Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

July 27, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

رحيل عالمة لعلوم القرآن وداعية للإسلام

  قاضي عبدالرشيد الندوي  الدوحة دولة قطر ________________________ Abstract: This article highlights the life and contributions of Shaykha Razia Begum, a distinguished Islamic scholar, Quranic educator, and religious mentor from Surankote, Jammu & Kashmir. Born in 1935 into the esteemed Qazi family, she was profoundly influenced by her father, Mufti Abdul Jabbar, a renowned jurist… View Article

رحيل عالمة لعلوم القرآن وداعية للإسلام

 

قاضي عبدالرشيد الندوي

 الدوحة دولة قطر

________________________

Abstract: This article highlights the life and contributions of Shaykha Razia Begum, a distinguished Islamic scholar, Quranic educator, and religious mentor from Surankote, Jammu & Kashmir. Born in 1935 into the esteemed Qazi family, she was profoundly influenced by her father, Mufti Abdul Jabbar, a renowned jurist and scholar. Throughout her life, she dedicated herself to Quranic studies, Hadith, Tafsir, and Islamic jurisprudence, nurturing generations of students, particularly women and children.Her efforts in establishing Islamic schools, organizing Quranic study circles, and promoting women’s education made her a pivotal figure in Islamic learning. She was well known for leading Taraweeh prayers, completing Quran recitations during Ramadan, and upholding a rigorous teaching routine. Her influence extended beyond her hometown, reaching Delhi and other regions, where she was respected for her piety, discipline, and knowledge.

Shaykha Razia Begum’s contributions align with the rich tradition of female Islamic scholars, demonstrating the historical significance of women in religious scholarship. Her legacy continues to inspire future generations in the fields of Quranic education, Islamic knowledge, and community service.

 

رحلت المعمرة، الشيخة العالمة،رضية بيغم والدة كل من فضيلة الأستاذ البروفيسور الدكتور عبد الماجد القاضي،و فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الباسط القاضي، و فضيلة الشيخ عبدالأحد حفظهم الله جميعا بتاريخ 5 يوليو 2024م بمدينة سرنكوت بولاية جامو و كشمير الخاضعة تحت السيطرة الهندية . وكان ذلك النبأ صاعقة لأبنائها وأهلها وطلابها ومحبيها داخل الهند وخارجها، ومثيرا للحزن والأسى ولكننا كلنا سمعناه وقبلناه ببالغ الحزن والأسى وبقلوب مفعمة بالرضا بقضاء الله وقدره . وإن كانت تربطني بها علاقة قرابة بكونها جدتي ولكن ليس هذا هو المهم بل الأهم هنا ( وهو السبب لكتابة هذه السطور المتواضعة ) والذي جعلني أن أسرد ذكرياتي معها، وأبيّن معالم شخصيتها بأنها كانت إمرأة ملتزمة صالحة تقية حافظة للقرآن الكريم، وعالمة بعلوم الإسلام. وقد طال اشتغالها بالقرآن الكريم تعليما وترجمة وتدريسا ومدارسة، كما اهتمت كذلك بتدريس وشرح الأحاديث النبوية الشريفة وغيرها من العلوم الإسلامية، وقد سخّرت حياتها وأوقاتها لتدريس ومدارسة وشرح وتفسير هذه العلوم، حيث تخّرج على يدها مئات البنات والنساء والأولاد. مع دراسة منهج أساسي شامل للعلوم الاسلامية، وقد قضت حياتها كلها بالالتزام بالموروثات الدينية، وتربية الأجيال، وتوجيه وحث الجميع على الإلتزام الديني، حيث كانت قوّامة بالليل وصوّامة بالنهار. وبالتالي فهي لم تكن كعامة النساء التي تشغل جل أوقاتها في الأمور المنزلية والعائلية، أوفي الأمورالجانبية غيرالمفيدة، وتضيع الأوقات الثمينة لحياتها في التسلية والترفيه، أو في الأمور التي لا تجلب خيرا ولا تجدي نفعا، مهملة الاهتمام بالإلتزام الديني، غافلة عن قرأة القرآن ومطالعة كتب السنة وعدم الإهتمام بتربية النشء على الإلتزام بالدين، وإهمال واجب التمسك بالخلق الاسلامية العالية، ولاتهمها الارتباط بالهوية الاسلامية العظيمة، والاعتزاز بالمكون المربوط بالأمة الاسلامية، هذا ما نشاهده كثيرا، وتعّودنا على مشاهدته يوميا في محيطنا ومجتمعاتنا المسلمة. ولكنها بعكس كل ذلك، كانت تستغل أوقاتها في قرأة القرآن ومطالعة الأحاديث النبوية الصحيحة، ودراسة تفاسير القرآن الكريم والإشتغال بالعلوم الاسلامية، ومن ثم تدريسها للطلاب الذين يفدون اليها من الأولاد والبنات من كل حدب وصوب، ويُقبلون عليها إقبالا شديدا لحرصها على التعليم والتدريس والتربية والاصلاح وحاجتهم للتربية الخلقية الاسلامية.

