عقيماً كانت عن الولادة أبعد، ولذا أكد العجب بأن واللام([37]) فقال: {إن هذا لشيء عجيب} بخلاف سورة (ق) فإنه لم يؤكد العجب.

وأما في سورة (ص) فقد كان العجب عند المشركين أكبر وأكبر من عجب العجوز العقيم حين بشَّرتها الملائكة بولادة إسحاق، إذ كيف يمكن أن يؤمنوا بوحدانية الله تعالى وينفوا الشرك من أنفسهم، وذلك خلاف ما تعودوا عليه بعد أن أجمعوا عليه، وأقاموا على عبادة آلهتهم الزمن الطويل، وحين طرقهم الدين الجديد كان أول ما جاءهم به ردعهم عن الشرك، ودعوتهم إلى التوحيد، وقد استسهلوا أن يحملوا السيف ويعلنوا الحرب الطويلة على أن يقروا بهذه الكلمة، فالقتل أيسر عندهم من النطق بكلمة التوحيد، صادرين في ذلك عن عجبهم المتفاقم الكبير من دعوته إياهم إلى ما يخالف عاداتهم مما عدّوه محالاً، ولذا كان العجب عندهم أكبر وأكبر، فكان الاستهلال في الآية بالاستفهام الإنكاري المعقب عليه بإنّ واللام، والعدول من (عجيب) إلى (عجاب)، وذلك فيما حكاه تعالى من قولهم: {أجمل الألهة إلها وجدا إن هذا لتي تجابه)، لأنّ فُعالاً أبلغ من فعيل عند العرب في الدلالة على الوصف، وذلك في إطار الجذر اللغوي الواحد([38]).

 

رابعًا: الانزياح الصيغي بين صيغتين لاسم الفاعل

قال تعالى في سورة هود: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (الأنعام: 99)

وقال في سورة النحل: ﴿وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ﴾ (الأنعام: 141)

فالاختلاف بين الموضعين في استخدام صيغة (مُفْتَعِل) وهي اسم فاعل من (اِفْتَعَلَ) في الموضع الأول، وصيغة (مُتَفَاعِل) وهي اسم فاعل من (تَفَاعَلَ) في الموضع الثاني.

وعلى الرغم من أن كثير من العلماء ذهبوا إلى أن صيغة (تفاعل) تأتي بمعنى (افتعل)([39]) كتقاتل واقتتل وتشارك واشترك، لكن أصحاب المعاجم اللغوية فقد أثبتوا فرقاً بين اللفظتين(اشتبه وتشابه) من جهة المعنى. فقد جاء في لسان العرب: “اشتبه علي وتشابه الشيئان واشتبها: أشبه كل واحد منهما صاحبه… وأمور مشتبهة ومشبَّهة: مشكلة يشبه بعضها بعضا. . . وشُبِّه عليه: خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره، . . . وقال الليث: المشتبهات من الأمور: المشكلات. . . واشتبه الأمر إذا اختلط، واشتبه عليَّ الشيء”([40]).

ففي (القاموس المحيط): “تشابها واشتبها: أشبه كل منهما الآخر حتى التيسا. . .وأمور مشتبهة ومشَيَّهة كمُعَظَّمة: مشكِلة”([41])،”أي: مشكِلة ملتبسةٌ يشبه بعضها بعضًا”([42]).

وجاء في (المصباح المنير): “اشتبهت الأمور وتشابهت: التبست، فلم تتميز ولم تظهر. ومنه اشتبهت القبلة ونحوها. . . وتشابهت الآيات تساوت أيضًا. فالمشابهة: المشاركة في معنى من المعاني، والاشتباه: الالتباس”([43]).

فيتضح مما سبق “أن (اشتبه) أكثر ما يفيد الالتباس والإشكال كقولهم: (اشتبهت عليه القبلة، واشتبه عليه الأمر)، وأن (تشابه) أكثر ما يفيد معنى التشابه بين الشيئين أو الأشياء، والمشاركة بينها في المعانيسواء أدى ذلك إلى الالتباس أم لم يؤد([44]).

