Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

July 27, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

تَموتُ جميعُ اللغاتِ باستثناءِ العربيةِ -الكشفُ عن الخصائصِ الضّامِنةِ للأبَدِيّةِ والخلودِ

عبدالرحمان الحَرتي أستاذ اللغة العربية وآدابها بالسلك الثانوي طالب باحث بسلك الدكتوراه، بكيلة الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط – المغرب (مقالة بمناسبة يوم اللغة العربية لعام2021)  ملخص:اقتَضتْ سنةُ الحياةِ أن تكونَ الموجوداتُ جميعُها منذورةً للموت والزّوالِ. غيرَ أنّ درجةَ الاختلافِ تكْمُنُ في قُدرة هذه الموجوداتِ على الصّمودِ أمام أعاصيرِ الزّمن العاتية، ودسائِسِه الهَدَّامةِ،… View Article

تَموتُ جميعُ اللغاتِ باستثناءِ العربيةِ  -الكشفُ عن الخصائصِ الضّامِنةِ للأبَدِيّةِ والخلودِ

عبدالرحمان الحَرتي

أستاذ اللغة العربية وآدابها بالسلك الثانوي

طالب باحث بسلك الدكتوراه، بكيلة الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة محمد الخامس بالرباط – المغرب

(مقالة بمناسبة يوم اللغة العربية لعام2021) 

ملخص:اقتَضتْ سنةُ الحياةِ أن تكونَ الموجوداتُ جميعُها منذورةً للموت والزّوالِ. غيرَ أنّ درجةَ الاختلافِ تكْمُنُ في قُدرة هذه الموجوداتِ على الصّمودِ أمام أعاصيرِ الزّمن العاتية، ودسائِسِه الهَدَّامةِ، ومن ثَمَّ تأجيلِ عملية موْتها إلى حين. واللغةُ، أيّةُ لغةٍ، لا يُمكِنُ أن تُخْرِجَ نفْسَها من دائرة النّواميس الطبيعية، فهي تظَلُّ أبَداً مُعَرَّضَةً للزوالِ والإبادة. لذلك، لا غرابةَ أن يتسارَع المتداوِلون، في إطار جماعةٍ لغويةٍ ما، إلى تحصينِ لغتِهم من الموت، وتأمينِ الحياةِ لها بشتّى الطُّرُقِ. من هذا المنطلَق، يمكن القولُ إنّ اللغةَ العربيةَ تمتازُ بخصائصَ تُؤَمِّنُ لها الأبديةَ والخلودَ، وتمنحُها سِمَةَ الاختلافِ والتميُّزِ. وليسَ نعتُنا للعربية بهذه الصفاتِ من باب المُغالاة ولا الاعتزازِ بما هو عربي، وإنّما لقُدرةِ اللغة العربية على اكتسابِ مناعةٍ خوّلتْ لها الامتدادَ في الزمان والمكانِ منذ قرون. هذه العناصر الضّامِنةُ للحياة والخلودِ هي ما سنحاولُ الكشْفَ عنه في هذه الدراسة، ونودُّ تنبيهَ القارئِ إلى أنّه سيجِدُ نفسهُ أمام خصائصَ يتشابكُ فيها ما هو سياقيٌّ وافِدٌ من خارج بنية اللغة العربية، وأيضاً ما هو داخليٌّ من صميمِ البنية التركيبية والمعجمية والصّرفية.

الكلمات المفتاحية:اللغة العربية،تحصينٌ من الموت،تأمينُ الحياة ، التميز ، الاختلاف، التركيب…

