Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 13, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

الشعر: أغراضه وتأثيره

  راشد عالم باحث الدكتوراه بالجامعة الملية الإسلامية نيو دلهي بالهند   Abstract: Poetry is a form of literary expression that uses aesthetic and rhythmic qualities of language to evoke emotions, provoke thought, or convey ideas. It often employs various techniques such as rhyme, meter, metaphor, and symbolism to create vivid imagery and evoke emotions… View Article

الشعر: أغراضه وتأثيره

 

راشد عالم

باحث الدكتوراه بالجامعة الملية الإسلامية

نيو دلهي بالهند

 

Abstract: Poetry is a form of literary expression that uses aesthetic and rhythmic qualities of language to evoke emotions, provoke thought, or convey ideas. It often employs various techniques such as rhyme, meter, metaphor, and symbolism to create vivid imagery and evoke emotions in the reader or listener. Its purpose varies widely, but it often serves to express feelings, capture moments, explore themes, or challenge perceptions. The effects of poetry can be profound, ranging from inspiring empathy and connection to sparking introspection and contemplation. Additionally, poetry can serve as a medium for cultural preservation, political commentary, and personal expression. poetry has played a significant role in societies throughout history and continues to do so today. Poetry has been used to convey cultural values, transmit knowledge, document historical events, express political dissent, celebrate heroes and leaders, and explore the human experience. It serves as a medium for communication, connection, and reflection within communities and across generations. From ancient epic poems to contemporary spoken word performances, poetry remains a vital part of human expression and cultural heritage. 

المقدمة : الشعر هو شكل من أشكال التعبير الأدبي الذي يستخدم الجمالية والإيقاع في لغة لإثارة المشاعر وتحفيز التفكير أو نقل الأفكار. غالبًا ما يستخدم الشعر تقنيات مختلفة مثل القافية والوزن والاستعارة والرمزية لخلق صور حية وإثارة المشاعر لدى القارئ أو السامع. تتنوع أغراضه بشكل واسع، ولكنها غالبًا ما تهدف إلى التعبير عن المشاعر، وتسجيل اللحظات، واستكشاف المواضيع، أو تحدي الإدراكات. يمكن أن تكون تأثيرات الشعر عميقة، تتراوح بين إلهام العطف والاتصال إلى إثارة التأمل والتفكير الداخلي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون الشعر وسيلة للحفاظ على الثقافة، والتعليق السياسي، والتعبير الشخصي. لقد لعب الشعر دورًا هامًا في المجتمعات على مر التاريخ ويستمر في القيام بذلك حتى اليوم. تم استخدام الشعر لنقل القيم الثقافية، ونقل المعرفة، ووثائق الأحداث التاريخية، والتعبير عن الاعتراض السياسي، والاحتفاء بالأبطال والزعماء، واستكشاف تجربة الإنسان. إنه يعتبر وسيلة للتواصل والاتصال والتأمل داخل المجتمعات وعبر الأجيال. من القصائد الأسطورية القديمة إلى العروض الشعرية المعاصرة، يظل الشعر جزءًا حيويًا من التعبير الإنساني والتراث الثقافي.

المدخل:

تعريف الشعر: إن تحديد الشعر تحديدا وافيا أمر يتطلب البحث والتحقيق والرجوع إلى أقوال النقـاد المتقدمين والمتأخرين، فلنقف قليلا لكي نطلع على الآراء والأقوال في تعريف الشعر:

قال بعض العرب “إن الشعر هو الكلام الموزون والمقفى”([1])، وكما قال بعض الإفرنج: “أي كلام موزون يسمى شعرا سواء كان جيدا أو رديئا ” ([2])، وقال أبو الهلال العسكري: “الشعر كلام منسوج ولفظ منظوم وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسـن لفظـه ولـم يهجن، ولـم يستعمل فيه الغليظ من الكلام فيكون جلفا بغيضا ولا السوقي من الألفاظ فيكون مهلهـلا دونا “([3] وقال ابن خلدون: “الشعر هو الكلام المبنى على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منهما في غرضه ومقصده عما قبله وبعـده، الـجـاري عـل أساليب العرب المخصوصة”([4]).

