العلامة محمد إقبال شاعر كثير الاقتباس من دون فهم
مقالة لـ:”ديب دوتَّا تشاكرا بورتي”[1] ترجمة: د. قمر شعبان الندوي أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة بنارس الهندوسية، فارانسي، الهند Abstract :This article explores the image of poet-philosopher Muhammad Iqbal (1877–1938) within cultural and political discourses in India and Pakistan, highlighting how his poetry is frequently quoted yet rarely understood in its depth…. View Article
مقالة لـ:”ديب دوتَّا تشاكرا بورتي”[1]
ترجمة: د. قمر شعبان الندوي
أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية،
جامعة بنارس الهندوسية، فارانسي، الهند
الملخص : تتناول هذه المقالة صورة الشاعر والفيلسوف محمد إقبال (1877-1938م) في الخطاب الثقافي والسياسي بالهند وباكستان، من خلال تحليل اقتباسات السياسيين والمفكرين من أشعاره، غالبًا من غير فهم عميق لفكره الفلسفي. فقصيدته الشهيرة “سارے جہاں سے اچھا” التي نظمها عام 1904م، صارت رمزًا للوحدة الهندية، لكنها استُخدمت في سياقات متناقضة من قِبل سياسيين هنود وباكستانيين على حد سواء. ويرى الكتّاب أن فكر إقبال معقد ومتشابك، فهو شاعر وطني وناقد للتدين الشكلي، ومؤسس فكري لفكرة باكستان، وفي الوقت نفسه ناقد للنظام الطبقي والديني. كما تكشف المقالة عن جداله مع الشيخ حسين أحمد المدني حول علاقة الإسلام بالوطنية، وعن كيفية توظيف إرثه الشعري والفكري لاحقًا بصورة مشوهة في الخطاب السياسي. وتخلص الدراسة إلى أن محمد إقبال يبقى شاعرًا كثير الاستدعاء والاقتباس، لكن فهمه الفعلي لا يزال عصيًا على القرّاء والسياسيين في الشرق والغرب.
الكلمات المفتاحية : محمد إقبال، باكستان، الهند، الوطنية، الهوية الإسلامية، الفكر السياسي، الشعر الفلسفي، التراث الفكري.
الشاعر محمد إقبال، الذي نظم ترنيمة الهند: “ـسارے جہاں سے اچھا ہندوستاں ہمار”(الهند لنا هي أفضل من العالم كله) عام 1904م، هو الذي كان يدعو إلى إنشاء دولة للأغلبية المسلمة خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وهذه هي النظرية المحورية التي من أجلها وصف إقبال بالمؤسس الفكري لباكستان”.
برر رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلغاء العملة النقدية في نوفمبر 2016م، أثناء خطابه الأخير في الواحد والثلاثين، ديسمبر الماضي مقتبسا بعض الأبيات الشعرية النادرة من هذه القصيدة: “إن هناك، ما لايمكن به شطب وجودنا”.
وأردف مودي قائلا: “إن الهنود عاشوا المعنى الحقيقي لهذه الكلمات، حتى بعد إلغاء العملة النقدية من أجل ثباتهم المستمر”.
وهذه هي ليست المرة الأولى التي يقتبس فيها سياسي هندي هذه الأبيات، لقد كان سلفه مانموهان سنغ رئيس الوزراء الأسبق أيضا استخدمها خلال خطابه التاريخي لميزانية عام 1991م، مؤكدا قوة الهند ومثابرتها.
وفي الماضي القريب، أنشد قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الأبيات نفسها مخاطبا المغتربين الباكستانيين لبلورة تفوق باكستان على البلاد الإسلامية العالمية.
وبعد عقود من استقلال الهند، استعار مودي هذه الأبيات من الشاعر الوطني الباكستاني محمد إقبال، كما وقد أذهلت هذه الأبيات المقتبسة من ترنيمة الهند (1904م)، الأبطال البارزين عبر السنين، إلى جانب إعجاب العامة بين الفينة والفينة. ولكن إقبال، رغم كل ذلك، لم يتبوأ مكانا لائقا في التاريخ السياسي الهندي الحديث؛ ولطالما يرفضه اليمينيون لكونه المؤسس الفكري لتقسيم المسلمين، وأما اليساريون فهم أيضا لايوافقون على أفكاره الوطنية.
الشاعر محمد إقبال، المعروف لدى الناس بـ”العلامة” إكراما وتبجيلا، لقد وصل وراء الحدود بصفته الأب المفكر لباكستان، وطبعت صورته على العملات النقدية لها، ووجد مكانا رحبا في كتب المقررات الدراسية، ويُحتفى بـ”يوم ميلاده” عطلة وطنية كل سنة.
ووفق الإعلامي الباكستاني رانا محمد آصف، كما صرح لصحيفة “دي برنت” (ThePrint): “محمد إقبال هو الشاعر الذي يقتبسه الكثير من دون أن يفهمه حتى واحد منهم فهما صحيحا، وأضاف قائلا: “لازال يقدم إقبال شيئا كثيرا للناس، وذلك ما يبعث كلا من: الوطنيين، والعلمانيين، والإسلاميين، والثوريين إلى اقتباسه على نطاق واسع، ولكن فهمه فهما صائبا أمرٌ مستعص جدا: فإن له رؤيةً معقدةً، فيستحيل توارث تراثه الفكري والأدبي بسهولة.