تَوْطِئة

تكْمُنُ قوّةُ كلِّ لغةٍ تُراهن عليها فئةٌ اجتماعية معينة، لا في القيمة التي تحْظى بها تلك اللغةُ بِفِعْلِ
حاجةِ الناسِ إليها في ظرفية زمنية وواقِعٍ محدَّدٍ، وإنّما في قُدرة تلك اللغة على تطْويعِ عناصرها الدّاخلية، وتجديدِ خصائصها وبُناها بتجدُّدِ السياقات والوقائع. وفي ضوءِ هذه الوشائج التي تُوَطِّدُ علاقة اللغة بالمستجَدّات الكونية، يُمكِنُ القوْلُ إنَّ اللغاتِ جميعَها تسعى إلى تحصينِ نفسِها من الموت، وتُؤَمِّنُ ما أمكنَ السُّبُلَ الكفيلةَ بمَنحِها صفة الخلود والبقاء. وحقَّ لنا أن نتساءَلَ في ضوء هذا المعطى: هل اللغاتُ
تموتُ بالفِعلِ؟  الواقعُ كفيلٌ بالإجابة عن هذا السؤال بقدْرٍ من البساطةِ، فقد ثَبتَ فعلاً أنّ لغاتٍ عديدةً كان مصيرُها الأفولُ والزّوال. وهذه النتيجة التي أفْضتْ إلى تلاشي اللغةِ من مجال الاستعمال والتّداولِ، لم تكن في حقيقة الأمر إلاَّ نتيجةً حتْميةً، من جهة، لانهزامِ اللغةِ أمامَ اللغات الحَيَّة التي فرَضَتْ نفسَها تداولياً، ومن جهة أخرى، لِعَجْزِ اللغةِ البائدةِ عن إكسابِ نفسِها ديناميةً وطاقةً خلاّقةً تُلقِي بها في سياق التفاعُلِ الحضاري واللغوي.

هكذا تظلُّ حياةُ اللغة، أيةُ لغةٍ، مشروطةً بمدى قدرتها على تحصين موقِعها باستمرار، وتجديدِ إمكاناتِها وطاقتها الدّاخلية لتسْتَوْعبَ كُلَّ جديد، وتراعيَ ما حقّقتْه الإنسانية من تقَدّمٍ على جميع الأصعدة والمستويات. ما يُسْفِرُ عنه هذا القولُ أنّ كلَّ ادِّعاءٍ للكمالِ اللغوي، وكلَّ انغلاقٍ وتقَوْقُعٍ للغةِ على نفسِها، يجعلها تُشيَّعُ إلى مثْواها الأخيرِ، وتنتقِـلُ من الحياةِ إلى الموت.

من هذا المنطلَق، سينطوي البُعدُ القرائي لهذه الدّراسة على ملامسة الخصائص البنيوية المميِّزَةِ للغة العربية عن بقية اللغات الأخرى، والتي تُكسِبُها طابَع التفرّد والاختلاف، وتجعلُ منها لغةً تُؤجِّلُ باستمرارٍ مسألةَ موْتِها. بَيْدَ أنّ هذا الاجتذابَ يُلزِمنا، في منطلَقِ هذا العمل، بضرورة تأسيسِ تعاقدٍ مبدئيٍّ مع القارئ؛ تعاقدٌ يتساوَقُ والأهدافَ المنشودةَ بما هي محصورةٌ ضمن نطاقِ العناصر اللغوية الداخلية النابعةِ من صميم بنية اللغة العربية. غيْر أنّ هذا الحصْرَ والتضييقَ لن يجعلنا نتحرّرُ كلياً من إدماجِ بعض العناصر، الضامنة لأبدية اللغة، التي تفِدُ إلينا من خارج اللغة، والتي يتداخل فيها الديني والتاريخي والاجتماعي والسياسي…

  1. العربيةُ والعناصرُ الخارجيةُ الضّامِنةُ للخلودِ.