وقد ذكـر صـاحب الأغاني عـن الشـعر قائلا: “الشعر كـلام وأجـوده أشـعره “([5]). وقال الجاحظ: “الشعر شيء تجيـش بـه صدورنا فنقذفه على ألسنتنا “([6])، وقـال رسـكن: “إنـه إبراز العواطف النبيلة بطريق الخيال “([7])، وقال وردزورث:”الشعر هو الحـق ينقله الشعور حيا إلى القلب”([8])، وقد أخذ طه حسين القول في الشعر “…هو الكلام المنظوم الذي يعتمد صاحبه على الخيال ويقصد فيه إلى الجمال الفني “([9])، وقال أحمد حسن زيات: “الشعر هو الكلام الموزون المقفى المعبر عن الأخيلة البديعة والصور المؤثرة البليغـة “([10])، وقال جبور عبد النـور: “الشعر فن يعتمد الصورة والصوت والجرس والإيقاع ليوحي بإحساسات وخواطر”([11]وقال جرجـي زيـدان “الشعر من الفنون الجميلة يسميها العـرب الآداب الرفيعـة، وهـي الرسـم والموسيقى والشعر، ومرجعها إلى تصوير جمال الطبيعة، وكل منها يعبر بطريقته الخاصة عن تجربة نفسية، فالرسم يعبر بالألوان والظلال، والموسيقى تعبر بالإيقاع والأنغام ([12])، وقال حسن جـاد حسن: والشعر يعبر بالألفاظ والكلمات ويصور الطبيعة بالخيال فهو لغة النفس أو هو صور ظاهرة لحقائق غير ظاهرة”([13]).

فإذا لاحظنا إلى هذه الأقوال التي ذكرناها آنفا وصلنا إلى نتيجة كاملة بأن هناك ثلاثة أقوال من حيث المجموع.

  • الشعر هو الكلام الموزون والمقفى فحسب، كمـا ذهب إليه بعض العرب والإفرنج وأبو الهلال العسكري وابن خلدون.
  • الشعر هو نقل الشعور والعواطف بطريق الخيال، كما ذهب إليه صاحب الأغاني والجاحظ ورسكن وردزورث.
  • الشعر هو الوزن والقافية مع العناية بالشعور والوجدان، كما ذهب إليه الدكتور طه حسين وأحمد حسن زيّات وجبور عبد النور وجرجي زيدان وحسن جاد حسن.

فالوزن والقافية فحسب ليس شعرا كما زعم الطبقة الأولى بل إنهما يجملان الشعر ويزيدان الرونق والبهاء، كما يقول جرجي زيدان: “…فالوزن يزيد الشعر طلاوة من قبيل التوقيع الموسيقى في الألفاظ والحركات لا من قبيل المعنى”([14]ويؤيد مولانا ألطاف حسـين حـالي هذا الرأي بقوله “الوزن للشعر مثل الألفاظ للغناء فكما أن نفس الغناء لا يحتاج إلى الألفاظ كذلك الشعر لا يحتاج إلى الوزن…ولكن هذا أمر لا شك فيه بأن الوزن يزين الشعر ويضعّف التأثير”([15]). فعلى سبيل المثال إذا قرأنا لبعضهم نثرا يصف به ذهولـه فـي الحـب فيقول: إن حبيبتي درة رونقاً وبهاءً، يخرجه البحر إلى ساحله. فهذا معنـى شـعري ترتاح إليه النفس كمـا زعـمت الطبقة الثانية. ولكـن ارتياحها يكون أكثر إذا نظم ذلك المعنى شعراً كقول أبي العتاهية في حبيبته عتبة:

كأنها من حسنها درة      أخرجها اليم إلى ساحل

وهذا هو تعريف الشعر في الحقيقة كما تزعم الطبقة الثالثة.

فملخص القول هو أن الجمال الفني والخيال والعاطفة والجـرس والإيقاع والـوزن والقافيـة عناصر تكوّن الشعر، أو يمكنني أن أقول بأن القيمة الشعورية (الفكرة والعاطفة) والقيمـة التعبيرية (الخيال والأسلوب) هما عنصران يكتمـل بهما الشعر: “فالأمر الذي يميز الشاعر عن غيره هو الفكرة فإذا كانت الفكرة قوية يكون إيقاع الشعر أكثر، أما إذا كانت الفكرة ضئيلة لا يكون له الإيقاع المرجو، فإذا كان المرء يمتاز بالمعرفة الكاملة بالنفس البشرية وهـو يمتلك ناصعة الأدب واللغة، ولكنه بعيد عن القوة المتخيلة، فلا يكون شاعرا أبدا”([16]).

