دور السر سيد أحمد خان في تعزيز الفكر الإسلامي
بقلم: د. محمود حافظ عبد الرب مرزا قسم اللغة العربية، جامعة الله آباد بالهند Abstract:Sir Syed Ahmad Khan, may Allah have mercy on him, indeed laid the foundation stone of the Mohammedan Anglo-Oriental College (MAO), which was later converted into the Aligarh Muslim University (AMU) in 1920. He had a unique insight, therefore,… View Article
بقلم: د. محمود حافظ عبد الرب مرزا
قسم اللغة العربية، جامعة الله آباد بالهند
Abstract:Sir Syed Ahmad Khan, may Allah have mercy on him, indeed laid the foundation stone of the Mohammedan Anglo-Oriental College (MAO), which was later converted into the Aligarh Muslim University (AMU) in 1920. He had a unique insight, therefore, he felt what other who was really concerned about the plight of Muslims at that time, did not feel, especially after the first war of independenc in 1857. After taking stock of the situation, He came to realize that there is no use of expressing resistance against the British and it is inevitable to acquire knowledge and modern education to get prestigious jobs in the British government, hence, he sought to empower the people of the country in all aspects of life, so that they could strive to ensure a secure future of the coming generation.In this endeavour, he authored a number of books in various fields of life as well as wrote some valuable books on religious affairs. His most of the efforts aimed at increasing and raising the level of education, strengthening the principle of religious reform among Muslims and urging them not to be alienated and disgusted with the English language, rather to work for the sake of acquiring western science, knowledge modern education without taking too much care of the source of the knowledge, especially if it does not contradict the Islamic Sharia, then it is more appropriate to acquire and obtain it by various means, in compliance with the Prophetic hadith: “Wisdom is the lost property of the believer, so wherever he finds it, then he is the most worthy of it”. Indeed, he had a prominent role in perpetuating the principle of religious reform among Muslims in the Indian subcontinent.In this article I tried to shed some lights on his contribution to promote Islamic thoughts during that crucial period
المدخل: إنه ولأجل معرفة أفكار السر سيد أحمد خان الدينية والتربوية نذكر هنا ثلاثة نماذج من أقواله حتى يتضج لنا جلياً ما كان يصبوا إليه؛ حيث يقول:
- “لا يجب عليك إبراز ملامح صورة الإسلام للآخرين، بل عليك أن تعرض نفسك لهم بصفتك تعتنق الدين الإسلامي القويم المتمثل في التحلي بالأخلاق الحسنة والتسلح بالعلوم والمعرفة والتمسك بقيم التسامح والتقوى.”[1]
وقوله الذي أعاده مراراً وتكراراً حتى يوضح الصورة الحقيقية لحركته التعليمية التي كان يُركز عليها بغية تحسين أوضاع المسلمين في الهند:
- “علينا أن نضع الفلسفة في يدنا اليمنى والعلوم الطبيعية في اليد اليسرى، ونجعل كلمة “لا إله إلا الله” تاجاً يزين رؤوسنا.”[2]
وقوله في كتابه “تاريخ التمرد في محافظة بجنور”:
- “بارك الله لي إتمام هذا الجزء من التاريخ، وهداني لتقديم المعلومات الصحيحة لأن التحيز في التاريخ هو تقصير سيكون له أثر دائم، ويكون المؤرخ مسؤولاً عن جميع هذه الآثار السلبية حتى آخر يوم في الدنيا.”[3]
لقد تزامنت حياة السر سيد أحمد خان مع بدء العديد من الاضطرابات والتقلبات السياسية، فضلاً عن بزوغ بعض الحركات الإصلاحية الدينية في الهند؛ إذ شاهد بأم عينيه، سقوط الإمبراطورية المغولية، مما أدّى إلى اضمحلال البلاد وانهيار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والفكرية لدى المسلمين بالذات. وبينما تبنت الحكومة البريطانية نهجاً محايداً فيما يخص الشؤون الدينية، إلا أنها ظلّت تتعاطف مع النشاط التبشيري المسيحي المعادي للإسلام، وساهمت مساهمة فعالة في تنشيط حركة التنصير في الهند، وحثت على تعلم اللغة الإنجليزية واكتساب العلوم الغربية التي سرعان ما بدأ يحل محل نظام التعليم الإسلامي التقليدي، مما أدّى إلى التغاضي عن الدراسات العربية والإسلامية حتى وصلت مراكز التعليم الإسلامية في شبه القارة الهندية إلى حافة الانهيار.