   ليْسَ في نيتنا ونحن نرْصُدُ ملامحَ العلاقة بين اللغة العربية وبين العناصر الخارجية (الوافِدة من خارج اللغة) التي أكسبَتْها صفة الخلود والبقاء، وأمَّنَتْ لها موقعاً لا يتزَحزَحُ بين اللغاتِ، أن ننتَصِرَ للُغتِنا بناءً على معيار العاطفة أو الحَمِيّة، ولا أنْ نُصْدِرَ أحكامَ قِيمةِتُبعِدنا عن الواقعية من أجل الدفاع عن لغةٍ لا تحتاجُ إلى من يدافع عنها، كَوْنها ظلَّتْ تقاومُ عواملَ الزّمن وتصمُدُ أمام رياح التغيير العاتية. هذا الوعْيُ بتجنُّبِ العاطفةِ وبِعَدِّها عاملاً رئيساً في عدَم استقامة القراءة، بل وأيضا في إغفال جُملة من القضايا المعرفية واللغوية التي تكْتَنِزُها اللغة العربية، يُلْزِمنا بتوخّي الموضوعية التي ستسْمَحُ لنا بالاقتراب من الآليات التي تُكسِبُ العربية قوّتَها وفرادَتها، وتمنحها باستمرار القدرةَ على الامتداد في الزمان والمكان. غيْـرَ أنّ إنصاتَنا لهذه العناصر السياقية التي سنَجْتَذِبها من خارج اللغة لن يكون بالقَدْر الذي تستلْزِمه الدّراسةُ، لأنّ ذلك قد يقودُنا إلى جزئياتٍ نراها ستُخرِجنا عن الحدود التي رسمناها لهذا المقال، على اعتبار أنّنا سَيَّجْناه بتأمّلِ اللغةِ من داخلِها، والكشف عن مكامن القوّة فيها بنيوياً. ورغم المحدودية والتكتّم اللّذَيْن يطبعانِ هذا الشِّق، إلاّ أنه سيكون كفيلاً باقتفاء أثَر مجالاتٍ ومواقعَ كان لها الدَّورُ الأبرَزُ في صمودِ العربية وحفاظها على مكانتها بين اللغات. ويبقى أن نشيرَ إلى أن عملية استدراجْ هذه المواقع لتُفْصِحَ عن أدوارها في الحفظ والتأمين، يكون من باب المجال الديني والتاريخي والاجتماعي والسياسي.

1.1. العربية وعامِلُ الدِّين.

    اللاّفِتُ في هذا الاجتذابِ للعنصر الدِّيني، وتأمُّلِاللغة العربية من مَوْقعِه، أنّ هذه الأخيرةَ تكُفُّ عن تقديم نفْسِها بِعَدِّها مجرَّدَ وسلة للتواصل بين أفراد الجماعات العربية، وبوَصْفِها أيضاً مجرّدَ مرآةٍ للفكر وأداتِهِ، ومَعْرِضٍ للثقافة العربية وحامِلٍ لهُويّتِها، لتنتقلَ إلى طَوْرٍ تُحكِمُ فيه زمامَها بالدّين، وتُوثقُ الرّوابطَ والأواصِر بينها وبينه. بهذه الخيوط الوثيقةِ غَدَت اللغة العربية ركناً أصيلا في الدِّين.  ذلك ما يُعبر عنه الثعالبي بقوله: “من أحبَّ الله تعالى أحَبَّ رسوله، ومن أحبَّ الرسولَ العربيَّ أحبَّ العربَ، ومن أحَبَّ العربَ أحبَّ العربيةَ التي بها نزَلَ أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربيةَ عُنِيَ بها، وثابَرَ عليها، وصَرفَ هِمَّتَه إليها…[1]“.

    الدّينُ، إذن، يُفْصِحُ عن العقائدِ، ويفصِّلُ التشريعاتِ، ويُقعِّدُ للأحكامِ من خلال اللغة العربية وَبِها. ومن ثَمَّ كان لا بدّ أن تمتازَ العربية بِطَاقةٍ هائلة ومخزونٍ يُيَسِّرُ لها أن تَسَعَ الكتابَ المقدَّسَ بكلّ أبعاده وآفاقه. هذا التساوق والترابطُ بين الدّيني واللغوي لن تنحَصِرَ تجلياتُه عند هذا الحَدّ. بل سيكون عاملاً رئيساً يُكسِبُ اللغةَ صفةَ الخلـودِ والأبدية. وتطالعنا في هذا الصدد نصوص كثيرة وآيات مختلفة تُصَرّحُ بتكفُّلِ الله تعالى بِحِفظ المعجزة القرآنية وصَوْنِها من الزّوالِ، كما يُعبِّر عن ذلك منطوق الآية الكريمة من سورة الحجر “إنّا نحنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وإنّا له لحافِظون[2]“.

هكذا، تحوّلت اللغةُ العربية، بفضل استنادها على الدّينيِّ، إلى حِصْنٍ منيعٍ يحول دون تسرُّبِ أعاصير الزمن العاتية، وعواصفه الفتّاكةِ، ودسائسِه الهَدّامةِ، واستطاعتْ أن تُخرِجَ نفسَها من دائرة النواميس الطبيعية التي تسري على سائِرِ اللغات البشَرية.