فالشاعر العظيم يقول شعرا حينما تستولي عليه فكرة ثم يتأثر بتلك الفكرة بشعور صادق ثم يؤدي الفكرة التي انفعل بها الشاعر في صورة مثيرة تلعب بالعواطف وتأخذ بالمشاعر وتستحوذ على النفوس مع العناية الكاملة بالأسلوب ونظم الكلام وحسن اختيار الألفاظ وتأليفها، وبهذه الطريقة يظهر نموذج شعري جيّد.

بين الشعر والنظم:

يتضح الأمر أمامنا بأن الشعر هو الذي يتكون من الوزن والقافية مـع أنـه كـان لـه اتصـال بالشعور والوجدان، كما ذكر محمد يوسف مقلد ” فالشرطان اللذان يجب توافرهمـا فـي الشـعر حميم هما الوزن والقافية والاتصال بالشعور “([17])، فإذا وجدت نوعا من الأدب يجمعهما كـان شعرا، وإذا وجد الشرط الأول دون الثاني فنظم لا شعر وإذا وجـد الثاني دون الأول فنثر شعري وهـو الـذي يكاد يصبح شعرا لو لا أنه فقد الوزن، وهذان الشرطان يخرجان أنواعا كبيرة مما اعتـاد النـاس أن يسموه شعرا وليس بشعر، كألفية ابن مالك والمتون المنظومة. ويؤيد جرجي زيدان بقولـه: “…ولكن علماء العروض من العرب يريدون الشعر الكلام المقفـى المـوزون فينحصرون حـدوده بالألفاظ وهو تعريف للنظم لا للشعر وبينهما فرق كبير إذ قد يكون الرجل شاعرا ولا يحسن النظـم وقد يكون ناظما وليس في نظمه شعر”([18]).

فيستنتج من هذا الأمر بأن الكلام إذا كان موزونا ومقفـى فحسب فهـو نظـم ولا يتناول إلا الشكل أو الهيئة الخارجية للشعر التي تزيده رونقا وبهاء، وإلى ذلك أشار ابن خلدون: “إنه لا يصلح إلا عند العروضيين ولا عند البلاغيين”([19]).

فالناظم لا يهتم في نظمه بالشعور والعاطفة بل يريـد بـه تقديـم مـوضـوع علمـي فـي النحـو والطـب والفلـك وتسهيل قواعد اللغـة مـع العناية بالقافيـة والـوزن فحسب، فتعريـف أبـي الـهـلال العسكري وابن خلدون يدخل من باب النظم لا من باب الشعر.

أغراض الشعر وتأثيره:

هذا أمر واضح بأن الشعر مصدره الغناء كما في الموسيقى، والإنسان إنمـا يشعر بنفسـه قبل أن يشعر بغيره، ويتغنى بعواطفه قبل أن يتغنى بعواطف سواه، والشعر غرضه التأثير ولذلك كثيرا من الأشعار لا نسميها شعرا ما لم يحرك شعورنا ويولد فينا كثيرا من الانفعـال كـالذي تولده الأغاني، ولكن هذا أمر يتطلب البحث والتحقيق بأن ما هو سبب تأثيره؟

فقد ذكر أرسطو في كتابه: “الشعر” عن سببه يمكن ذكره بالإيجاز: “إن النقل والمحاكاة مادة فطرية في الإنسان ولا يوجد هذا الجوهـر في الحيوانات إلا قليلا، فمثلا يحاكي الببغاء الصوت والقرد يحاكي النقل والحركة ولكن الإنسـان يستطيع أن يحاكي الآخرين بصوته وحركتـه ونقله، وهذه المحاكاة تؤديـه الفرح والسرور، لأن هذا من الطبيعي أن الإنسان يفرح بصـورة حيوان يرسمها الرسّام ولو كان قبيحا، والشعر أيضا من المحاكاة والنقل فإنه يؤثر القلـب ويخلـب اللـب ويترك أثراً عميقاً أو هو كالموسيقى فتأثيره أعمق”([20]).