مكانة المرأة في الاسلام: وإذا امعنا النظر الى دور المرأة على مدار تاريخ الاسلام والمكانة العالية والمهمة التي أولاها الاسلام لها فسنرى أنه قد كرّم المرأة ورفع من مكانتها وأزال عنها الظلم الذي كانت تتعرض له في الأديان والمذاهب والحضارات السابقة حيث كانت فاقدة كرامتها، مسلوبة حقوقها، منحطة في جميع المجالات تعامل أسوأ من البهائم في كثير من الحالات، وبالتالي فكان للمرأة دورا مهما وحيويا على مدار تاريخ الاسلام في جميع المجالات العلمية والدينية والدعوية والتربوية والتثقفية. رغم ما أثار الآخر في الغرب والشرق من شبهات حول حقوق المرأة في الاسلام ولكن الكثير من العلماء والمثقفين المنصفين من الغرب اعترفوا عن فضل الاسلام في رفع مكانة المرأة يقول عالم النفس الاجتماعي الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه ” حضارة العرب” – ” فضل الاسلام لم يقتصر في رفع شأن المرأة، بل نضيف الى هذا أنه أول دين فعل ذلك “. مساهمة المرأة المسلمة الفعّالة على مدار تاريخ الاسلام: وقد سجل التاريخ الاسلامي نبوغ المرأة المسلمة وإسهاماتها المتميزة في حقول العلم والمعرفة في العديد من الأقطار الاسلامية، في وقت لم يكن فيه للمرأة في المجتمعات الأخرى أي إسهام يذكر، وذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عددا كبيرا من النساء العالمات وتحدث عن مجالسهن العلمية، وذكر الحافظ الذهبي الدارسات للحديث الموثقات، كما ذكر الحافظ بن عساكر في التنويه أن شيوخه كان من بينهم بضع وثمانون امرأة . وذكر أبو حياّن التوحيدي من أساتذته ثلاثة من النساء كان هو وغيره يتلقون العلم في مجالسهن ، وقد ترجم الحافظ ابن حجر في كتابه – الإصابة في تمييز الصحابة – لألف و خمس مائة و ثلاث و أربعين إمرأة، منهن الفقيهات والمحدثات والأديبات، وذكر كل من الإمام النووي في كتابه – تهذيب الأسماء واللغات – والسخاوي في كتابه – الضؤ اللامع لأهل القرن التاسع، و عمر رضا كحالة في كتابه – معجم أعلام النساء -، وغيرهم ممن صنّف كتب التراجم والطبقات تراجم مستفيضة لنساء عالمات في الحديث والفقه والتفسير والأدب. وقد أحسن الدكتور محمد أكرم الندوي  مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية ببريطانيا عندما قام بإخراج موسوعة لخدمات النساء في العديد من المجالات والمواضيع وخاصة في موضوع الحديث على مدار التاريخ الاسلامي في ثلاثة وأربعين مجلدا بعنوان ” الوفاء بأسماء النساء ” جمع فيه نماذج رائعة لجهود النساء في شتى مجالات العلوم وفي علم الحديث خاصة فجزاه الله خيرا وجعله في ميزان حسناته. وليس هذا مكان تفاصيل الموضوع كثيرا . وكانت فقيدتنا الغالية على هذا المنوال من النساء المثقفات الفضليات العالمات التقيات الزاهدات، ولا عجب في ذلك رؤية الى خلفية أسرتها الدينية والعلمية والدعوية، ولكن برغم كل ذلك فكانت نموذجا مميزا للعلم والإلتزام والتقوى والزهد، والحرص على تربية وتثقيف الأجيال.