ومن هذا المنطلق، أصبح الإسلام في الهند محفوفاً بثلاثة مخاطر رئيسة:- أولاً: حركة التبشير المسيحية التي كانت تعتمد على استراتيجية خاصة بغية طمس وتشويه صورة الإسلام الناصعة تحت رعاية الحكام البريطانيين. ثانياً: الوضع السياسي المتدهور للمسلمين لأن البريطانيين قد احتلوا الهند ونزعوها من يد الحكام المسلمين، وكان المسلمون قد شاركوا في ثورة عام 1857م بكل قوة وكانوا حجر عثرة أمامهم، مما أدّى إلى اعتبار البريطانيين بأن الإسلام هو منبع التمرد والعصيان، وأن المسلمين سيواصلون مقاومتهم للحكومة البريطانية ما زالوا معتنقين للدين الإسلامي الحنيف. ثالثاً: عدم مبالاة المسلمين بالعلوم الغربية الحديثة والتي كانت تشهد توسعاً مطرداً.[4]

لقد نشبت في عام 1857مثورة عارمة عرفت بحركة تحرير الهند الأولى، ولكنها – لسوء الحظ- باءت بالفشل مما أدّى إلى وقوع كارثة كبيرة على المجتمع الإسلامي، فأصبحت الحكومة البريطانية تسعى إلى صبّ جام غضبها على المسلمين الذين كانوا قد أصبحو لقمة سائغة سهلة للبريطانيين. وبما أن المسلمين كانوا هم الحكام السابقين للبلاد، فقد اتهموا بكونهم المتآمرين الرئيسيين الذين اضطلعوا بدور بارز في إشعال نار الثورة ضد الاستعمار البريطاني، وعليه تحمل المسلمون النصيب الأكبر من وطأة فشل هذه الثورة، مما أدّى إلى انعكاس ذلك سلبياً على المجتمع الإسلامي الهندي في شتى النواحي التربوية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولا عجب في أن العلماء قد أصبحوا مستهدفين بالقمع والاضطهاد البريطاني. وأصبحت كلمة”المولوي” أو “الشيخ” مرادفة لكلمة “المتمرد”، فتم قتل ما لا يقل عن مائتي ألف شخص خلال الانتفاضة، وإعدام حوالي 500 عالم في مدينة دلهي لوحدها، في حين لم يدخر المستعمرون أي جهد لنهب وطمس الحضارة والثقافة الإسلامية. فوقعت هذه الكارثة على السر سيد أحمد خان، وتأثر من جرّاء نتائج هذه الأحداث الوخيمة. فأخذ على عاتقه مهمة إعادة صياغة نمط الفكر للمسلمين بهدف تمكينهم من مواجهة تحديات العصر بطريقة فعّالة. وأدرك بفضل بصيرته الفذة أنه من الصعب القضاء على الحكم البريطاني من خلال إشعال لهيب الثورات، ورأى أنه من الضروري تهدئة الغضب البريطاني وإزالة الشكوك، وأدرك بأن اكتساب العلوم والمعارف الحديثة عن طريق اللغة الإنجليزية هو الترياق الوحيد للمسلمين،[5] وأنه لا طائل من مقاومة الحكم الاستعماري في ظلّ الأوضاع الراهنة.