فتأثير الشعر لا ينحصر في قول أرسطو فقط بل هناك عوامل أخرى تدل على تأثيره ووقعه في النفس، والحقيقة هي أن روح المجتمع الإنساني لا تنبض ولا تتدفق على أساس الفلسفة والعلوم بل هي تتحرك بالشعور والوجدان والعواطف الصادقة، فحـب الأطفال وأمومة الأمهات وشعلة الحب وألم الموت وفرح الولادة هذه كلها لا تحسها العلوم والفلسفة، ولو فقدت الإنسانية هذا الشعور لانعدم رونق الحياة وأصبحت الحياة مقفرة لا متعة فيها ولا انشغال، فهذه الزخرفة والزينة والرونق والبهاء والفرح والسرور والحزن والألم والمـوت والحياة والحب والبغض والصداقة والعداوة كلها تبقى بفضل الشعور والوجدان.

والشعر له علاقة وطيدة مع الشعور ولذلك التأثير من أهم أغراضه، فالشعر يثير العواطف بطريقة مختلفة، فتأثير الحزن والألم والحب والبغض يوجد في الشعر، وإذا كـان هـواء النسيم، وخرير المياه، وحمرة الورود، ولطافة الأزهار، ورائحة العطور، وغزارة السحاب، ولمـع الرعـود أمام العيون فيملأ القلب فرحا وسرورا. والشعر يقدم كل هذه المناظر بطريقة كأنها هي الحقيقة أمام العيون أو أحسن من الحقيقة.

فغرض الشعر كذلك إثارة المشاعر والانفعالات لأن فيه موسيقى خارجيـة وهـي موسيقى الأوزان العروضية التي تؤثر في نفوسنا بإيقاعها المنتظـم ونبراتها المتسقة، ولذلك كان المعنى الواحد إذا قيل شعراً ومرة نثراً كان في الشعر اكبر أثر لقوالبه وأوزانه وكذلك فيه موسيقى داخلية وهي تكمن في الألفاظ وائتلافها وتوالي الحروف ومخارجها، فإذا كانت هذه الموسيقى الشعرية توجد في أي كلام فإنها تهز أوتار القلوب.

وكذلك من غرضه هو نقل إحساس الشاعر إلى نفوس الآخرين بمثل ما انفعل به، بعد أن يصور أحاسيسه ومشاعره عن طريق تمثيل الصورة للحقيقـة لأن هذه المقدرة توجـد عنـد الشـاعر بغاية من الكمال والإتقان، على سبيل المثال قدم البحتري منظـر الربيع البهيج أمامنا، فهـو يـحـس بجمال الربيع الذي يفيض بالبهجة ويموج بالنشوة ويتفتح بالحياة ويطلـق طاقة حيوية فائضـة فـي الطبيعة كما يطلق الضحك الطاقة الفائقة في الإنسان، فانه يصور منظـر جمال الطبيعة والانفعـال بها بطريقة موحية فيقدم صورة الربيع وهو يختال مـن الحسن ويضحـك مـن النشـوة ويكـاد ينطـق لفرط حيويته وتفتحه، فيقول البحتري:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا     من الحسن حتى كاد أن يتكلما

فان جو الربيع هنا كله جو يقظة وتفتح وتعبير عن مكنـون، والصـور كلـهـا صـور مشرقة جميلة حية عن الربيع، فهو يتقدم إحساسا صادقا للربيع ويقدم صورة حية له كما يشاهده.

ومنه أن الشعر طب العواطف مباشرة وذلك لما عند الشاعر من قوة إلهام لا تكتسب بتعلم، وللشاعر نوع غامض من لطف النظر أو الإلهام أو اللقانة، ولهذا كان اليونان يسمون الشاعر خالقا وكان للعبريين كلمة واحدة تدل على الشاعر والنبي معا، ولعل هذا هو الذي جعل العرب يعتمدون أن لكل شاعر شيطانا ينفث فيه الشعر، ولنعم ما قال الشاعر الأردي أثر أنصاري في الباب:

يون خد وخال نکھارے ہے مصور کا قلم

بول اٹھے تری تصویر تو جادو کھلائے

“ريشة المصور قامت بتجلية الملامح، كأنها تنطق وتثير السحر”