2.1. العربية وعُنصُرُالتاريخ.

لَسْنا مُلزَمين بالإدلاءِ بشهادة ميلادٍ تُثبتُ زمنيّةَ انبثاق اللغة العربية، ولا بالبحثِ عن تاريخ نشأتها مقارنة بباقي اللغات. لكننا سنكتفي بالقوْلِ إنّها لغةٌ أصيلة وذاتُ امتدادٍ تاريخي عميق. وكوْنها كذلك، فإنها قد نجحت في الصّمود أمامَ عواملِ الزّمَنِ، واستطاعت أن تستوْعِب مختلِف المحطّات التاريخية بحضاراتها ونَهضَاتها وانتكاساتِها. وبالتالي، في لم تقْصُرْ وظيفتَها في الجانب الديني كما هو شأن بعض اللغات الكهنوتية، وإنّما كانت أيضاً لغة دنيا وحضارة ومجتمع، وَلَبَّتْ مطالِبَ متداوِليها في جميع الأزمنةِ.

بهذا العنصر، أي التاريخ، تَرْتَسِمُ معالمُ العلاقة بين الأمة العربية وتاريخِها من خلال اللغةِ. ولا ريبَ في ذلك ما دامت العربية قد سجّلَتْ منذ أقدم العهود أفكارَ الأمة وأحاسيسَها، وكانت حلقة الوَصْل بين ماضيها وتراثِها وحاضرِها، نقرأ في هذا السياق: “إنّ اللغةَ مظهرٌ من مظاهر التاريخ، والتاريخُ صفةُ الأمة. كيفما قلَّبْتَ أمر اللغةِ، من حيثُ اتّصالُها بتاريخ الأمة، واتصالُ الأمة بها، وجَدْتَها الصفةَ الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية، وانسلاخ الأمة من تاريخها[3]“.

3.1. العربيةُمنموقِعِ المجتمعِ والسياسة.

  اللغة أوّل ثابتٍ من ثوابت الهوية المجتمعية؛ ذلك أنها عنصرٌ مركزيٌّ يخوِّلُ لجماعةٍ ما امتلاكَ خصائصَ ومميّزاتٍ مختلفة عن باقي الجماعات، هذا دون إغفال النظر إليها باعتبارها وعاءً حافظاً لتاريخ الإنسان وتراثه. ولا نبالغ إذا أيَّدْنا موقفَ “سماتس” في الكتاب الذي ألّفه جون جوزيف حول الهوية اللغوية حينما يقول: إنّ “اللغة هي من ولَدَت الهوية[4]“. هكذا يُنظَرُ دائما إلى اللغة العربية على أنّها المُكَوِّنُ الأساس للهوية، والحامِلُ للفِكْر الحيِّ للمجتمع. وقد ترتَّبَ عن هذا أيضاً أنّ العربية باتت الضّامنَ للاستقرار السياسي للشعوب العربية، وللحفاظ على كيان الأمة ومقوّمات الثقافة العربية، ” ما ذَلَّتْ لغةُ شعبٍ إلاّ ذلَّ، ولا انحطَّتْ إلاّ كانَ أمرُه في ذهابٍ وإدبارٍ[5]“.

من هذا المنطلق، ليسَ من الغرابة في شيء أن تكونَ أوّل خطوةٍ يعْمَدُ إليها أعداء اللغة العربية والدّين، كما جرى في الحملات الاستعمارية، هي تعريض اللغة لمِحْنةٍ مجتمعية. فقد ثبتَ في المغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين إصدارُ الظهير البربري الذي تغَيّا تفكيكَ بنية المجتمع المغربي، وخلْقَ فتنة اجتماعية وسياسية من موقع لساني لغوي. ونفس الأمر ينطبق على الجزائر التي تعرَّضتْ بدورها لمحنة استعمارية لغوية خطيرة، ولولا التمسّكُ بالعربية، لا سيما الفصحى، التي حالتْ دون ذَوَبان اللسان المغاربي في فرنسا لَأَسفرَ الوضعُ عن مزالقَ وتبِعاتٍ خطيرة.