ولادتها وخلفيتها العائلية: ولدت الفقيدة الغالية في قرية موهره هاري بمقاطعة سرنكوت بونج بولاية جامووكشمير الهند في عام 1935 م في أسرة علمية دينية ودعوية ملتزمة، والتي تعرف في هذه المنطقة باسم أسرة القاضي، وقد جاء جدها الشيخ عبدالله مهاجرا من مقاطعة مندي بهاء الدين من محافظة تسمى بمحافظة بهاليا بموضع كوت الواقعة بولاية بنجاب الغربية في باكستان حاليا، وكان من سلالة المغول، ومن مواليد حوالي عام 1850م. ويذكر في سبب هجرته بأنه كان يعاني من مرض أشار عليه الأطباء فيه بأن ينتقل الى مناطق خضراء باردة حيث جو ولاية بنجاب كان جافا وحارا ولا يناسب طبعه وصحته، وبالتالي فهاجر من مقره وجاء واستقر في هذه المنطقة وتزوج من أسرتنا أسرة القاضي، وكان من العلماء الأفذاذ الأجلاء، وعندما رأى وضع الناس المتخلف البالي، وجهلهم الشديد بالدين، وغرقهم في البدع والخرافات والأمور الشركية التي ليس لها من الله سلطان فزع وترهب. كما أن المنطقة كانت معزولة تماما عن العالم الخارجي وتعاني من جهل شديد وتخلف وفقر، ولا همّ للناس الا الإنشغال بالأوهام والخرافات والبدع والرسوم البالية والشركيات، وكانوا لا يهتدون الى الهدى والخير، والى الصراط المستقيم سبيلا حتى جاءالشيخ عبدالله ونزل في هذه المنطقة فبدأ ينشر نور العلم والتوحيد، ويحارب الضلال فهدى الناس الى الخير والتوحيد، فخرجوا بفضل جهوده وتفانيه، وجرأته للحق وشجاعته على الصدع به من عبادة العباد الى عبادة الله وحده، فأشرقت هذه الأرض بنور ربها .

أسرة القاضي: أما أسرة القاضي فهناك روايات، رواية تقول بأن بعض أجداد هذه الأسرة قديما كانوا قضاة في زمن الدولة الاسلامية في الهند فاشتهرت بهذا المسمى، وفي رواية تقول بأن هذه الأسرة تنتمي الى المغول وهي سلالة من اثنتا عشرة  سلالة من المغول التي تتواجد في هذه المنطقة . ويقال بأن بعض السجلات المدنية القديمة والمستندات الرسمية لقلعة بونج تشير الى ذلك. وهذه الدعاوي بالتأكيد تحتاج الى البحث والتدقيق والتوثيق. وقد اشتهرت هذه الأسرة في هذه المنطقة منذ فترة طويلة بطيب سمعتها، وشرف نسبها والتزامها بالدين ، وحرصها على تعلم وتدريس العلوم الدينية، والاهتمام بالتوجيه والدعوة والارشاد . رغم ما كانت تعاني منها المنطقة بأشملها من فقر وتخلف وعزلة عن العالم الخارجي. وذلك بكونها بعيدة وواقعة في أعالي الجبال الهملايا وفي أعماق وديانها. وبالتالي فكانت تعاني من عدم وجود أي مقومات أو أمكانيات أو مؤسسات للتعليم والتربية أو مصانع ومؤسسات التنمية الإقتصادية. ولكن رغم كل ذلك فإن أسرة القاضي التزمت بتعلم العلوم الاسلامية كابرا عن كابر، وحرصت على تعليمها وتدريسها لعامة الناس من بنات وأولاد ورجال ونساء، أينما أمكن لها وأينما وجدت الفرص السانحة لذلك، كما بقيت ملتزمة لدعوة الناس على الإلتزام بالدين.