بعد بيان الفرق الدلالي بينهما لنضع كلا الكلمتين في سياقهما من تخصيص كل آية بما خصت لنقف على سببه، لأنه ينبغي أن يكون هناك فرق دقيق بينهما القرآن الكريم إلى أن يُخصِّصَ كل آية بالصيغة التي وردت فيها لان “اختلاف المباني دليل على اختلاف المعاني”([45])، والقرآن الكريم لايستعمل كلمة بصيغة ما إلا لسبب يقتضيه سياق النص. ي

فـسر صاحب الملاك الآية الأولى بأن المقصود منها الاعتبار وتعداد آيات الله ودلائل وحدانيته فلاءم الأمر بالنظر والاعتبار الأمر بالشكل([46]).

أما الآية الثانية: فكانت على تفصيل ما أنعم به سبحانه على عباده مننعم في المأكل والملبس والمعونة([47]).

والآية الأولى هي: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 99).

أما الآية الثانية: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٍۢ مَّعْرُوشَٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۢ ۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓاْ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: 141).

ولو نظرنا في الآيتين ملياً فإننا يمكن أن نضيف إلى ما ذكره صاحبالملاك ما يأتي:

الآية الأولى: بينت عملية التكوين ومراحل التطور، ابتداء من نزول الماء إلى خروج النبات إلى اخضراره إلى بداية تراكم الحبيبات وتشكلها في الزرع وفي النخل وفي الأعناب وفي الزيتون وفي الرمان، إلى أن يصبح ثمرة، ثم تنضج.

وكذلك بينت الجانب الشكلي، شكل الأرض قبل نزول الماء، وشكلها بعد نزوله واخضرار النبات وشكل الثمرة، ثم اختلاف لونه بعد أن ينضج ويبنع ودليلنا قوله تعالى: (أنزل ـ فأخرجنا ـ خضراً ـ حباً متراكماً ـ طلعها قنوان – انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه).

الآية الثانية: تتجاوز مرحلة التكوين الأولى، وتتحدث عن الثمر نفسه – شكله – طعمه – لونه – حجمه – رائحته في حالة النضوج والاستواء. ودليلنا (كلوا من ثمره ـ وآتوا حقه ـ ولا تسرفوا).

ونعود إلى (مشتبهًا ومتشابها) في الآيتين:

 في الآية الأولى قال: (مشتبهاً) في أساس التكوين ومشتبهاً في الخضرة ومشتبهاً في الإثمار ولكنه غير متشابه عندما يكبر الثمر وينضج ويينع، فهذا كبير وهذا صغير، وهذا أصغر وهذا أخضر وهذا أبيض وهذا أحمر – وهذا على شكل عناقيد متدلية وهذا على شكل ثمارمتناثرة.

 الآية الثانية: تتحدث عن التشابه والاختلاف في الفصيلة الواحدة وفي النوع الواحد، فالنخل يشبه بعضه بعضاً ولكن ثمره يختلف وأنواعه مختلفة وكذلك الرمان – والزيتون، والزرع أيضاً. فهي تبدو متشابهة ولكنها مختلفةأيضاً في اللون والطعم وفي الحجم وفي وقت النضج (مختلفاً أكله – متشابهاً وغير متشابه – كلوا من ثمره إذا أثمر – وآتوا حقه يوم حصاده)([48]).

 يضاف إلى ذلك أن الأولى سبقها الحديث عن الآيات الكونية وقدرة الله فيها، والآية الثانية سبقها ولحقها الحديث على ما يحل أكله.

ويلتمس الدكتور فاضل السامرائي الفارق بينهما من جهة المعنى معتمـداً على السياق يقول: “والذي يبدو لنا انهما ليسا بمعنى واحد، وإن كل لفظة اختصت بالموطن المناسب لها”([49]).

ولكن إذا نظرنا إلى السياق العام الذي يلف الموضعين سوف نجد اختلافا كبيرا بين السياقين، فسياق الآية الأولى في بيان قدرة الله وآياته الباهرة في خلقه، ويتضح ذلك من الآيات السابقة للآية التي تشتمل على الموضع المذكور، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 95-99).