باستثمار مكاسِبِ هذا الاستحضار لبعض العناصر الخارجية التي قوَّتْ مناعةَ اللغة العربية وأمَّنَتْ لها الحياةَ، نُدرِكُ أنَّ ما يميّزُ هذه العناصر هو التعدّد والتشابك، ومن ثمَّ يغْدو النّزوعُ إلى حصْرِها أمراً عسيراً. لذلك اقتصرتْ دراستنا على المجالات الأربع التي أثرناها، ونقصِدُ هنا عنصر الدين والتاريخ والمجتمع والسياسة، لِنشرَعَ كخطوة ثانيةٍ في إضاءة العناصر البنيوية التي تمنَحُ العربيةَ خَصيصةَ التفرُّدِ، وتجعلها قويةً في ذاتها.

  1. السّماتُ البنيويةُ المتفَرِّدةللغة العربية.

بارتيادِنا أفقاً جديدا يُكسِب اللغة العربيةَ فرادتَها، ويمنحها طابعَ التميّز عن باقي اللغات، تفرِضُ الأمانة العلميةُ التصريحَ بأننا سنكون مدينين، في جانب كبير من هذه الدراسة، لجهود وخلاصات الدكتور واللساني المغربي محمد الأوراغي. وليس استدراجُ آراء الباحث في هذا الصدد نابعاً من دوافع ذاتية كوننا جالسناه سنوات طويلة في رحب كلية الآداب بالرباط، وإنما تنبثقُ أيضاً من صميم الموضوعية، إذ إنّ نظريتَه في النحو النسبي تسْتَلُّ اللغة العربية من دائرة نحوية نمطية لتُلقِيَ بها في دائرةٍ جديدة تنتَسِبُ إلى المختلف والنّسبي، وتَشُقٌّ لها وجهةً خاصة مِصباحُها المنير هو نقْضُ وإبطال جميع التصورات والتطبيقات التي أسْقطَها، وما يزال، اللسانيون العربُ وهو يدرسون لغتَهم من منظور النحو الكُلّي الذي أرسى دعائمَه رائد اللسانيات التوليدية شومسكي، غير مبالين ولا منتبهين إلى قواعد البحث اللساني العربي المحكومة بالاختلاف والتميز.

  كشْفُ الاختلافِ ينطلقُ من مراعاة انقسام اللغات البشرية، بالنظر إلى قواعد البحث اللساني الحديث، إلى نمطَيْن مختلفين: لغات سمّاها شومسكي لغاتٍ شجريّة، ولغات ميَّزَها بنَفْيِ الشجريّةِ عنها، ولم يَسِمْها بميزة بنيوية تخُصُّها. غير أن د. الأوراغي  تدارَكَ هذا التّكَتُّمَ والإغفالَ بإنشاء مصطلَحَيْنِ جديدين: فبات يُميِّزُ بين اللغات التركيبية (الشجرية)، واللغات التوليفية التي تُعَدُّ اللغة العربية منتسِبَةً إليها، مع تنبيهه الدّائمِ إلى أنَّ محاولةَ توسيعِ الإطار النّظريّ لأحَدِ الأنماط اللغوية لِيُغطِّيَ النمطَ الآخرَ، يُفضي في النهاية إلى تحويل نَحْوٍ نمَطي إلى نَحوٍ كلّي. “وهذه العمليةُ القَيصرية المُجْراةُ على النحو غير طبيعية، وسوف يترتّب عنها مضاعفات غير متناهية[6]“.لذلك يصبِحُ من غيْر المقبول أن يرتكِنَ علماء اللغة العربُ إلى قواعدَ تمَّ إرساؤُها في الأصل لدراسة لغة شجرية مُحاولين تعميمَها لتغْطيِةِ اللغة العربية التي لا تستجيبُ لتلك القواعد.