دراستها: درست الراحلة الغالية القرآن الكريم والعلوم الإسلامية من كبار أسرتها الذين جلهم كانوا علماء. و أن والدها الشيخ عبدالجبار رحمه الله رحمة واسعة كان من كبار العلماء ومن أبرز الوجهاء في المنطقة وقد عيّن أعظم المفتيين لمحافظات بونج وراجوري بعد مقابلة قوية مع لجنة كانت تتشكل من نائب المفوض، والأستاذ سعيد أحمد رضوي مدير المدرسة الاسلامية ببونج وغيرهما من العلماء الأجلاء لتلك الفترة. وكان ذلك حوالي عام 1955م أو عام 1956م، وقد أحيل اليه منصب أعظم المفتيين بعد هذه المقابلة وعيّن رئيس إدارة الإفتاء لهذه المناطق الشاسعة. وكان الرجل داعية في العلم والعمل حيث كان صوته مسموعا، ورأيه موقوفا، وموقفه متبعا. وبالتالي فقد حاز مسند العلم والتوجيه، وتربع على مقعد الإفتاءبالجدارة والرسوخ في العلم، وعد من أكابر علماء المنطقة لتلك الفترة وقد بقي في منصبه هذا الى عام 1965م تقريبا حتى سافر الى الحج، فورث ابنه الشيخ عبدالباقي رحمه الله رحمة واسعة بعده هذا المنصب بعلم وحنكة وجدارة وكان واسع العلم، عميق المعرفة، عاملا ملتزما بالدين، عارفا بأوضاع زمانه، مرشدا مصلحا، ومفتيا حكيما خبيرا بالفقه والفتوى، فقد عرفه كاتب هذه السطورفي صباه، وعايش معه، وكان رجلا من الرجال وعالما من العلماء. فقد تتلمذت جدتنا الغالية على أبيها الشيخ المفتي عبدالجبار وعلى أمها، وأمها هي الأخرى كانت تقية بارعة مشتغلة بالتربية والتوجيه. درست عندهم وتربت على يديهم وغيرهم من كبار الأسرة وعلمائها وصالحيها حتى خرجت عالمة فاضلة حريصة على دراسة وتدريس كتاب الله ومهتمة بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم متمثلة بقول النبي صلى الله عليه وسلم ” خيركم من تعلم القرآن وعلمه “وقد قضت حياتها كلها بالإلتزام بالدين والتقوى وكانت حريصة أي ما حرص، وراغبة أي ما رغبة، وناشطة أي ما نشاط على التربية والتوجيه وإصلاح الأجيال.