لقد كافح السر سيد أحمد خان لوحده بلا هوادة على جميع جبهات الخطر الثلاثة.[6] فبعد ثورة عام 1857م، قام بتأليف مؤلف بعنوان “أسباب التمرد الهندي”، والذي أشار فيه إلى أن هذه الثورة لم تنشب بسبب المجتمع الإسلامي، ولكن بسبب نقاط الضعف الكامنة في الحكومة البريطانية، وسوء إدارتها واستبداد حكامها، وهكذا قام بتبرئة المسلمين من التهم التي وجهت إليهم بكونهم هم الجناة الرئيسيون لاندلاع هذه الثورة. وبهذه الطريقة سعى أيضاً إلى تبديد الأسطورة المتمثلة في أن المسلمين يتآمرون ويخططون للتصعيد المستمر بغية شن حملة دعائية واسعة النطاق ضد معتقدي الديانات المختلفة. وبالتالي، تلقى هذا الكتاب ترحاباً واسعاً لدى الدوائر الحكومية.[7] كما ألف رحمه الله كتاباً آخر باسم ” المسلمون الهنود الموالون” وذلك بغية إزالة سوء الفهم الناجم عن الفروق الثقافية والدينية بين المسلمين والمسيحيين البريطانيين. وحاول إقناع المسلمين مراراً وتكراراً بأن معاندة البريطانيين لا طائل منها، وأنه يجب إجراء المصالحة معهم لأجل تحقيق أهدافهم في ظلّ هذا الاستعمار. واقترح أيضاً العمل لأجل اكتساب العلوم العصرية الحديثة عوضاً عن الخوض في الشؤون السياسية. ولأجل تحقيق أهداف واسعة النطاق، فضلاً عن خلق الوعي وتهيئة المزاج لدى أبناء البلاد، وخاصة المسلمين لاكتساب العلوم العصرية، قام بتأسيس جمعية علمية في غازي فور عام 1864م، والتي تم نقلها إلى مدينة علي غراه لاحقاً والتي أصبحت تعرف باسم جمعية علي غراه العلمية.[8]
وقام عقب ذلك، بتأسيس الكلية المحمدية الإنجليزية – الشرقية عام 1875م، وذلك على غرار جامعتي أوكسفورد وكامبرج؛ حيث كان يرغب في أن تكون هذه الكلية منفردة ومختلفة عن المؤسسات التعليمية الأخرى، فقام بما في وسعه لجعلها مقراً للأبحاث المجانية، والتسامح والأخلاق الحسنة، كما أسس المؤتمر المحمدي التعليمي عام 1866م الذي كان يعقد جلساته السنوية في مختلف المدن لتبادل الآراء ووجهات النظر حول العديد من القضايا الرئيسة وتعميم الأفكار الإصلاحية.
وأخيراً، ساهم السر سيد أحمد خان مساهمة بارزة في إعادة بناء الفكر الديني لدى المسلمين من خلال تقديم تفسير منطقي لمعتقدادتهم ومبادئهم، مما يمثل خروجاً عن الطريقة التقليدية للتفكير والاعتقاد. فلم يكن هناك أي مجال للأرثوذكسية، والتعصب والصلابة في نظام الفكر الديني. بل كرّس جُلّ حياته لأجل تعزيز النظرة العقلانية والقيم الليبرالية والتعايش السلمي.
برز السر سيد أحمد خان كمفكر إسلامي تقليدي في المراحل الأولى حياته، ولكن سرعان ما تبلورت أفكاره الدينية، فأصبح مفكراً عصرياً بارزاً ومفسراً للإسلام في مرحلة لاحقة؛ إذ كان لآراءه أثر بعيد المدى على الفكر الديني للمفكرين المسلمين في شبه القارة الهندية.
