عيد سعيد في جائحة كورونا
عيد سعيد في جائحة كورونا الدكتور محمد ريحان الندوي (مساعد التحرير لمجلة التلميذ الحكومية) raihan.amu@gmail.com أبي ليس عندي روبية ولا طعام، وكورونا قد عمت وبعد الغد هناك عيد، هنا سنموت جوعا وفقرا، قال فهيم لأبيه باكيا حزينا. وهذه الأبيات تطوف في ذهنه: ما العيـــــد إن لم أكتســــي وطنــــي ويزدهي الفرح في… View Article
عيد سعيد في جائحة كورونا
الدكتور محمد ريحان الندوي
(مساعد التحرير لمجلة التلميذ الحكومية)
raihan.amu@gmail.com
أبي ليس عندي روبية ولا طعام، وكورونا قد عمت وبعد الغد هناك عيد، هنا سنموت جوعا وفقرا، قال فهيم لأبيه باكيا حزينا. وهذه الأبيات تطوف في ذهنه:
ما العيـــــد إن لم أكتســــي وطنــــي
ويزدهي الفرح في أسمــى معانيه
لا عيد يبهج لا أفــــــــراح تغمـــرني
إن لم أقبل أمــي، فلــيس لي فيه
عيـــــــد بلادي إذا قبـــــــــلت تربتهــــــا
العيد يوما مع الأحباب أقضــيه
-لا تقلق يا بني اكتر سيارة وتفضل مع الأصدقاء إلى البيت، قال سعيد لابنه بكل هدوء.
سعيد كان يعمل في مطعم خبازا ولكن حينما سمع أن زوجته انكسرت عظم رجلها في حادثة بالدراجة النارية، عاد إلى البيت لعيادة زوجته في فبراير عام 2020م، وأنفق على صحتها ألوفا من الروبيات ولكن على الرغم من إنفاق الكثير ، لم تتحسن صحتها على حالها. سعيد كان يقصد الذهاب إلى مومباي للعمل ولكن في نهاية مارس أعلن الإغلاق التام من قبل الحكومة في الهند كلها. فترك نية السفر وبدأ يبيع الخضراوات في سوقه المحلي.
وغدا سيكون عيد، والناس لا يذهبون إلى المصلى، ولا يلبسون اللباس الجديد، ليس عندهم فلوس ولا قروش ولا دراهم، وابن سعيد الأصغر لم يبلغ من عمره السابعة، كان يصر الذهاب إلى المصلى في ثوب مشقوق بال، فقال له أبوه:يا بني قسيم سيأتي غدا أخوك الأكبر فهيم ستذهب معه إلى المصلى إن شاء الله.
وابن السعيد الأكبر كان يعمل في مومباي ولكن في إقفال تام كان دكانه مغلقا تماما، وما باع من الأقمشة، وحينما سمع أن أمه مريضة شديدة وهي في المستشفى أراد أن يرجع إلى بيته ويخدم أمه، ولكن بسبب جائحة كورونا كان السكك الحديدية مغلقة وتذاكر الطائرات غير موجودة. فاكترى فهيم السيارة صباح الغد و ركب فهيم و وسيم وشميم. وكانت السيارة تقودها سريش كمار الذي كان يعمل في شركة سياحة وسفر، ولكن حينما وصل قريبا من جهانسي قل الطعام وانتهى الماء وكان فهيم و وسيم صائمين، وأما شميم فكان مريضا مصابا بالحمى الشديدة والألم في الرأس و ما صام، فوقفوا في الطريق مرارا وانطلقوا إلى الأسواق أن يجدوا دواءا لصديقهم وطعاما للإفطار للصائمين، ولكن ما وجدوا شيئا بسبب الإغلاق التام.سريش اتصل بجواله مع صديقه في جهانسي وطلب منه أن يأتي في محطة السيارات بالماء والدواء والطعام وكان صديقه راجيش كان في طريقه إذ استفسر منه الشرطي إلى أين يقصد في آخر المساء؟ قال راجيش ملتمسا:
-صديقي مسافر من مومباي واسمه سريش ومعه مسلمان صائمان ومريض على وشك الموت.
-كاذب أنت، قال الشرطي متهددا.
-أقسم “أم غنغا” أنني لا أكذب ولا أريد التنره في مثل هذا الإغلاق، لدي طعام وشراب و دواء لا غير، انظر هذه ا لبضائع الموجودة.
-أنت بدون الكِمامة وهي جريمة كبيرة، آت ألفين روبية تغريما وإلَا سأضعك في السجن، قال الشرطي غاضبا خارجا من حقيبته دفتر الملاحظات.
-ليس عندي عمل، وأنا عاطل منذ شهرين، ليس عندي سوى مئة روبية. خذها وخل سبيلي يا سيدي، قال راجيش مستغيثا، ولكن ما رضي الشرطي، وقبض عليه ووضعه في السجن.