ومنه هو أن الشعر نقد الحياة وروح المعرفة وحياتها كما قال وردزورث، وللشاعر نظـر باطن للحياة ويفكر بعقله الحصيف وينظر بعينه العميق ويخوض البحر ويخرج منها اللآلي والدرر الثمينة، وإنه يبحث عن الحقيقة ويبلغ إلى كنه الأشياء وأسرارها فإنه لا ينظر إلى سطح البحر بل يبصر الأمواج التي تهيج تحت مياه البحر ويفشي أسرار الطبيعة بكل البراعة والإتقان ويفك عقدة الحياة البشرية بدون مشكلة، وخير دليل على أن الشعر معنى الحياة وأن شعر كل عصـر مـرآة له، قديما قالوا : “الشعر ديوان العرب” والحق أنه ديوان تسجل فيها حياتها أي أفكارها ومشاعرها، فالشاعر يعطيك صورة روحانية أكثر مما يعطيك التاريخ.

 وبكلمة أخرى ما وصف الشاعر الأردي الشهير فيض أحمد فيض: “وليس من فن الشـاعر أن يرى في القطرة سعة دجلة فحسب بل عليه أن يُبصر فيها هذا اللون”([21]).

وللتأثير يجب أن يكون في الشعر الواقعية أو المبالغة المشروطة بقيد، أما المبالغة المحضة فهي لا تفيد الشعر أبدا، فهناك فريقان في هذا المجال، فريق يقـول: الواقعيـة شـرط لازم للشعر والفريق الثاني يقول: المبالغة جزء أساسي للشعر، فالذين يؤيدون الفريق الثاني فهـم يقولون: إن الكذب والمبالغة من محاسن الشعر ولذلك لما سأل الناس النابغة “مـن هـو أشـعر النـاس” فأجـاب النابغة “من استجيد كذبه” ولكن الشاعر العربي الكبير زهير بن سلمي يؤيد الفريق الأول بشعره:

وإن أشعر بيت أنت قائله

بيت يقال إذا أنشدته صدقا

ولنعم ما قال مرزا أسد الله خان غالب في هذا الباب:

دیکھنا  تقریر  کی   لذت  کہ  جو اس   نے  کہا

میں نے یہ جانا کہ گویا یہ بھی میرے دل مين ہے

“إن لذة البيان حملت من التأثير كأنه يعكس ما في قلبي”

وكذلك المبالغة المشروطة بقيد فهي لم تبق مبالغة بل هي تؤثر القلب. مثل قول البحتري:

فلو أن مشتاقا يكلف فوق ما

في وسعه لمشى إليك المنبر

فانه استخدم فـي شـعره كلمـة “لو” ويقيـد مشية المنبر بهذا القيد، وكذلك تكون المبالغة مستحسنة ومقبولة إذا كانت تعتمد على الأخيلة الرائعة مثلا قول المتنبي:

وزائـرتي كان بهـا حيـاء

بذلت لها المطارف والحشايا

يضيق الجلد عن نفسي وعنها

كأن الصبح يطردها فتـجري

أراقب وقتها من غيـر شوق

فلیس تزور إلا في الظلام

فعافتها وباتت في عظامي

فـتـوسـعه بأنواع السـقـام

مدامعـها بأربعة سجـام

مراقبة المشـوق المستهام

فالمتنبي لا يرى الحمى الراجعة كما يراها الأطباء أثرا للجراثيم التي تدخل الجسم فترفع حرارته وتسبب رعدة وقشعريرة، حتى إذا فرغت نوبتها تصبب الجسم عرقا. ولكنه يبالغ في بيان المرض ويذكره في خيال بديع رائع، فهذا الخيال يخفف المبالغة.

ولكن إذا كان الشعر لترويح النفس فحسب فالمبالغة تفيـد إلى حد ما، ولكن الشعر الذي يغير مجرى الحياة الإنسانية ويحدث انقلابات تاريخية وسياسية ويشعل نيران الحرب ويضعضع بنيان البلاد ويرق الحجر ويبكيه ويضرم النار في البحر، كان مبنيا على الواقعية والحقائق الثابتة، فشعر سولن أحدث انقلابا في اليونان وشعر بائرن حث أهل فرنسا وروسيا وإنجلترا على الغيرة ضد الأتراك، وكذلك شعر الأعشى وشعر كبشة بنت معدي في الجاهلية الذي كثرت الحكايات فيـه، وكذلك نجد هذا التأثير في أشعار الشاعر الإيراني “رودكي” وغيرهم كثيرون.