إن إيمان السر سيد أحمد خان بالقرآن الكريم والنبي ﷺ ثابت وغير متزعزع ولا نقاش فيه. فقد آمن بأن القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل، ومعجزة ليس فيما يتعلق ببلاغته الفذة وأسلوبه الأدبي الرصين فحسب بل في ضوء محتوياته التي لا يمكن دحضها أو إجراء أي تغيير عليها. وأوضح أيضاً بأن الطبيعة هي من أعمال الله سبحانه وتعالى التي خلق الكون عليها. وعلى هذا المنوال، كان يعتقد بأنه لا يمكن أن يكون هناك أي تناقض بين كلمات الله عز وجل وعمله الذي يتجسد في قوانين الطبيعة.
كما كرّس حياته للدين والتعليم والإصلاح الاجتماعي، ودعا إلى نظرية دينية جديدة جريئة، وقام بإعادة تفسير الإسلام للرد على التحديات الحديثة وقبول ما هو الأفضل في الأفكار الغربية. ورأى أن المسلمين بشكل عام ومسلمي الهند بشكل خاص قد تقبلوا عادات اجتماعية غريبة ورسوم غير إسلامية تحت وطأة التأثر بالقصص الكلاسيكية القديمة اليهودية، ومذاهب ومبادئ الكاثوليك الرومانيين، وعادات وممارسات الهنادكة، فضلاً عن المظاهر الأجنبية التي لا تمت إلا الإسلام بأية صلة، مما أدّى إلى ظهور بدع وسمات جديدة في سلوكهم.
ومن الأهمية بمكان أن آراء السر سيد أحمد خان الدينية قد تعرضت لانتقادات حادة. ومع ذلك، ظلّ يواكب مسيرته ويحثّ المسلمين على ترويج المعرفة العقلانية وضرورة التمعن والتدبر في كل شيء. ورغم أنه يمكن لنا أيضاً أن نبدي معارضتنا لبعض آراءه الدينية المثيرة للجدل، إلا أنه لا يسعنا أن ننظر إلى إخلاصه بعيون الريبة أو الشك، لأنه قد يصدر الخطأ من أي مجتهد في بعض اجتهاداته، ولكن يجب احترام إخلاص نيته ومساعيه الحميدة. فقد كانت مقالاته الدينية بمثابة دليل واضح على اجتهاده وأبحاثه في المجال الديني، فضلاً عن كونها تحمل رؤيا علمية بحتة.
ولا مراء في أن السر سيد أحمد خان كان مفكراً ثورياً سعى إلى إزالة كل ما ليس له صلة بالإسلام، مشيراً إلى أن آراء العلماء والمفكرين والمفسرين هي ليست إلا اجتهادات فردية خاصة بهم، وأن الإسلام ليس مسؤولاً عن ذلك. واقتصر على ما ورد في القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية الصحيحة، شريطة ألا تعارض هذه النصوص الحجج العقلانية. وبالتالي سار بذلك مسار أهل القرآن الكريم (القرآنيون).[9] وكان كاتباً غزير الإنتاج، فقد خطّ يراعه الذي لا يعرف الكلل والملل عدداً من المؤلفات حول العديد من المواضيع الدينية والإصلاحية والأدبية. فقد كانت مؤلفاته في بداية الأمر تقتصر على الشؤون التاريخية والأدبية، ولكنه سرعان ما بدأ يتطرق إلى القضايا الدينية أيضاً، حتى ذاع صيته وبدأ بعض الناس يتقبلون آرائه بكل ترحاب وتقدير، وآخرون يعتبرون جهوده بأنها عبث وافتراء، والله يعلم ما نسر وما نعلن وهو عليم بذات الصدور. وفيما يلي عرض موجز لأهم مؤلفاته في المجال الديني وهي كما يلي:
- جلاء القلوب بذكر المحبوب: أول مؤلف له في المجال الديني، والذي ظهر على مسرح الوجود عام 1842م. والهدف من تأليفه هو نشر تعاليم النبي ﷺ عن طريق رواية القصص والأحداث الحقيقية في حياته ﷺ. وفي هذا المؤلف تم تخصيص جزء خاص لمعجزات النبي ﷺ، مؤكداً بأن معجزاته كثيرة جداً لا تُعد ولا تُحصى. وتم تأليفه باللغة الأردية ما عدا قصيدة قصيرة باللغة الفارسية في بداية المؤلف وقصيدة باللغة العربية في نهاية المؤلف. واعترف المؤلف بأنه قد استفاد في أثناء إعداده لهذا المؤلف من مؤلف للشيخ شاه ولي الله الدهلوي ألا وهو “سرور المحزون”، و”مدارج النبوة” للشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي.[10]