بهذا الانتِسابُ إلى المختلِف والمتفرّد، يغدو نقْلُ القاعدة النحوية إلى خارج نمَطها نقْضاً لمبدأ ضرورة المحافظة على النمطيّةِ اللغوية التي تُعدُّ ركيزةً وعماداً تتأسَّسُ عليه النظرية اللسانية النسبية. ولِأنّ أوجه الاختلاف والتمايز بين اللغة العربية باعتبارها لغةً توليفية، وبين باقي اللغات الشجرية يُلقي بامتداداته في مجموعة من العناصر والوسائط، فإنّ دراستَنا ستقتصر على ثلاثة وسائطَ واضحة وأقرب إلى تمثل وإدراك القارئ. المُشترَك بين هذه العناصر أنّها تَسِمُ العربية وتُميّزها عن اللغات الأخرى، وتمنحُها القابلية للحياة والخلود، دون الارتكانِ إلى السياقات الخارجية التي استعرضناها في الشقّ الأول من المقال. وهذه العناصر التي نرسُمُ معالمَها سيتم استعراضها كالآتي: رتبة مكونات الجملة العربية التي يُحرِّكُها وسيطُ العلامة المحمولة، ويُقابله في اللغات الأخرى وسيط الرتبة المحفوظة. أما الوسيط الثاني فهو “الجَذْرُ” الذي يقابله وسيطُ “الجِذْعِ”، وأخيراً وسيط “الوزن والإلصاق” الذي يقابله وسيط “الإلصاق” فقط.

1.2. وسيطُ العلامة المحمولة.

  عند محاولة الإجابة عن سؤال متعلّقٍ برتبة مكونات الجملة، نجد أنّ اللغاتِ تظلُّ مخيَّرةً بين وسيطيْن لغوييْن: وسيطُ الرتبة المحفوظة الذي يلجأ إليه أصحاب اللغات الشجرية، ووسيطُ العلامة المحمولة الذي يَسِمُ العربية التي تلْجأ إلى إعراب الكلمات، أي تغيير علامات أواخر الكلِمِ باختلاف العوامل الدّاخلية عليه لفظاً أو تقديراً. بينما اللغات الأخرى التي يتعذّر عليها إعراب الكلمات ووضعُ علامات في أواخرها تلجأ إلى تمييز الفاعل عن الفعل والمفعول  وظيفياً بِسِماتٍ فارقة، فتهي تُهيِّءُ متواليةً من المساكِنِ، وتخَصِّصُ المسكنَ الأول للفاعل (sujet/Subject)، وتبني مسكناً ثانيا للفعل (verbe/Verb)، فيما تخصّص المسكن الثالث للمفعول (Complément/Object) وهكذا…، فتظْفرُ اللغات الشجرية عن طريق وسيط الرتبة المحفوظة ببنية قاعدية ذات رتبة قارّة، وعندئذ تختار من بين الإمكانيات الست لقِسمة الثلاثي (فعل-فاعل-مفعول) ترتيباً معيناً فتُأَصِّلُه. ومن بين اللغات التي غلَّبَتْ العلاقةَ الرّتبية نذكر: الفرنسية والانجليزية والألمانية والإيطالية وغيرها…، ورُتبتُها القارة هي:

/  (Subject +Verb +Object) (sujet+ verbe+ Complément)

وينبغي في هذا السياق عدم إغفال أن اللغات السالفة، وإنْ كانت تتبنّى رتبةً أصلية قارّة، فهي تسمَح بترتيبٍ ثانٍ إضافي تشتقُّهُ وتُفرِّعُه، من الرتب الخمسة المتبقية، بواسطة القاعدة التحويلية “انقل الألف”، وتمنعُ بذلك بقية الرتب.  وتعمَدُ اللغاتُ الشجرية إلى هذا الترتيب الإضافي في وضعية البناء للمجهول (Voix passive / Passive Voice)، وتصبحُ من ثَمّ الرتبة الإضافية هكذا:

/  (Object+ Verb + By + Subject) (Complément+ verbe+ par + sujet)

لا يستقيمُ الإنصاتُ إلى اللغة العربية من موقع المساكنِ القارّة والثابتة، ذلك أنها تمنَحُ مقولاتها ميزةَ العلامة المحمولة، وتهَبُها من ثَمَّ حرية التنقل بين المساكنِ شريطةَ أن تُبقِيَ على علامتها وتحمِلَها معها باعتبارها سمتَها المفارقة. “فَدورُ العلامةِ الملصَقَة بالألفاظ في اللغة القائمة على وسيط العلامة المحمولة هو نفس الدَّور الذي تؤدّيه الرتبُ المحفوظة في اللغات الشجرية. هكذا يمكِن القول إن اللغات التوليفية، ومنها العربية، قد وفَّرَتْ الرتبةَ لتوظيفيها من جديد في تبليغ أغراض تداولية[7]“.