ومن ثم اتسمت الآية التي ورد فـيـهـا الموضع الأول بسمات معينة من شأنهـا الاتساق مع السيـاق الـعـام الواردة فـيـه؛ فـقـد تحدثت الآية عن بداية مرحلة مـا قـبل الإنبات، وبيّن سبحانه أنه هو الذي أنزل الماء من السماء. ثم ذكر أنه أخرج بالماء نبات كل شيء على وجه العموم ولم يخصصه بنوع معين من أنواع النبات، وهو مما يدل على القدرة الباهرة، وأشار كذلك إلى تسلسل عملية النمو والإنبات، وتحدثت الآية عن طلع النخل وقنوانه ولم تتحدث عن ثماره، ثم كانت خاتمة الآية متسقة تماما مع هدفها وغايتها، إذ أمر الله بالنظر والتدبر والتأمل في مظاهر القدرة المطلقة، ليزداد المؤمنون إيمانا([50]).

أما سياق الآية الأخرى، ففى بيان الأطعمة وما يحلّله ويحرّمه أهل الكفر افتراء على الله وبيـان عـقـائدهم الباطلة، ويتضح ذلك مما يسبق هذه الآية من آيات، إذ يقول تعالى:﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ. وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: 136-141).

ويلاحظ كذلك أن ألفاظ هذه الآية وتراكيبها متسقة مع السياق الذي يحكمها، ولذلك ذكرت الآية ما يؤكل من ثمار الزرع واختلاف أنواعه وطعومه، وأشارت إلى أكله {كلوا من ثمره إذا أثمر}، وضرورة إخراج حق الله فـيـه، وهذا الحق هو زكـاة الزروع والثمار، وختمت الآية بالأمر بعدم الإسراف، فالله لا يحب المسرفين([51]).

ومن ثم جاء في الموضع الأول {والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه﴾ (الأنعام: 99)، وهو السياق الذي يبين قدرة الله وآياته الباهرة، “ومعلوم أن الذي يستطيع أن يُشَبِّه الأمور حتى تلتبس على الناظر أو المتأمل، فلا يميز بينها أقدر من الذي يقدر على أن يجعل مجرد تشابه بين شيئين. وأن الأمور المُشَبَّهة كلما دقت كانت أدل على القدرة والبراعة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الأمور المشتبهة تحتاج إلى زيادة نظر وتأمل لإدراك حقيقة أمرها . فوضع (مُشْتَبهًا) في السياق الدالّ على قدرته وآياته، وفي موضع الأمر بالنظر {انظروا إلى ثمره} دون الموضع الآخر مما ليس في هذا السياق. فكان كل تعبير أنسب في سياقه الذي ورد فيه”([52]).

أما السياق الثاني، وهو معنى ببيان الأطعمة فيناسبه إبراز ما بين الثمار من تشابه واختلاف، وهو أمر يسهل إدراكه بالتذوق والأكل.

 

المبحث الثاني: الانزياح الصيغي بين المشتقات وغيرها

 

أولًا: الانزياح الصيغي بين اسم الفاعل والفعل المضارع

قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 62)

وقال آية أخرى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف: 68)

فقد اختلفت بنية الألفاظ في هاتين الآيتين، ففـي المـوطن الأول وعلى لسان نوح عليه السلام يستعمل القرآن الصيغة الفعليـة (أنصح)، وفي الموطن الثاني وعلى لسان هود عليه السلام يبـدل استعمالها إلى الصيغة الاسمية(ناصح).

قال الإسكافي في درة التنزيل: إن جواب نوح عليه السلام (أنصح) بالصيغة الفعلية، كان جوابًا لمن ضلل، وذلك لما قالوا له: {إنّا لنراك في ضلال مبين} والضلال من صفات الفعل، تقول: ضلّ فهو ضالّ، فكـان جـواب مـن عيـب بفعـل مـذموم نفيه بفعل محمود وهو (أنصح)، أما جواب هود عليه السلام فقد كان ردًا على مـا رمـوه مـن السفاهة فقالوا: {إنا لنراك في سفاهة}، والسفاهة من صفات النفس، وهـي ضـد الحلـم، والسفاهة والحلم معنيان ثابتان، فكان نفيهما بصفات ثابتة أولى وهو قوله: (ناصح) أي ثابـت لـكـم علـى النصح لا أنتقل عنه ولا أتبدّل([53]).