- تبيين الكلام في تفسير التوراة والإنجيل على ملة الإسلام: إن هذا المؤلف ليس إلا عبارة عن محاولة جريئة لإجراء دراسة مقارنة للأديان في الهند أي دراسة الملل والنحل على اختلافها. ونظراً لإقباله على هذا العلم المقارن في القرن التاسع عشر الميلادي، فإنه رحمه الله هو أول من وضع حجر أساس علم مقارنة الأديان باللغة الأردية.[11] وتم تأليف هذا المؤلف في مجلدين. طبع المجلد الأول عام 1862م،[12] والمجلد الثاني عام 1865م.[13] ويبدو من خلال دراسته أن السر سيد أحمد خان كان يهدف من خلال إعداده لهذا المؤلف إلى نشر الإسلام لدى البريطانيين، وإطلاع مسلمي الهند بالقيم المشتركة لدى الإسلام والمسيحية، وتحصين الأمة الإسلامية من الأفكار الهدامة.[14] وبحث خلاله الحقيقة الكامنة بأن الرسل قد بعثوا إلى جميع أنحاء العالم لإنقاذ البشرية ونشر الدين الإسلامي الحنيف في فترات مختلفة. وبناءً على مراجع قرآنية، أوضح بأن كل قوم في جميع أنحاء العالم قد نزل فيهم الأنبياء والرسل بدين واحد. وطرح فيه وجهة نظره المتمثلة في أن الإسلام ليس ديناً جديداً، بل هو استمرار لليهودية والمسيحية. وقدّم لذلك أدلة من البايبل والقرآن الكريم. واستشهد بالآية الآتية، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ * كَبُرَ عَلَى الُمشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ * اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾[15].
- الخطبات الأحمدية في العرب والسيرة المحمدية: لقد كان للاتهامات التي وجهها السر وليام ميور ضد خير البشر سيدنا ونبينا محمد ﷺ في كتابه “حياة محمد” (في أربع مجلدات الصادرة خلال الفترة من 1855- 1861م)،[16] أثر عميق على السر سيد أحمد خان. وبكونه مولعاً بحب الرسول ﷺ ردّ عليه رداً قاطعاً عن طريق تأليفه لمؤلف باسم “الخطبات الأحمدية” والذي طبع عام 1870م. وهو من أحد أهم المؤلفات الدينية التي دبجها يراعه، وهو عبارة عن مجموعةلاثنتي عشرة خطبة حول عدد واسع من الموضوعات ذات الصلة بتاريخ العرب وحياة الرسول ﷺ .[17]
ويشار إلى أن السر وليام ميور سعى إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمين بالإساءة إلى سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم عمداً، علماً بأن أخلاق الرسول ﷺ كانت ولا تزال محط إعجاب المسلمين بل العالم بأسره، وكيف لا وقد أثنى عليه سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، إذ يقول عز من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾،[18] مع أنه السر وليام هو الآخر لم يستطع أن يُخفي إعجابه بسيد المرسلين، فانقض عليه صاحبنا وأتى بالعجب العجاب وأسكت هذا المستشرق الكذاب. ومن أهم أهداف المؤلف هو تبديد المفاهيم الخاطئة حول بعض القصص المعنية بحياة الرسول ﷺ التي تم عرضها بطريقة مشوهة من قبل بعض المستشرقين عمداً، وبالأخص السر وليام ميور. وقام فيه بعرض تفسير علمي وواقعي لأحكام وشروط تعدد الزوجات في المجتمع الإسلامي ومسألة الطلاق في الإسلام، فضلاً عن قضية العبودية في العالم الإسلامي في العصر الحديث. وتتجلى أهمية هذا الكتاب من الرسالة التي أحالها السر سيد أحمد خان إلى النواب محسن الملك، والتي جاء فيها:
“إذا استطعتُ إعداد هذا المؤلف فإنني أعتبر زيارتي للندن مساوية لأداء مناسك الحج عشر مرات، وسبباً في نجاتي بإذن الله.”[19]
- تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان: بدأ السر سيد أحمد خان إعداد تفسير للقرآن الكريم عام 1877م،[20]،ولكن لسوء الحظ لم يستطع إكماله. فقد كان يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن القرآن الكريم قد أنزل على النبي الكريم بكلمات من الله حسبما وصف في الآية الآتية: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾.[21] وكان يؤمن أيضاً بأن القرآن الكريم موجود على حاله وأصله كما أنزله الله سبحانه وتعالى بدون زيادة ولا نقصان، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾،[22] حيث يتوافق هذا التفسير مع المبادئ الـ 15 لإعداد أي تفسير، والتي تم وضعها في رسالة مكونة من 62 صفحة بعنوان: “تحرير في أصول التفسير”، طبعت للمرة الأولى عام 1892م. ويعتمد تفسيره على إداركه أنه لا نزاع أو تناقض بين العقل والفكر والوحي، ويعتقد أن كل ما يحدث في الكون يتحكمه قانون الطبيعة، وهو غير قابل للتغير. وقد نفى ظاهرة خرق العادات، أو كسر قانون الطبيعة. ويرى أنه لا يوجد شيء في القرآن الكريم يعارض قانون الطبيعة والذي يطلق عليه سنة الله. واستند رأيه هذا إلى قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ * وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللِه تَبْدِيلًا﴾.[23]
كما لم يكن السر سيد أحمد خان يؤمن بمفهوم الآيات الناسخة والمنسوخة، مستشهداً بأنه لا يوجد أي تلميح في القرآن الكريم عن ذلك سوى قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.[24]مؤكداً بأن هذه الآية الكريمة، لا تشير إلى إلغاء آيات بل تشير إلى الشريعة التي كانت متواجدة قبل الإسلام، والتي حلّ محلها القرآن الكريم، والله أعلم.
وهكذا وخلال تعرضه لقضية الجهاد، فإنه أبدى رأيه بأن الإسلام لا يسمح بغزو أي بلد لأجل قهره ونشر الإسلام بالقوة. لأن الإسلام لا يجبر حتى شخصاً واحداً على اعتناق الإسلام، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾،[25] فقد فرض الإسلام الجهاد في حالتين، أولاً: عند قيام الكفار بشن حرب على المسلمين. ثانياً: إبّان عدم قدرة المسلمين على الوفاء بالتزاماتهم الدينية، نحو عدم سماح القوى الأجنبية لهم بأداء فرائضهم الدينية. كما أشار إلى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله * فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾،[26] ومن هذه الآية الكريمة، أوضح الخطأ الذي وقع فيه بعض المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة المتمثل في أن من واجب المسلمين الجهاد في سبيل الله حتى يصبح الإسلام هو الدين السائد، ودحض هذه الحجة مقتبساً من تفسير الإمام الرازي، والذي يقول فيه: إن كل ما تعنيه الآية الكريمة هو أنه يجب على المسلمين محاربة كل من يسعى إلى اضطهادهم وطمس حريتهم حتى يتمتعوا بحرية كاملة للوفاء بالتزاماتهم الدينية. وقام السر سيد أحمد خان بإعداد هذا التفسير لأجل الدفاع عن الإسلام، واتبع فيه منهج العقل في تفسيره للمعجزات بهدف تعزيز إيمان المسلمين المثقفين بالعلوم الغربية الحديثة بالإسلام. وقام بتطهير تفسيره من كافة المرويات الإسرائيلية وتقاليدها التي انغمست في التفاسير السابقة للمفسرين، وفضّل تفسير القرآن الكريم في ضوء الآيات القرآنية ذات الصلة.[27]