 ميزاتها: ومن بين ميزاتها بأنها كانت نجيبة زكية تحفظ ما تقرأ وتتعلم ما ترى بسرعة حيث حفظت القرآن الكريم بكثرة اشتغالها بقرأته ودراسته وتدريسه وقد وصلت في عمرها خمسة وأربعين الى خمسين سنة، وذلك بالطبع يدل على علاقتها العميقة بكتاب الله تبارك وتعالى ومواصلة القرأة والدراسة والتدريس به وكان ذلك شغلها الشاغل . وقد تم تزويجها في عمرصغير لايتجاوز ثلاث عشرة سنة وكان ذلك في خضم أحداث تقسيم الهند في سنة 1948م، وفي ظل مخاوف الظروف الغير المستقرة تماما، وفي ظل سحب الحرب بين البلدين، والقلق على الأوضاع الغيرالمستقرة، والخوف على حياة وأرواح الناس، وكانت الاضطرابات الطائفية مشتعلة في جميع انحاء الهند بعد الاستقلال وتقسيم البلد، والقلق والهمّ وعدم الإرتياح وغياب الإطمينان كان سيد الموقف في جميع انحاء البلاد، فما بالك بولاية جامووكشمير التي تتقاسم الحدود الشاسعة مع البلدين . وعندما انتقلت بعد الزواج الى قرية اسلام آباد في بيت زوجها فأبدت استغرابها بعدم وجود أي مسجد تصلى فيه أو مدرسة اسلامية تدّرس الأولاد، وتنير العامة والخاصة فطلبت من والد زوجها أن يبني مسجدا فاحترم طلبها، وقدّر مكانتها، وبنى فورا المسجد بالمواد التي جمعها وحشدها لبناء بيت ابنه حيث ضحى بيت ابنه لبيت الله. وهو بدوره كان رجلا وقورا مهيبا يتحلى بالثقافة ولو أن ثقافته الدينية كانت ضئيلة، ولكنه كان متوخيا للخير ، ويشعر بقدر أهل العلم والدين، وتأثير رسالتهم، فاستجاب لطلبها دون أي تأخير فبدأت بالتدريس. والجدير بالذكر بأن والدها الشيخ المفتي عبدالجبار رحمه الله واظب على تدريسها بعد زواجها لمدة ست سنوات، وكان يسافر يوميا من قريته موهره الى قريتها اسلام آباد عدة كيلومترات عبر منطقة جبلية وعرة رغم الأمطار والثلوج، في الحروالبرد تاركا كل أشغاله ومسؤولياته ليّدرس ابنته، ولم تكن البنت أقل جدية من أبيها حيث حرصت حرصا شديدا على إكمال تعليمها والاستزادة في دراسة ومطالعة علوم الكتاب والسنة، ورفع ثقافتها حتى كمّلت ما يكفيها من العلوم وما يروي غليلها ويغني حاجتها، ومن ثم واصلت تدريس أهل القرية وما جاورها من المنطقة من الأولاد والنساء. كما أنه من المهم جدا أن نذكر بأنها هي التي حثت زوجها الشيخ عبداللطيف رحمه الله بأن يسافر الى ديوبند ودلهي مقرات المدارس الكبيرة ومراكز العلوم الاسلامية حتى يكمّل تعليمه ويستفيد من كبار علمائه للتعمق والرسوخ في العلم، وتوسيع ثقافته الاسلامية دون أن يخبر أحدا من كباره من الأب والأم. ولم تخبر هي كذلك أباها وأمها لأنه ما كانت هناك امكانية بأن يرضوا مفارقته لهم ولزوجته وهو ابنهم الشاب اليافع، ولكنه سمع لزوجته، وعرف خير نيتها، وشعر بأهمية تضحيتها لفراقها له وللأهل فسافر في سنة 1955م او سنة 1956م الى ديوبند اولا، والتقى  بالشيخ حسين أحمد المدني رحمه الله وجلس معه، ثم سافر الى دلهي وتخرج من مدارس دلهي وتحلى بثقافة علمية وعملية ودينية ودعوية واسعة، فهذه كانت تضحية كبيرة منها بأن تحث زوجها على السفر بعيدا تاركا وراءه إياها والأهل كله، رغم صعوبة ظروف السفر وقلة الزاد، وعدم معرفة الطرق ووجهات السفر فكانت مغامرة تحمّلت هي وزوجها لأجل العلم والدين. وهذا نموذج غريب للفداء لكل ما كانت تملكها في حياتها وكانت بلا شك بحاجة الى زوجها، كما أن هذا يذّكرنا بنماذج السلف حيث كانوا يسافرون متوكلين على الله تبارك وتعالى لأجل حصول العلم وحفظ الحديث راجلين الى وجهات غريبة عنهم متحملين جميع الأخطار في سبيل العلم والمعرفة والإلتزام بالدين. ومن ميزاتها ونجابتها وذكاؤها الوقاد بأنها تعلمت اللغة العربية وبرعت فيها بجهدها وإخلاصها وتفانيها وشوقها وحرصها الشديد للإستفادة من المصادر الأساسية والأصيلة للعلوم الاسلامية، كما أن لكثرة اشتغالها بالقرآن الكريم له دور فيه حيث كانت تترجم الأحاديث وتفهم النصوص وتدرّس البنات والأولاد العربية . ومن ميزاتها كذلك بأنها بشوقها وحماسها تعلمت الخياطة والحياكة وغزل الصوف، وكانت تعلّم البنات والتلميذات، وتحثّهن على تعلمّ كل الفنون المفيدة الممكنة، التي تمكّنهن من العيش الكريم وتقّويهن في ظروف الحياة المتغيرة، وتجعلهن نافعات لأهلهن، ومفيدات لأسرتهن و مجتمعهن فكم من النسوة والبنات والتلميذات لها تعلمّن منها هذه المهارات فاستفدن في حياتهن، وكان ذلك في وقت لا أحد كان يعرف عن هذه الأمور المفيدة النافعة التي كل امرأة تحتاجها في حياتها ولكنها انتبهت الى أهمية هذه الأمور وبالتالي تنبهت المجتمع، وهدته الى هذه الأشياء والأمور الخيّرة النافعة وبذلك نجحت في ايجاد حركة تشغل النسوة ما تنفعهن وأهلهن وما حولهن ومجتمعهن .