  خلاصة القول، لا ينبغي أن تكون للغة العربية رتبة أصلية، فهي تُجَوِّزُ كلَّ التراتيب والاحتمالات :  (فعل-فاعل-مفعول)،(فعل-مفعول-فاعل)،(فاعل-فعل-مفعول)،(فاعل-مفعول-فعل)،(مفعول-فعل-فاعل)، (مفعول -فاعل-فعل)، دونَ أن تُؤَصِّلَ إحدى الرّتب أو تجعلها قارّةً. ومن ثَمّ، فهي لا تحتاج إلى قاعدة تحريك أو نقل، إذْ كلّ التراتيب الستة تُؤخَذ مباشرة من توليفة قاعدية في تركيب اللغة العربية.

2.2. وسيطُ الجَذْرِ.

بانتقاء اللغة العربية في فصِّها التركيبي لوسيط العلامة المحمولة بَدَل الرتبة المحفوظة، تكون قد هيَّأَتْ نفسَها لانتقاءِ وسيط آخَر يمَسّ فصّها المعجمي، وهو وسيط “الجَذر” الذي يقابله في اللغات الشجرية وسيط الجِذع. يرتكزُ هذا الوسيط، أي الجذر، على عدة مقوّمات يبقى في طليعتها “دخولُ العدد في تكوين ماهية الجذر، إذ يساهم عدد التصويتات الرّاتبة أولاً في التمييز بين بعض المقولات، فالمنتمي إلى الأداة ينحصر عدد أحرفه بين (1-2)، وإلى الفعل بين (3-4)، وإلى الاسم بين (3-5). وثانياً في إنشاء قواعد التصريف، لأن بناء المضارع وصِفتَيْ الفاعل والمفعول من الثلاثي غير بنائهما من الرباعي، والثلاثي
يسْمَحُ بتفريع (صفة التفاوت) وبمنعها غيره. وثالثاً في “التدَرّج العكسي”، إذ تتزايدُ أبنية الاسم والفعل بتناقص عدد تصويتاتهما الراتبة، ويتزايد عدد هذه بتناقص عدد تلك[8]“.وما أشرنا إليه بخصوص أدوار العدد الذي يتدخل في تكوين ماهية الجذر لا نلفي له حضورا في وسيط الجذع، ولا يعد من الخصائص المميزة له.

 مما سبَق، يتضح أن اللغاتِ تسلُك لتأليف نطائقها نحواً من الاثنين: فإمّا أن تُرَصّصَ الصوائتَ بالصوامتِ فتُنتِجَ جذعا مرصوصا لا يخترَق، كما في اللغات الشجرية. وإمّا أن تؤلّف من الصوامت جَذرا رخْواًيُخترَقُ (ح.م.ل)، وتبني من الصوائت صيغةً (قالباً)، مثال ( ـَـــــــــــــــــَـــــــــــــــــٌ)، أو ( ـــِــــــــــــْـــــــــٌــــ)، ثم تسكُبُ الجذر الرخو في الصيغة القالب، فتحصل على قوِلةٍ للمدخل المعجمي الأصل (حَمَلٌ)، (حِمْلٌ)… كما هو الشأن بالنسبة للغة العربية. وهذا يُكسبُ اللغةَ زَخَمَها وغناها المعجمي.

3.2. وسيطُ الوزن والإلصاق.

                ما انتهيْنا إليه في الوسيط السابق هو رسْمُ حدود فاصلة بين الجذع والجذر. فالجَذر مادة صوتية رخوة قابلة للكسْر والخرق، ويمكن الاستدلال على ذلك باستحضار البنية الأصلية للجذر (ق.ط.ع)ـ التي تُوَلّد مداخل معجمية أصلية تتضمن زوائد بالنسبة للجذر الأصل، لكنها أصلية بالنظر إلى الصيغة الجديدة، فنحصل منها على (قاطع- انقطع-تقطّع- استقطع- تقاطع..). بينما يظلّ الجِذع مادة صوتية صلبة لا تقبل الكسرَ ولا الخرْقَ، وإنما يقبَل اللواصق في صورة سوابق ولواحق  Suffixe et préfixe.