وذكر ابن الزبير أن نوحًا في الآية الأولى: بيّن لهم نصحه واستمراره في إبلاغهم ونصحهم فقال: {أبلغكم رسلت ربي وأنصح لك}، ثم أتبع بتعريفهم بجهلهم بما عنده من ربه وبعلمه هو بذلك فقال: {وأعلم من الله ما لا تعلمون}، وإنما قال: (وأنصح)، (وأعلم) ليعلم بتماديه على النّصح لهم وهم لا يشعرون ولا يهتدون.وأمّا جواب هود عليه السلام فإنّ قومـه لمّـا قـالوا: {إنـّا لـنـراك في سفاهة} فرموه بخفة الحلم، فنفى ذلك عن نفسه ثمّ قال: {وأنا لكم ناصح أمين}وأتى بالاسم فقال: {ناصح أمين}، ولم يقل (أنصح) فيأتي بالفعل، ليحصل منه أنّ ذلك الوصف الجليل لازم له غير مفارق، ولم يكن الفعل ليعطي ذلك، فجاء بالاسم وجعله الخبر عن ضميره الذي هو (أنا) فهذا مقصود ثبات الوصف ولزومه([54]).

وقد أشار إلى ذلك الرازي فقال: “والفرق بين الصّورتين أنّ صيغة الفعـل تـدلّ على التّجدد ساعة فساعة، وأمّا صيغة اسم الفاعل فإنّها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل، ولما كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة {قال رب إني دعوت قومى ليلا ونهارا} (نوح: 5) ذكره بصيغة الفعل فقال: {وأنصح لكم}. وأما هود عليه السلام فقوله: {وأنا لك ناصح أمين} يدل على كونه مثبتًا في تلك النّصيحة مستقرًّا فيها، وليس فيها إعلام بأنّه سيعود إلى ذكرها حالًا فحالًا،ويومًا فيومًا، أمّا هود فلم يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتًا دون وقت”([55]).

ثم إن قول نوح عليه السلام جاء بعد أن اتهمه قومه بالضلال فقالوا له: {إنا لنريك في ضلال مبين} (الأعراف: 60)، وأما قول هود عليه السلام فقد جاء بعد أن رماه قومه بالسفاهة فقالوا له: {إنا لنراك في سفاهة}(الأعراف: 66)، والسفاهة صفة لازمة لصاحبها ثابتة فيه، فأتى بالصيغة التي تدل على الثبوت فقال: {وأنا لكم ناصح}،بخلاف الضلال فإنه وصف عارض يمكن تركه إلى نقيضه من الهدى، فناسبه الصيغة التي تدل على الحدوث، فجاء بعده قوله: (وأنصح) ليناسب الحدوث الحدوث والثبوت الثبوت([56]).

 

 

ثانيًا: الانزياح الصيغي بين اسم الفاعل والفعل المضارع

قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (الأنعام: 131)

وقال في سورة هود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117)

ففي سورة الانعام فقد وردت اللفظة بالصيغة الاسمية (مهلك) الدّال على الثبات والدّوام، ثم تبدّل استعمال القرآن لهذه اللفظة في سورة هود إلى الصيغة الفعلية (ليهلك) الدّال على التّجدد والاستمرار وذلك أن الآية الأولى في سياق مشهد من يوم القيامةعمّا كان في الدنيا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ. ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (الأنعام: 128-131).

فقد ذكر صفة الله وهو أنه لم يُهلك قوماً بظلمٍ وهم غافلون لم يُكلَّفُوا ولم يأتهم رسل ينذرونهم. فالذين لم ينذروا غافلون، قال تعالى: {لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون} (يس: 6). فهو في سياق أمر ثبت واستقر وانتهى فجاء بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت.

في حين أن الكلام في سورة هود على هذه الحياة وشؤونها وذكر سنة الله في الأمم قال تعالى:﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَزرُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ. وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 112-117).