 إنشاء المدارس: وإلتزاما بالإرث الأسري للتمسك بالعلم والدين، وحرصا لمواصلة مهمة التربية والدعوة والإرشاد فقد أنشأت مدرسة في قريتها اسلام آباد هاري لتدريس الأولاد الصغاروالبنات علوم الكتاب والسنة، وخدمت عبرها طويلا بتدريس الأولاد والبنات من الإبتدائية الى أن كن يتخرجن على يديها بأخذ كمية كافية من علوم القرآن الكريم وترجمته وتفسيره، الى جانب منهج مرتب من الأحاديث النبوية الشريفة، وقسطا مهما وأساسيا للعلوم الاسلامية مما يفي بحاجتهن للإلتزام بالدين والإسترشاد في دروب الحياة، وما تحتاج اليها المرأة من مهمات مسائل الدين التي تستنيربها في حياتها. وقد تخرّج عدد كبيرمن البنات وأولاد المسلمين على يديها حيث كانت ملتزمة بالتدريس في الفترة الصباحية والمسائية لعدد كبير من الأولاد والبنات حتى نفع الله تبارك وتعالى بهولاء الخريجين والخريجات نشئهم ومحيطهم وأجيالهم. فقد اصطبغت بجهودها وبجهود الآخرين من علماء الأسرة القاضية بيئة ومحيط هذه المنطقة بأجواءمن الإلتزام بالدين والتمسك بالهوية الاسلامية، والإعتزاز بكونهم جزءمن الأمة الوسط. وتم بفضل هؤلاء إزالة الكثير من البدع والخرافات والرسوم الخاطئة. وكانت جدتنا الغالية هذه قد اتخذت لها روتينا يوميا بأن تقوم من النوم بساعة أو أكثر قبل الفجر لكى تقوم الليل وتتهجد وتناجي ربها في خلوتها، وتقيم علاقة متينة بينها وبين خالقها، دون أن يحول بينهما أحد، ولم يكن يوقفها من هذا الإلتزام حر أو برد مطر أو ثلج ، ظلمة الليالي السوداء، أو دفء الفرش الناعمة، حيث تقوم في آخر الليل لتقيم رباطا عظيما بذات الله تبارك وتعالى بدعواتها المتضرعة في هذه الأوقات الخالية لها ولأهلها ولمن حولها وللمسلمين بالخير والصلاح. ثم كانت تصلي صلاة الفجر وتجلس لتلاوة القرآن الكريم، ومن ثم تكمل مسؤولياتها المنزلية حتى تخرج للتدريس والتوجيه وتربية النشء. مدرسة أخرى في مدينة سرنكوت و عندما انتقلت من قريتها هاري الى مدينة سرنكوت (وهي مدينة صغيرة تقع على الحدود القريبة بين البلدين الجارين ولا تبعد كثيرا من قريتها ) فالتزمت بروتينها، واجتهدت في مهمتها العظيمة للتدريس والتربية والدعوة والإصلاح. وبالتالي أقامت هناك أيضا مدرسة أخرى حيث أقبل عليها الدارسون والمتعطشون للعلم والتربية والإصلاح فواصلت عملها واستمرت في مهمتها بكل قوة ونشاط عبر التلقين والتدريس، وكانت تلقي دروس القرآن الكريم ودروس السنة النبوية حينا بعد حين في محيط النساء، وكانت تضحي كل ما تملكها من العلم والوقت والجهد لأجل توجيههن واستنارتهن. وكم من الكتاتيب والمدارس أنشئت بتوجيه وحث منها عبر تلاميذها وتلميذاتها في العديد من القرى والأرياف .

 إمامتها لصلاة التراويح في محيط النساء وإكمال ختمة القرآن الكريم في صلوات التراويح في الشهر الفضيل: وكانت تصلي بالنساء صلاة التراويح في الوطن، وفي دلهي عندما كانت تزور عادة زوجها في شهر رمضان المبارك، وتكمّل ختمة القرآن الكريم في التراويح وكنّ نساء الحي هناك في دلهي القديمة بمنطقة باتك حبش خان يفتقدن خيرها عندما تغيب منهن وتعود الى وطنها كشمير، فأول ما تصل دلهي حتى يتجّمعن حولها للإستفادة من علومها وصلاحها وتقواها والإسترشاد منها في أمور دينهن. وكانت تحظى بحرمة كبيرة ومكانة مرموقة في محيط العائلات المسلمة وفي بيئة النساء خاصة حيث كانت تؤمهن في صلوات التراويح، وتلقي دروس القرآن الكريم، وتنيرهن في المسائل والقضايا التي تهمهن في دينهن ودنياهن في ضؤ توجيهات الكتاب والسنة ومنهج السلف. وظل هذا دأبها وديدنها، وبقي حرصها الشديد للإصلاح والتوجيه والإرشاد طول حياتها . وقد قلّت زياراتها الى دلهي بعد أن تقاعد زوجها الشيخ عبداللطيف رحمه الله رحمة واسعة. ولكنها بقيت على اتصال دائم مع النسوة هناك وكن يواصلن الاسترشاد منها في العديد من المسائل الدينية والقضايا الدنيوية حيث توجه لهن النصائح والحلول المفيدة في ضؤ توجيهات الكتاب والسنة .