هكذا، فاللغات حينما تحَوِّلُ مداخلَها المعجمية الأصول إلى فروع تكون أمام خيارَيْن: إذا كان المدخل المعجمي في صورة (جذع) يُأتَى بالمدخل المعجمي الفرع في شكل لاصقة، سواء سابقة أو لاحقة. ونتحدث هنا عن اللغات الشجرية التي تعرَف باللغات الإلصاقية. أما الخيار الثاني الذي تسلكه اللغة العربية فهو الاعتماد على وسيط الوزن أولاً، مع إمكانية اجتذاب تقنية الإلصاق:

مثال:  البنية الأصل للجذر (س.أ.ل)يتم سكْبُها في الوزن (تفاعَلَ) لتُنتج مدخلا معجمياً جديدا (تساءل)، ولنا أيضا أن نستعمل الإلصاق بإلحاق الضمائر مثلا، كأن نقول: يتساءلون. وبهذا تكون اللغة العربية بوصفها لغة وزنية وإلصاقية أكثر قدرةً على توليد المداخل المعجمية.

  1. مقامُ الخَـتْـمِ.

 نُذَيِّلُ استِنْطاقَنا لأبرزِ العناصر السياقية والبنيوية التي أفْصحَتْ عنها محطّاتُ الدراسة، بوصفها الضّامِنَ لخلود العربية وأبدِيّتيها، والمُحَصِّنَ من الموْتِ والأفول، بالقـولِ إنَّ اللغة العربيةَ، كما عززتْ ذلك نتائجُ المقال، حتى وإن اشتركتْ مع بقية اللغات في البعد الوظيفي، من حيثُهي أوّلا وسيلةٌ للتواصل، ومِرآة للفكرِ، وحامِلٌ للهُوية، فإنها في أبعادَ أخرى تحتفِظُ لنفسها بطابع الفرادة والتميز. فهي مختلفة، كما أضأنا، من حيث الاشتقاق والإعرابُ والقدرة على توليد المداخل المعجمية، ومن حيث فصوصها التركيبية والصرفية والتحويلية، إضافة إلى ارتباطها بالمقدَّس الدّيني. لذلك تظلّ هذه اللغة تُؤَجِّلُ عمليةَ موْتِها باستمرار، وذلك لطبيعتها الداخلية التي تجعلُ النموّ والازدهارَ أهمّ سمةٍ بارزة فيها، فهي ما تزال تتقـدّم وتخطو إلى الأمام لتواكب كلّ جديد نافع، وتُلَبّي مطالبَ الناطقينَ بها ديناً ودُنْيا.

 

المصادر والمراجع:

  1. قرآن كريم.
  2. محمد الأوراغي، الوسائط اللغوية، ج1، أفول اللسانيات الكلية، دار الأمان، الرباط، ط2001.
  3. بسام بركة، اللغة العربية- القيمة والهوية-.
  4. أبو منصور الثعالبي، فقه اللغة وسِرّ العربية، تحقيق السقا وآخرين، ط الحلبي، 1392 هـ.
  5. مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم.
  6. جون جوزيف، اللغة والهوية -قومية- اثنية -دينية. ترجمة عبدالنور خراقي، الكويت، عالم المعرفة، ع349، 2007.

[1] أبو منصور الثعالبي، فقه اللغة وسِرّ العربية، المقدمة، تحقيق السقا وآخرين، ط الحلبي، 1392 هـ.

[2]قرآن كريم، سورة الحجر، الآية 9.

[3] مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، ص91.

[4] جون جوزيف، اللغة والهوية -قومية- اثنية -دينية. ترجمة عبدالنور خراقي، الكويت، عالم المعرفة، ع349، 2007، ص17.

[5] بسام بركة، اللغة العربية- القيمة والهوية-،ص86.

[6] محمد الأوراغي، الوسائط اللغوية، ج1، أفول اللسانيات الكلية، دار الأمان، الرباط، ط2001، ص11.

[7]محمد الأوراغي، الوسائط اللغوية، ج1، أفول اللسانيات الكلية، دار الأمان، الرباط، ط2001، ص167.

[8]نفسه، ص314-315.