فهو – كما ترى – في سياق الدنيا وسنن البقاء فجاء بالصيغة الفعلية لأن الأمم تحدث وتتجدد وتهلك ويأتي غيرها… فجاء بالصيغة الدالةعلى الحدوث والتجدد (ليهلك). ثم انظر كيف جاء في الآية الأولى بـ (لم) الدالة على المضي (ذلك أن لم يكن ربّك) لأن الأمر حصل وتم في الدنيا فهو ماضٍ بالنسبة إلى الآخرة. وجاء ههنا بلام الجحود التي تدخل على الفعل المضارع للـدلالـة علـى الاستمرار والتجـدد فقال: {وما كان ربك ليهلك القرى} (هود: 117) ([57]).

 

ثالثًا: الانزياح الصيغي بين اسم الفاعل والفعل المضارع

قال تعالى في سورة الأنفام: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33)

فقد جاء في صدر الآية بالفعل: (ليعذبهم) وجاء بعده بالاسم: (معذبهم) وذلك أنه جعل الاستغفار مانعاً ثابتاً من العذاب بخلاف بقاء الرسول بينهم فإنه – أي العذاب – موقوت ببقائه بينهم. فذكر الحالة الثابتة بالصيغة الاسمية والحالة الموقوتة بالصيغة الفعلية([58]).

ويقول الزمخشري: “والدلالة على أن تعذيبهم وأنت بـين أظهـرهم غير مستقيم في الحكمة؛ لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قومـاً عذاب استئصال ما دام بين أظهرهم، وفيه إشـعـار بـأنهم مرصـدون بالعذاب إذ هاجر عنهم والدليل على هذا الإشعار قوله تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله} (الأنفال: 34)، وإنما يصحّ هذا بعد إثبات التعذيب، كأنه قال: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم. ومـالهم أن لا يعذبهم وهم يستغفرون). ومعناه نفي الاستغفار عنهم: أي: ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم كقولـه: {وماكانربك ليهلك القرى يظلم وأهلها مصلحون} (هود: ۱۱۷). ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون ولا يتوقع ذلك منهم وقيل معناه: ومـا كـان الله معذبهم وفيهم مَن يستغفرهم وهم المسلمون بين أظهرهم ممن يخلف عن رسول الله ﷺ من المستضعفين)([59]).

 فالزمخشري ذكر معنيين كما ترى، فأحد المعنيين هو الذي ذهب إليه د. فاضل السامرائي وهو ثبوت الاستغفار لا نفيه عنهم. وبذا يعلـم أن استظهار الزمخشري أوسع.

 

رابعًا: الانزياح الصيغي بين الصفة المشبهة والمصدر

قال تعالى في سورة الانعام على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 78)

وقال في سورة الزخرف وعلى لسانه أيضًا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 26-27)

في سورة الأنعام استخدم صيغة الصيفة المشبهة (بريء)، أما في سورة الزخرف فجاء بصيغة المصدر (براء)، “وأنت ترى الفرق بين المقامين فإن إبراهيم عليه السلام في آية الأنعام في مقام الحيرة والبحث عن الحقيقة لا يعرف ربه على وجه التحقيق، فقد ظن أن الكوكب ربه ثم القمر ثم الشمس ثم أعلن البراءة من كل ذلك.

أما في الآية الثانية فهو في مقام التبليغ فقد أصبح نبيًا مرسلاً من ربه أعلن حربه على الشرك وأعلن البراءة مما يعبد قومه، فهناك فرق بين المقامين والبراءتين”([60]).

ولذا قال في الآية الأولى: (بريء) وفي الثانية: (براء)؛ وذلك أن (براء) أقوى من بريء فإنها براءة بصيغة المصدر الذي هو الحدث المجرد فإن قولك: (هو رجل عدل) أبلغ من قولك (هو رجل عادل) وذلك لأن معناه أنه أصبح هو العدل، أي : لكثرة ممارسته للعدل صار هو العدل نفسه. فالبراءة في آية الزخرف أشد.