فالحقيقة هي أن الواقعية شرط أساسي للشعر، لذلك عصر الجاهليـة كـان عصـرا بـارزا للشعر لأنهم كانوا يذكرون في أشعارهم كل ما يمارسون في حياتهم، فالشاعر الجاهلي يبين المسابقة والمساواة مع الأعداء في الحرب فيقول:

فآبوا بالرماح مكسرات

وأبنا بالسيوف قد انحنينا

كذلك قال عمرو بن كلثوم في نفس المعنى:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

يقول حسان بن ثابت الأنصاري:

فنهجو بالقوافي من هجانا

ونضرب حين تختلط الدماء

وكذلك الشاعر الجاهلي لا يمدح إلا بما يجد في الممدوح، فلما قال نعمان بن من منذر ملك حيرة للشاعر عمرو بن طفيل الدوسي: ” قل شيئا في شأني ” فلمـا لـم يجـد الشـاعر أي شيء قابل للمدح فقال مباشرا: “افعل حتى أقول “.

فالمبالغة التي يأتيها الشعراء في ضمن الخيال الرائع والأسلوب البليغ فهي تؤثر القلـب وتخلب اللب وتترك أثرا عميقا في النفس، ولكن المبالغة المحضة التي لا يراد بها إلا ترويح النفس فهي كسراب بقعيه يحسبها الظمآن ماء.

المراجع والمصادر

 

  1. تارخ آداب اللغة العربية، جرجي زيدان (الجزء الثاني) بيروت (دار مكتبة الحياة)
  2. الشعر والشعراء في العصر العباسي، الدكتور مصطفى الشكعة (دار العلم للملانين)
  3. أمراء الشعر العربي في العصر العباسي، أنيس المقدسي (دار العلم للملائين) ۱۹۷۸م
  4. الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دكتور شوقي ضيف دارالمعارف ١٩٦٨م
  5. فصول في الأدب والنقد، دكتور طه حسين مصر (دار المعارف) ١٩٦٩
  6. تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن زيات الطبعة الرابعة والعشرون.
  7. فصول في الشعر ونقده، الدكتور شوقي ضيف دار المعارف بمصر، ١٩٧١
  8. مقدمه شعر وشاعري، مولانا الطاف حسین حالي مكتبة جامعة، دلهي
  9. آب حیات، محمد حسین آزاد لكناؤ اردو اکادمی ۱۹۸۲م
  10. انتخابات شبلي، سيد سليمان الندوي اعظم جره مطبعة، معارف ١٩٨٦ م
  11. شعر العجم، شبلي النعماني
  12. ادب کا مقصد، دکتور نور الحسن هاشمي

 

[1] شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون لمحمد يوسف مقلد ص ۱۹۳

[2] المصدر السابق ص ١٩٣

[3] كتاب الصناعتين للعسكري

[4] مقدمة ابن خلدون

[5] الأغاني ج/١٨

[6] البيان والتبيين ج/۳

[7] شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون لمحمد يوسف مقلد ص ١٩٤

[8] المصدر السابق

[9] في الأدب الجاهلي لطه حسين ص ۳۰۹

[10] تاريخ الأدب العربي للزيات ص ۲۸

[11] المعجم الأدبي للجبور عبد النور ص ١٤٩

[12] تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ص ٥٣

[13] ودراسات في النقد الأدبي لحسن جاد حسـن ص ٤

[14] تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج/۱ ص ٥٣

[15] مقدمـة شـعر وشاعري ، أ لطاف حسـين حـالي ص ٤٣

[16] مقدمـة شـعر وشاعري، أ لطاف حسـين حـالي ص ٤٣

[17] شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون لمحمد يوسـف مقلد ص ۱۹۳

[18] تاریخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج/۱ ص ٥٣، وأيضا “شعر غير شعر اور نظم” لشمس الرحمان الفار وقي

 

[19] تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج/۱ ص ٥٣

[20] د. شكري عزيز ماضي، في نظرية الأدب، ص (٢٩-٣٢)

[21] فيض أحمد فيض، نسخه هائي وفا(كليات فيض)، ص ١٠٣