وخلال هذا الحوار قد مضت ساعة تقريبا، وما وصل راجيش على الميعاد. فقلق سريش واتصل بصديقه مرارا ولكنه كان مشغولا بالحوار مع الشرطي وما سمع رنين الجوال، ولكن حينما وصل راجيش السجن رن الجرس مرة أخرى، وقال سريش مات مسافر بدون دواء و لا ماء. وقد نفد الماء وانتهى الطعام وسنموت بدون الماء والطعام و ما شربنا منذ صباح اليوم وما أكلنا شيئا منذ يومين تقريبا قال سريش والدموع تسيل على خديه ويلعن الشرطي ويسب. وفهيم ووسيم يبكيان على موت صديقه شميم بكاءا شديدا، راجيش يسمع بكاء المسافرين وقلق صديقه سريش في الحوار، ولكن ليس عنده ألفين روبية أي يعطي الشرطي ليتمكن من إطلاق سراحه من السجن ويحفظ على حياة ثلاثة أشخاص.
سريش بدأ يقود السيارة بسرعة فائقة، سأله فهيم لو لم نلبس الكمامة فعلينا الغريمة، ولكن لو لا الحكومة لم توفر التسهيلات اللازمة من الضرائب التي ندفعها، فما هو التغريم لها؟ ومن يسأل الحكومة؟
-صدقت أنت. لو لم نتبع القوانين الحكومية فعلينا دفع التغريم، ولكن لو لم توفر الحكومة التسهيلات اللازمة فما هو تغريمها، أجاب سريش تصديقا له.
-لو هناك على الشارع أي مستشفى للحالة الطارئة لما مات أخونا شميم، فمن هو المسؤول عن هذه الجريمة؟
سأل فهيم من سريش متحيرا.
-في الواقع لا يستطيع الناس التمييز بين الصادقين و الكاذبين، وهم ينخدعون من الذين يقولون ما لا يفعلون. وطأطأ رأسه تصديقا لقول فهيم.
سريش يقود سيارته بسرعة ليصل بالميت إلى “أميتهي” وقرية شميم “مردانفور” ولكن حينما وصلت السيارة لكناؤ دقت الساعة الثانية ليلا، وابن سعيد فهيم كان صائما وما وجد من الطعام والشراب ليفطر، وحينما وصل لكناؤ ليلا وجد الدكاكين والمطاعم مغلقة بسبب الإغلاق التام. اتصل سعيد ابنه (بأن قلبه كان معلقا بمجيئ ابنه) يا بني وأين أنت؟ سأل سعيد فهيما.

-في باره بنكي
-أ فطرت و وجدت شيئا للأكل؟ سأل سعيد ابنه.
-لا يا أبي ، بعد السحر حتى وقت الإفطار ما وجدت قطرة ماء، قال فهيم ويكاد يبلغ قلبه الحنجر و يموت عطشا وجوعا.
-لا تقلق يا بني ، ستصل إلى البيت في غضون ساعتين إن شاء الله ، فلتصبر يا فلذة كبدي.
– نعم يا أبي سأصل ، ولكن أجد عطشا شديدا مع الحمى الخفيفة والوجع في البطن، (لأنه ما وجد شيئا منذ يومين للأكل وكان شهر رمضان، وكان لا يريد أن يترك الصوم فصام).
كادت السيارة تصل إلى بيت فهيم وبقي خمس كيلو مترات للوصول، والساعة الرابعة ليلا. اتصل سعيد ابنه ورن الجوال ولم يستلم فهيم..رن الجوال مرة أخرى وتكلم معه وسيم، ياعمي مات فهيم صائما ولم نجد شيئا أن نعطيه للإفطار من الشراب والطعام، تحير سعيد وبكى أنه مات ابنه الأكبر مسافرا صائما مع صديقه الميت شميم، وسعيد كان متعجبا أنه كيف يخبر أمه وهي مريضة ملقاة على الفراش منذ شهور، ولكن حينما وصل خبر فاجعة وفاة ابنه أصيبت أمه بالنوبة القلبية، فذهب سعيد إلى المستشفى ليلا ولكن حينما وصلت السيارة مستشفى ما وجد طبيبا وماتت زوجة سعيد بالنوبة القلبية الثانية توا. ففي قرية مردانفور هناك ثلاثة أموات في يوم واحد، وميتين في بيت سعيد، ابنه وزوجته. وأصحاب القرية جاؤوا إلى بيت سعيد متأسفين باكين مستغفرين يوم العيد. وما توجه الناس للغسل واللباس الجديد والطعام الشهي يوم العيد، كلهم يبكون دموعا وأسفا فعيد أهالى القرية بدموع وبكاء وحزن وأسف، وعيد سعيد مع حزن وألم وبكاءوليس مع سعادة وفرح في ظل جائحة كورونا.
كما يقول الشاعر المصري حافظ إبراهيم:
عيــــــــد هنا وهناك قام المأتــــــــــــــــــــــم
مـــــــــــلك ينـــــــــــــــوح وتابــــــع يترنـــــــــم
عجبـــــا أرى تلك الدماء فهــا هنا
دم فرحــــــــــة وهناك للقتـــــــــلى دم
اللهم ارفع عنا هذا الوباء وارحم علينا يا ربنا.