 ثم انظر كيف ناسب هذه القوة في البراءة والشدة بتوكيد الكلمة بمجيء النون – أعني نون الوقاية – في آية الزخرف زيادة في التوكيد فقال: (إنني براء) ولم يأت بها في آية الأنعام بل قال: (إني بريء) وأن النون في مثل هذا المقام تفيد التوكيد([61]).

 

الخاتمة

وهذه هي المحطة الآخيرة من الدراسة، حيث خاتمة الجهد والخلاصة، فنذكر أهم ما جاء فيها من أفكار، وما توصلت إليها من نتائج:

  • تبين أن الانزياح يدل على العدول والتباعد والتحول والذهاب، وهو استعمال المبدع للغة مفردات وتراكيب وصيغ استعمالا يخرج به عمّا هو معتاد ومألوف، ويمنح اللغة خصوصيتها وتوهجها وألقها، ويجعلها لغة خاصة تختلف عن اللغة العادية.
  • وتبين أن الانزياح ظاهرةٌ مُهمَّةٌ في اللغة العربية؛ فهو وسيلة لتوسُّعها، وأداة فنية وجمالية عرَفَتْها اللغة منذ القديم؛ وتنبه الدارسون المسلمون القدماء إليه، وقد أطلقوا على هذه الظاهرة مصطلحات عدة منها: النقل والانتقال والتحريف والانحراف والرجوع والالتفات والتحويل والعدول والصرف والانصراف ومخالفة مقتضى الظاهر وشجاعة العربية والحمل على المعنى والجسارة اللُّغوية والترك ونقض العادة وغير ذلك…
  • وتبين أن الصيغة مصدر الفعل (صاغ) بمعنى الخِلقة والهيئة، وهي: الهيئة العارضة للفظ باعتبار الحركات والسكنات، وهي صورة الكلمة والحروف مادتهـا.
  • أن الاشتقاق هو نزع لفظ من آخر، بشرط مناسبتهما معنًا وتركيبًا، ومغايرتهما في الصيغة، وهي أخذُ صيغةٍ من أخرى مع اتفاقهما معنىً ومادة أصليّةً وهيئةَ تركيب؛ ليُدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيـدة لأجلها اختلفا حروفاً أو هيئة كضارب من ضرب، وحذر من حذر.
  • إن الانزياح الصيغي ظاهرة دالة على بديع النظم الحكيم، ولها إماءات ودلالات تهمس بعظم النص القرآني، ورقى البيان الذي فيها، تهمس كذلك بتناسق ظاهر بين الشكل والمضمون، وتناغم بين اللفظ والمعنى.
  • يعد الانزياح الصيغي نمطًا أسلوبًا راقيًا في التعبير، يمثل الجانب الإبداعي في الأداء، ويهدف إلى خلق ألوان متنوعة من التغيير في الشكل والمضمون.
  • لا يمكن بحال من الأحوال فهم دلالة المفردات دون النظر إلى سياق الحال، وأي محاولة لتحقيق هذا الغرض دون الرجوع إلى السياق محاولة قاصرة، بل يجب أن نعتبر القرآن كله وحدة واحدة أو آية واحدة.
  • من خلال الدراسة تبين أن اختيار الصيغة هي اللبنة الأولى في صرح النظم البديع المعجز، واتضح أن القرآن يستعمل الصيغة في مواضع لا يسد مسدها فيها غيرها من الصيغ اللغوية على اتساعها وتنوعها.
  • وتعد الانزياح الصيغي في القرآن الكريم لونًا من ألوان الإعجاز الذي تتجلّى آثاره في النظم، الذي عُرف بانتظامه العجيب، ونسجه البليغ، وحسن صوغها.
  • إن المفردات القرآنية الكريمةمهما تقارب معناها اللغوي ظاهريًا، فإن هذا لا يعني أنها متطابقة كل التطابق، بل هناك فروق بينها.
  • وتبين أن الانزياح وقع بين أغلبية المشتقات، وأن اسم الفاعل من أكثر الصيغ التي وقع في صياغتها الانزياح ويليه صيغ المبالغة.

المصادر والمراجع

بعد القرآن الكريم.