علاقتي معها: وكانت طبعا هي جدتنا وكبيرة عائلتنا في الوقت الحالي حيث كلنا كنا نستفيد من دعواتها ونستقي من بركاتها ونتبع توجيهاتها في جميع الأمور الحياتية والعائلية، وكانت تشكل سقفا مشفقا وموجها مجربا لنا جميعا في العائلة. وكل عائلتنا كبارا وصغارا كانت تسميها “السيدة العمة ” حرمة وتقديرا لمقامها العلمي ولكبرسنها فينا. فما دامت كانت هي كبيرة أسرتنا فكانت لي معها مواقف كثيرة إصلاحيا وتوجيهيا و تربويا تغمرها الشفقة وتملئها الحكمة حيث لا يتسع المجال لذكر الكثير منها، وسيطول الكلام بذكرها، وإن كانت جلها لا تخلو من الفائدة والنفع العام. ولكني أذكرهنا موقفا لا أنساها والذي يبرز استجابتها وعلاقتها العيمقة بالله تبارك وتعالى، وكان ذلك في أواخر تسعينات القرن الماضي عندما كنت طالبا رجعت التو متخرجا من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ونويت السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمزيد من الدراسة العالية، وهممت أن أقدم لتاشيرتها حيث كان الدكتور أحمد الله الصديقي الغوركهبوري يسعى لي وهو بروفيسور في جامعة ايلونائس الأمريكية. وكانت جدتنا الفقيدة الغالية زائرة دلهي في تلك الفترة من شهررمضان المبارك عند زوجها الشيخ عبداللطيف القاضي، حيث كان لها مشوار في إلقاء دروس القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة في محيط النساء هناك ( وزوجها الشيخ عبداللطيف كان شيخا للحديث في جامعة رياض العلوم خلال هذه الفترة، ومدرّسا متقنا وكان رجلا عالما فذّا مبّجلا في أوساط جماعة أهل الحديث وغيرها على مستوى الهند، وعلماء الجماعة واعيانها ما كانوا يقررون شيئا دون رأيه، والشيخ غلام قادرحفظه الله تبارك وتعالى مدير جامعة ضياء العلوم ببونج كان يحترمه شديدا ويزوره كل سنة عند زيارته إلى دلهي وكان محبوبا لدى الجميع، وبالإضة إلى التدريس كان خطيبا بمسجد باتك حبش خان بدلهي القديمة.) فطلبتُ بهذه المناسبة من الجدة مستغلا هذه الفرصة الثمينة لتواجدها بيننا في دلهي أن تستخيرلي في أمر التأشيرة الأمريكية لمعرفة صعوبته من سهولته، فقامت بالاستخارة على طلب من صغيرلها حيث كانت على درجات عالية من التقوى والخوف والخشية من الله تبارك وتعالى، وعلاقتها الدائمة بذاته تبارك وتعالى. فعند ما قامت بالاستخارة في الليل وحضرتُ إليها الصباح الباكر فأخبرتني بأسلوب تربوي مراعية مشاعري بأن الموضوع يبدو فيه صعوبة، ولكن قالت بأنه لا بأس في المحاولة، حيث ما كانت تريد أن تجرح مشاعري بالقول بأن الموضوع لن يصلح لك. فكان كما قالت ولم يوفق لي ذلك رغم مساعي فضيلة البروفيسور الدكتورأحمدالله الصديقي المخلصة وتوجيهاته المفيدة وهذا يظهرلنا بقبولها وعلاقتها بالله تبارك. إخوانها: كما أن إخوانها الشيوخ كلهم كانوا علماء أجلاء ومعروفين في المنطقة لعلمهم وصلاحهم، وأن أخوها الأكبر الشيخ عبدالباقي رحمه الله ظل لفترة طويلة مفتيا رسميالمقاطعة بونج وراجوري ورئيسا لإدارة الإفتاء ومديرا للأوقاف كما ذكرنا سابقا، وأخوها الشيخ عبدالرؤف كذلك كان عالما ومعروفا في الأوساط الدينية حيث عمل على إحياء مسجد قديم مبني بالحجارة والطين في مدينة بونج وتعب لأجل إقامة مركز لجماعة أهل الحديث، وكاتب هذه السطور شهد كل ذلك بأم عينيه، حيث كان طالبا صغيرا في جامعة ضياء العلوم ببونج ولم يكن هذا المسجد القديم يبعد من الجامعة أكثر من كيلومتر وكان يواصل زياراته بكونه مكان الجد في القرابة وأحد كبار الأسرة فشهد تفانيه وتعبه وتضحيته لأجل إحياءهذا المسجد القديم المهجور. حتى تحول هذا المسجد القديم بفضل جهوده الى مركز لجماعة أهل الحديث. وهو المركز الذي انطلقت منه الجماعة وتطورت وتمددت في هذه المناطق، حيث نرى اليوم أن لها مكاتب ومدارس ومؤسسات وكوادر مؤهلة في القرى والأرياف للعمل الدعوي والتربوي. والفضل لذلك كله يعود الى جهود الشيخ عبدالرؤف وتعبه وتضحياته. وكذلك الشيخ عبدالقيوم رحمه الله وهو بدوره كذلك كان من العلماء الأجلاء ومن الرجال الأفذاذ المعروفين في مجالات التدريس والتربية والتوجيه والإصلاح. اشتغل طول حياته بهذه المهمة العظيمة أنشأ مساجد، وأقام كتاتيب ومدارس، ودرّس الأجيال ووجّه الناس عبر الدروس والمواعظ، وخطب الجمعة والمناسبات، لم يترك فرصة الا استغلها للتربية والتوجيه والإصلاح والإرشاد وكذلك أخوها الصغيرالشيخ الطبيب عبدالواحد الذي توفي في ريعان شبابه رحمهم الله جميعا .