وفضلاً عن دوره البارز في نهضة المسلمين في الهند، ألف رحمه الله عدداً من الكتب الأخرى التي يتضح من خلالها مدى شغفه بالعلم والعلوم وحبه للدين وسعيه إلى الحفاظ على أرواح المسلمين، فقد جازف رحمه الله بحياته لأجل إثبات ولاء المسلمين للإنجليز وعدم الوقوف أمام طموحاتهم في الهند، حتى يستطيع أن يحافظ على أرواحهم وينقذهم من بطش الإنجليز وظلمهم، الذين صبوا جام غضبهم عليهم، واعتبروهم القوة التي تقف وراء نشوب الثورة التي كادت تقضي عليهم وعلى طموحاتهم في الهند، بغية استعادة أمجاد آبائهم. وبالتالي قام السر سيد أحمد خان بحثهم على ضرورة التسلح بالعلوم الحديثة لمواجهة مختلف الأمور في المستقبل بأحسن وجه.
أما في آخر أيامه وقبل أن يُلبي نداء ربه ليلتحق بركب الصالحين بإذن الله، دبّج قلمه السيّال مقالاً عن حياة أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ولكن القدر لم يمهله لإكماله، علماً بأنه لم يتطرق إلى هذا الموضوع إلا لردع كل من تسول له نفسه الإساءة إلى الرسول ﷺ وأزواجه المطهرات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على مدى حبه للرسول ﷺ.
ومن خلال السطور السابقة، رأينا أن رحمه الله قد بدأ مؤلفاته الدينية بمؤلف عن حياة الرسول ﷺ، واختتمها بمقال عن أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، مما يؤكد إيمانه الراسخ وحبه الجم للمصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ولا مرية في أنه رحمه الله قد وضع حجر الأساس للكلية المحمدية الإنجليزية – الشرقية، التي ارتقت إلى مستوى الجامعة عام 1920م، وأصبحت تعرف حالياً باسم “جامعة علي غراه الإسلامية”. فامتداداً لهذا العمل الجليل، استطاع صاحبنا بفضل الله ثم بفضل بصيرته الفذة أن يشعر بما لم يشعر به كبار الشخصيات الأخرى التي كانت تهتم بأوضاع المسلمين في هذه البلاد، وخاصة بعد حركة التحرير الأولى التي باءت بالفشل، لأنه استطاع أن يدرك بأنه لا جدوى ولا طائل من مقاومة الإنجليز، وأنه لا مناص من اكتساب العلم والتسلح بالعلوم العصرية الحديثة والحصول على الوظائف المرموقة في الحكومة البريطانية، فسعى إلى تمكين أبناء البلاد من شتى النواحي حتى يكونوا مستعدين لأجل الكفاح من أجل ضمان مستقبل آمن للجيل المستقبل. وألف في هذا المضمار عدداً من المؤلفات في شتى مجالات الحياة ناهيك عن مؤلفاته القيمة في الشؤون الدينية، وهكذا ركز جُلّ جهوده على رفع مستوى التعليم، وتعزيز مبدأ الإصلاح الديني لدى المسلمين، وحثهم على عدم التنفر والاشمئزاز من اللغة الإنجليزية بل العمل لأجل اكتساب العلوم والمعارف بدون التطرق إلى معرفة مصدر هذا العلم، فإذا كان لا يخالف الشريعة الإسلامية السمحة فإنه من الأحرى اكتسابه والحصول عليه بشتى السبل والوسائل امتثالاً للحديث النبوي الشريف: “الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها”. فحقاً كان له دور بارز في تكريس مبدأ الإصلاح الديني لدى المسلمين في شبه القارة الهندية، والذي لا يزال يؤتي ثماره إلى يومنا هذا ولله الحمد، وصدق عليه ما قاله الشيخ أبو الكلام آزاد؛ أول وزير للتربية والتعليم في الهند المستقلة، إذ كان معجباً به كثيراً، وقرأ معظم مؤلفاته في غضون ستة أشهر فقط:
“لقد ظلّ جوهر القرآن وصدقه، وعلومه، وتعاليمه الدينية السمحة خلف الستار لأكثر من ألف وثلاثمائة سنة تقريباً، فكان السر سيد هو الذي أزاح هذا الستار.”[28]
***
[1] ملك، حفيظ، “Moslem Nationalism in India and Pakistan“، (القومية الإسلاميةفي الهند وباكستان)، ص 2-7-208.