أساس البلاغة: الزمخشري، دار صادر، بيروت، 1992م.

الأسلوبية مفاهيمها وتجلياتها: موسى سامح ربايعة، دار الكندي، الأردن، 2003م.

الانزياح الشعري عند المتنبي: قراءة في التراث النقدي عند العرب، أحمد مبارك الخطيب، دار الحوار، دمشق، الطبعة الأولى، 2009م.

الانزياح في منظور الدراسات الأسلوبية: أحمد محمد عويس، مجد الدراسات الجامعية، بيروت،  الطبعة الأولى، 2005م.

البرهان في متشابه القرآن: محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 2007م.

بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، د. فاضل السامرائي، دار عمار – عمان (1999م).

تاج العروس من جواهر القاموس، محب الدين أبو الفضل السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي، منشورات مكتبة الحياة – بيروت – لبنان، (1306هـ).

التعبير القرآني، د. فاضل صالح السامرائي، دار الكتب للطباعة والنشر – الموصل (1989م).

التعريفات: علي بن محمد الشريف الجرجاني، تحقيق: محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، مصر، 2004م.

التفسير الكبير، فخرالدين بن عمر الرازي (المتوفى: 606هـ)، دار الكتب العلمبة – طهران.

جمالية الانزياح في القرآن الكريم: عبد القادر بن زيان، رسالة الماجستير، جامعة أبي بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر، 2012م.

الدّرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.

درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز، محمد بن عبدالله الخطيب الإسكافي، تحقيق: خليل شيحا، دار المعرفة – بيروت (2003م).

روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني، أبو الفضل الآلوسي، تحقيق: محمد أحمد وعمر السلامي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1999م.

شذا العرف في فن الصرف، أحمد بن محمد الحملاوي، دار الكيان، الرياض، د.ط.

شرح التصريح على التوضيح: خالد بن عبد الله الازهري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2000م. 

شرح شافية ابن الحاجب، رضي الدين محمد بن الحسن الأسترابادي، تحقيق: محمد نور الحسن وآخرين، دار الكتب العلمية – بيروت (1975م).

شرح المفصل: يعيش بن علي ابن الصانع، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م.

شعرية الانزياح بين عبد القاهر الجرجاني وجان كوهن، سعاد بولحراش، رسالة ماجستير، جامعة الحاج لخضر باتنة، 202م.

علم الاشتقاق نظريا وتطبيقيا: محمد حسن جبل، دار الشروق، القاهرة، 1998م.

القاموس المحيط، الفيروز أبادي، المطبعة المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1979م.

الكتاب، أبو بشر عمرو بن عثمان سيبويه، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى.

كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، دار الكتب الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2003م.

کشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: محمد بن علي التهاوي، تحقيق: علي دحروج، مكتبة لبنان، بيروت، 1996م.

الكشّاف عن حقائق وغوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، محمود بن عمر الزمخشري، رتبه وضبطه: محمد عبدالسلام شاهين، دار الكتب العلمية – بيروت (1995م).

كشف المعاني في المتشابه من المثاني، أبو عبدالله بدرالدين محمد بن إبراهيم بن سعدالله، تحقيق: د. عبد الجواد خلف، دار الوفاء – باكستان (1990م).

لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور (المتوفى: 711هـ)، دار صادر – بيروت.

المبنى والمعنى في الآيات المتشابهات في القرآن الكريم: د.عبد المجيد ياسين المجيد، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، 2005م.

مختار الصحاح، محمد بن أبو بكر بن عبدالقادر الرازي (المتوفى: 666هـ)، دار الرسالة – كويت.

المزهر في علوم اللغة وأنواعها، جلال الدين السيوطي، المحقق: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1998م.

المصباح المنير: أحمد بن محمد الفيومي، المحقق: عبد العظيم الشناوي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية، 2016م.

المصطلحات اللسانية والبلاغية والأسلوبية والشعرية: محمجد بوطران الهادي وآخرون، دار الكتاب الحديث، بيروت، 2008م.

معاني النحو: د.فاضل صالح السامرائي، العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، الطبعة الثانية، 2003م.