 أولادها: وقد انتقلت هذه السجية المباركة والميزة الكريمة للأسرة القاضية عامة وللوالدين خاصة الى أبنائها وبناتها حيث خرجوا كلهم علماء يشرقهم الصلاح والحرص على الإلتزام. فإبنها الأكبر الشيخ عبدالأحد حفظه الله من الرجال المعروفين يحب الخير، ويسعى لمحاربة البدع، وتنقية المجتمع من أدران الرسوم المخالفة للإسلام، وإزالة البدع والخرافات .كما أن ابنها الأصغر منه الأستاذ البروفيسور الدكتور عبدالماجد القاضي من العلماءالأفذاذ، وهو عالم وبروفيسور وكاتب محقق وهو بروفيسور في قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة الملية الاسلامية بدلهي منذ أكثر من ربع قرن، وقد شغل منصب رئيس قسم اللغة العربية وآدابها الى جانب مناصب عديدة أخرى داخل رحاب الجامعة وخارجها مثل مشرف لجنة الإختبارات في الجامعة، وعضو الهيئة الإستشارية لهيئة التدريس في الجامعة، وكذلك شغل منصب عضوية لجنة المنح الجامعية للدراسات العليا التابعة لوزارة التعليم والتعليم العالي لدولة الهند. وقد فاز بجائزة رئيس الجمهورية على مستوى الهند لفئة الشباب في مجال خدمة اللغة العربية. كما أن إبنها الأصغرمنه الشيخ عبدالباسط القاضي كذلك عالم معروف خريج الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، ويشتغل حاليا  عضوا في هيئة التدريس الرسمية التابعة لوزارة التعليم العالي لولاية جامووكشمير، ويلتزم بإلقاءالمحاضرات الدينية والدعوية، ويخطب الجمعة كما يتطوع للتدرّيس في مدرسة بدرالاسلام الأولاد الصغار وهو يدّرس في المدرسة المذكورة عند ما تحين له الفرص حرصا للتربية وأداء لمسؤوليته الدينية والدعوية كدأب هذه الأسرة وديدنها . وقد تجاوزت جدتنا المرحومة تسعين سنة من عمرها المبارك قضتها كلها في الخير من التدريس والتوجيه والدعوة والإصلاح ومتوخية كل الخير لجميع من يعرفونها ويرتبطون بها. وقد طالت عمرها المبارك بالحسنات، وحسن الخلق، وصلة الرحم، والبّر، وهو ما رواه الترمذي وحسّنه عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يرّد القضاء الا الدعاءولا يزيد في العمر الا البّر”.

 جهودها وطول صبرها على التربية والإصلاح تسع لكتاب. فلا يسعنا الا نرضى بقدر الله تبارك وتعالى ونسلّي أنفسنا ونعزّيها ونؤاسيها بقول الشاعر قطري بن الفجاءة:

 فصبرا في مجال الموت صبرا        فما نيل الخلود بمستطاع

 سبيل الموت غاية كل حي         فداعيَه لأهل الأرض داع

 تغمد الله الفقيدة بواسع رحمته وأسكنها فسيح جناته ويلهمنا ويلهم أهلها كلهم الصبر والسلوان. تدمع العين ويفطر القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا فانا لله وانا اليه راجعون