أستاذي الحنون (الشيخ نذر الحفيظ الندوي الأزهري) (١٩٣٩م – ٢٠٢١م)
البروفيسور محمد مظفر حسين الندوي التحقت بدار العلوم ندوة العلماء عام ١٩٨٤م و تتلمذت على علمائها و فضلائها ست سنين متتاليات على اختلاف مستواهم و فضائلهم و اذواقهم و شمائلهم و تفننهم في علومهم و فنونهم و سلوكهم مع الطلبة و مسالكهم و على راسهم العلامة أبو الحسن فنهلت من مناهلهم و منابعهم غير أني… View Article
البروفيسور محمد مظفر حسين الندوي
التحقت بدار العلوم ندوة العلماء عام ١٩٨٤م و تتلمذت على علمائها و فضلائها ست سنين متتاليات على اختلاف مستواهم و فضائلهم و اذواقهم و شمائلهم و تفننهم في علومهم و فنونهم و سلوكهم مع الطلبة و مسالكهم و على راسهم العلامة أبو الحسن فنهلت من مناهلهم و منابعهم غير أني عللت من فيوض أدبائها أكثر فأكثر و اندمجت مع أخيلتهم و انسجمت ببنات فكرهم فلا أنسى تلكم الدروس ألقاها علينا هؤلاء العمالقة التي خدت قلوبنا و أمست جزءا من حياتي و لن أنسى عطفهم و رأفتهم بنا و إرشادهم إيانا فكم من ذكريات تعلقت بعقولنا و قلوبنا و كم من تذكارات تزيل عنا تعب الحياة و عناء الشدائد و تمسي مصابيح منيرة في ظلام الليالي الحالكة الكالحة و تهدي إلى عقل سليم و فكر مستقيم و اعتدال محمود و ترفع إلى جو تنسي الجدال و الخصام في جزئيات لا يتبنى عليها صرح الإسلام العظيم بل يحدث فجوات بين المسالك و المذاهب و تمزق شمل الأمة و تشتت جمعها و وحدتها.و قد نسيت الأمة أن الافتراق و عدم اعتصامها بحبل الإسلام المتين قد أضرتها في الماضي ابتداء من خلافة علي رضي الله عنه إلى يومنا هذا و هي في اختبار شديد و انحطاط عنيف و لن تنجح حتي ترجع إلى الأصول و الأسس.
كان منهج ندوة العلماء يقوم على دعائم متينة رصينة رحبة يجمع شمل الأمة و يدعو إلى الاعتصام و الربط متجنبا عن الجدال في الفروع والجزئيات مركزا على الجذور و الأسس فكان أعضاؤها المستشارون من الفرق المذهبية كلها يدلون بآرائهم و يضيؤون المشاكل من الجوانب كلها.رأيت بعيني رأسي العلامة الندوي يسرع إلى صلاة جنازة على ميت لقريب من أقرباء طالب مليزي صليت في مسجد ندوة العلماء ، رأيته ندي اللسان ،رطيب الفم بذكر العلماء من شتى الفرق ،لم أر و لم اشاهد الجدال و النزاع في هذه الدار في القضايا التافهة و المسائل الفقهية الجزئية الفروعية إلا أني أبصرت بأم عينيي الطلبة من مختلف المدارس الفكرية من أنحاء العالم يوحدهم كلمة التوحيد و العكوف على الدراسة و الانغماس في المذاكرات.
لا غرو أن مثل هذه الجواء ليخلق قرية يتفوح منها أريج التضامن و الوئام و يحدث أريحية في القلوب و ينبت الائتلاف و المحبة.

فكان أستاذي زهرة طرية غضة من هذه الحديقة الوارفة الظلال و نمطا من انماط من هذا الأجواء.و” خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي و يرجع اليهم الغالي” محبوبا إلى الأكابر و الأصاغر ،سمتا يهتدي به الطلبة على اختلاف أماكنهم و بلدانهم و ألوانهم و أذواقهم و مستوياتهم ، و منارة يستضيء بها السراة و علم طريق يسترشد به الركبان. و كيف لا فقد اترع فؤاده الغض بحب الإسلام و المسلمين و شغف بالشرع حبا على السماع و قد ظل يعيش في كنف العلامة الندوي و رعايته و نهل مدة غير قليلة من صحبته و هديه ما زكى به نفسه و وعى من حديثه ما ملأ صدره و ذاق من نبيل شمائله و جليل خصاله ما يغتبطه عليه زملاؤه فضلا عن غيرهم لأنه لازمه ملازمة الظل إلى ان لحق بالرفيق الاعلى.
تتلمذت على الفقيد أربع سنين دأبا فما ألذ كان خطابه لي إذا ناداني…مظفر.. أسمع منه هذا النداء في الحلم و اليقظة حتى هذه الآونة و أتيقن سماعه إلى ان أصير حيث صار إليه.تعلمت منه الأدب العربي ما جعلني متحمسا للدين متشجعا له و قويا على تلقي المعضلات و الشدائد بوجه طليق و صدع الحق من غير ان أخاف لومة لائم او لائمة.
لم أره قط يغضب على أحد من طلبته لأنه كان وقورا حليما جادا فكان يعلم أكثر مما كان يتفوه لعل كلامه لم يكن يساعده او كانت الافكار تتجمع في خلده اكثر فتتخاصم في الخروج فما كان سبب عدم تعين ليلة القدر إلا النزاع .كان قليل الكلام كثير التعمق في الأمور، لم يكن يتكلم إلا إذا دعته إليه حاجة فإذا تكلم أوجز ،لم اره يتقهقه مهما كانت الطرفة مضحكة مغرية على ضحك و الطرب،يعمل عمله بتأن و هدوء لا يتعجل فيه ، و لا يعمل عملا لا يعرفه و لا يتعالم و لا يتفاقه فكان هذا سر نجاحه۔
تتلمذت عليه عدة سنين فكان يدرسنا “التصوير الفني في القرآن” للسيد قطب رحمه الله فما كان أحسن تدريسه و تعليمه لا مرية أنه كان يتلعثم في الكلام و لكنه كان يتمه و يفهم الدرس حق الفهم و يكرر حتى نفهم فحواه و معناه و إذا وجه إليه سؤال لم يعبس و لم يتعجد فكان يجيب بوجه طلق و سرور.
و ارى نفسي محظوظا سعيدا إذ تعلمت منه التعبير و الإنشاء في ناحية مسجد ندوة العلماء الفسيح الجنوبية قريبا من المتوضأ و ذلك بعد عصر كل يوم و لم يشاركني فيه أحد كان رحمه الله يحدد لي ترجمة عبارة من أي كتاب شاء إلى العربية و بالعكس و يقوم بتصحيحها من غد فلا أنسى ذلك الحب و الحنان و الشفقة علي طوال حياتي.
رحمه الله تعالى فقد كان نسيج وحده في التواضع و الحنان كما كان أديبا بارعا و مصنفا قديرا متقنا اللغة العربية و ابن بجدتها و لعله لم يبلغ شأوه من العلماء المعاصرين في معرفة خفايا أصحاب وسائل الإعلام و صنعهم في العالم لا سيما في العالم الإسلامي و قد صنف بهذا الصدد كتابا مهما فذاع صيته و انتشر كانتشار النار في الغابات.