[2] مجلة “International Journal of cientific Research” (المجلة الدولية للأبحاث العلمية)، بقلم: د. نسرين، المجلد الأول، العدد، 7، ديسمبر 2012م، ص61، نقلاً عن: شان محمد: حركة علي غراه (دراسة موجزة)، إيجوكيشنل بوك هاؤس، علي غراه، عام 1999م.
[3] خان، السر سيد أحمد، تاريخ التمرد في محافظة بجنور، ص 37.
[4] حالي، ألطاف حسين، حياة جاويد، ص 414.
[5] تشاندرا، بيبين “Modern India” (الهند الحديثة)، ص 133-150.
[6] حالي، ألطاف حسين، حياة جاويد، ص 415.
[7] المصدر السابق، 91-95.
[8] المصدر السابق، ص 333.
[9]القرآنيون:اسم يطلق على تيار إسلامي يسمي أصحابه أنفسهم أهل القرآن، ويرون أن القرآن هو المصدر الوحيد للإيمان والتشريع في الإسلام.
[10] حسين، ثریا، “سر سيد احمد خان اور ان کا عہد”، (السر سيد أحمد خان وعصره)، ص 60-61.
[11] المصدر السابق، ص 65.
[12] المصدر السابق، ص 65.
[13] المصدر السابق، ص 92.
[14] المصدر السابق، ص 66.
[15] سورة الشورى، آية رقم: 13.
[16] حسين، ثریا، “سر سيد احمد خان اور ان کا عہد”، (السر سيد أحمد خان وعصره)، ص 112.
[17] حالي، ألطاف حسين، حياة جاويد، ص 418.
[18] سورة القلم، آية رقم: 4.
[19] حسين، ثریا، “سر سيد احمد خان اور ان کا عہد”، (السر سيد أحمد خان وعصره)، ص 112.
[20] المصدر السابق، ص 129.
[21]سورة الشعراء، آية رقم: 192-195.
[22] سورة الحجر، آية رقم: 9.
[23] سورة الأحزاب، آية رقم: 62.
[24] سورة البقرة، آية رقم: 106.
[25] سورة البقرة، آية رقم: 256.
[26] سورة البقرة، آية رقم: 193.
[27] انظر مقال باللغة الإنجليزية للبروفيسور/ عبد العلي، بعنوان: الأفكار الدينية للسر سيد أحمد خان، بعض الميزات الرئيسية، مجلة الدراسات العربية والفارسية، المجلد الثالث، العدد الأول والثاني، يناير – يوليو 2017م، قسم اللغة العربية والفارسية، جامعة الله آباد، ص 15- 18.
[28] سينها، إيه. كيه، “Facets of Indian History“، “أوجه التاريخ الهندي”، مقال لـ إقبال حسين بعنوان: “Ideological Influences on Maulana Azad“، (التأثيرات الأيديولوجية على مولانا آزاد)، ص 141.