معجم الكليات: أبو البقاء أيوب بن موسى الكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1988م.

معجم المصطلحات النحوية والصرفية: محمد سمير نجيب اللبدي، دار الفرقان.

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي، تحقيق: سعيد الفلاح، دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان (1983م).

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، عبد الله ابن هشام، علّق عليه: أبو عبد الله الجنوبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

[1]) ينظر: التصريح على التوضيح: 1/492، وشذا العرف: 81.

[2]) العين: 4/210.

[3]) ينظر: لسان العرب: مادة (زوح): 13/22.

[4]) ينظر: جمالية الانزياح في القرآن الكريم: 12.

[5]) الانزياح في منظور الدراسات الأسلوبية: 8.

[6]) المصطلحات اللسانية والبلاغية والأسلوبية والشعرية: 160.

[7]) الانزياح الشعري عند المتنبي: 40.

[8]) ينظر: الأسلوبية مفاهيمها وتجلياتها: 43.

[9]) شعرية الانزياح بين عبد القاهر الجرجاني وجان كوهن: ١٠١.

[10]) لسان العرب: مادة صوغ.

[11]) شرح شافية ابن الحاجب: 1/ 2.

[12]) معجم الكليات: الكفوي: 560.

[13]) کشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: التهاوي: 1/1102.

[14]) ينظر: معجم المصطلحات النحوية والصرفية: ۱۲۸.

[15]) أساس البلاغة: 1/516.

[16]) الصحاح: 343.

[17]) التعريفات: 27.

[18]) ينظر: المزهر: 1/275.

[19]) علم الاشتقاق نظريا وتطبيقيا: 10.

[20]) ينظر: التصريح على التوضيح: 1/492، وشذا العرف: 81.

[21]) همع الهوامع: 3/95.

[22]) شرح المفصل: 6/13.

[23]) المبنى والمعنى في الآيات المتشابهات: 285.

[24]) الشعراء: 23 – 35.

[25]) الأعراف: 104 – 111.

[26]) ينظر: الكشاف: 3/245.

[27]) ينظر: التعبير القرآني: 37.

[28]) ينظر: درة التنزيل وغرة التأويل: 157.

[29]) ينظر: درة التنزيل وغرة التأويل: 158، والبرهان في متشابه القرآن: 198

[30]) ينظر: ملاك التأويل: 2/254، وروح المعاني: 12/30.

[31]) الكشاف: 2/366.

[32]) نظم الدّرر: 9/259.

[33]) ينظر: معاني النحو: 4/683.

[34]) لسان العرب: 1/ 581 مادة: عجب.

[35]) ينظر: التفسير الكبير: 26/178.

[36]) شرح الشافية: 2/136.

[37]) ينظر: مغني اللبيب: 301.

[38]) ينظر: التعبير القرآني: 37.

[39]) ينظر: الكتاب: 4/69.

[40]) ينظر: لسان العرب، مادة (شبه): 17/398.

[41]) القاموس المحيط (مادة شبه): ٤/ ٢٨٦.

[42]) تاج العروس (مادة شبه): 9/ 393.

[43]) المصباح المنير: 304.

[44]) بلاغة الكلمة: 92.

[45]) ينظر: معاني النحو: 1/11.

[46]) ينظر: ملاك التأويل: 341.

[47]) الدرة: 69.

[48]) المبنى والمعنى في الآيات المتشابهات: 258.

[49]) بلاغة الكلمة: 37.

[50]) ينظر: بلاغة الكلمة: 88.

[51]) ينظر: بلاغة الكلمة: 89.

[52]) بلاغة الكلمة: 92.

[53]) ينظر: درة التنزيل وغرة التأويل: 84.

[54]) ينظر: ملاك التأويل: 1/402.

[55]) تفسير الرازي: 14/156.

[56]) ينظر: كشف المعاني: 179.

[57]) ينظر: التعبير القرآني: 25.

[58]) ينظر: التعبير القرآني: 26.

[59]) ينظر: الكشاف: 2/170.

[60]) التعبير القرآني: 39.

[61]) ينظر: معاني النحو: 1/388.