محمد إقبال في مرآة الوطنية، والاجتماعية، والإسلام:
لطالما ينسجم التراث الفكري لإقبال مع نظرية الوطنيين؛ ذات يوم، قبل مدة طويلة من تأسيس دولة باكستان، قام الشاعر الفيلسوف محمد إقبال مصرّحا على منبر جلسة رابطة مسلم عام 1930م، في الله آباد (براياغ راج حاليا): “تنبعث في ذهني فكرة إنشاء دولة موحدة في شمال غرب الهند مصيرا نهائيا للمسلمين”. ورغم ذلك، إقبال نفسه، الذي ألهم فكرة التقسيم عن طريق خطبه السياسية، بات الناقد اللاذع للتدينية. وكما لاحظ رضا مير في كتابه الصادر عام 2022م، بعنوان: “إقبال شاعر الشرق”، أن إقبال، أصلا، هو شاعر طبقة العمال”.
كتب مير:
“اقتلع إقبال جذور النظام الطبقي، والتسلط الديني في قصيدته الأولى لعام 1928م، في حين، رفضه التقدميون والاجتماعيون لنظرياته الوطنية”
يُنشد إقبال:
“هذه المعابد، والكنائس، والمساجد كلها بطون، ونحن لقمتها، حمى الرب الفقراء البائسين”.
أضاف مير قائلا:
“لم يكن شعر إقبال معارضا للربوبية، ولا للدولة، ولا للذات”. وقصيدته “لينين أمام الرب”، تصور الثوري الروسي الذي يطلب العدل من الرب نفسه. وهذه هي الروح الثورية التي أفضت المكفرين الشيوعيين الأوائل، أمثال سجاد ظهير، إلى طلب تأييد إقبال خلال إنشاء حركة الكتاب التقدميين”.
غير أن الشيوعيين، رغم كل ذلك، لم يكونوا عطوفين به دائما. ومن المعروف، أن ساحر اللدهيانوي رد على ما حداه إقبال بصرامة على إحراق الحقول الجدباء القاحلة، مناشدا إعادة التوزيع العادل، بدلا من تدميرها، حتى يرى الكتاب التقدميون أمثال علي سردار الجعفري، وملك راج آناند، بصفتهما من المجددين الانقلابيين أن إقبال شخصية متناقضة.
ويرتاؤ الدكتور أنيس الرحمن، أستاذ بالجامعة الملية الإسلامية في كتابه الصادر عام 2024م بعنوان: “ما يلزم من الشاعر غالب”:
“ادعى إقبال، ذات يوم، أن لشخصيته جانبين: أنه، في ظاهره، رجل عملي نشيط؛ ولكنه، في باطنه، يعيش في عالم الأحلام، والآفاق اللامحدودة”.
أردف أنيس الرحمن قائلا:
“ذات مرة، خاطب الباندت جواهرلال نهرو محمد إقبال قائلا: “إنك وطني؛ وأما محمد علي جناح فهو رجل السياسة” وكان بين إقبال ونهرو الكثير من التماثل”.
إقبال، المؤسس الفكري لباكستان:
هو من مواليد 1877م في سيال كوت، بباكستان حاليا، وتلقى العلوم في لاهور، وكامبريدج، وهايدلبرغ، كان فيلسوفا، ومفكرا سياسيا، وفوق كل ذلك، كان انقلابيا من الأبطال الأحرار.
محمد إقبال معروف جدا في الهند لنظم قصيدة : “ـسارے جہاں سے اچھا ہندوستاں ہماراـ (الهند لنا هي أفضل من العالم كله) (1904م)، وهي ترنيمة للوحدة الهندية، ولكنه أيَّد دولة موحدة للأغلبية المسلمة في شمال غرب الهند عام 1930م. وإن نزعته الفكرية هذه، هي ما دفعت الكثير من سكان البلاد إلى أن يصفوه بـ”المؤسس الفكري للتقسيم”.
وعلى جانب آخر، تحمل قصيدة: “النشيد الإسلامي” رسالة إسلامية، تدعو إلى ترويج الهوية الإسلامية فوق الحدود الوطنية، وذلك ما بعث ساحر اللدهيانوي على تمثيل القصيدة في فيلم :”سينفلق الفجر من جديد” عام 1958م.
وقبيل وفاته في 21 أبريل 1938م شبت بينه وبين العالم الديوبندي الكبير الشيخ حسين أحمد المدني مناظرة حول: “هل يمكن التعايش فيما بين الوطنية والهوية الإسلامية أم لا؟، كتب إقبال سنغ سيفيا، مؤلف كتاب: “الفلسفة السياسية لمحمد إقبال (The Political Philosophy of Muhammad Iqbal):
“استمرت مناظرتهما عن طريق الرسائل، والخُطَب، والشعر؛ جادل الشيخ حسين أحمد المدني بأن الإسلام أجاز الهوية السياسية المعتمدة على الوطن والبلاد، مستدلا بالمصادر القرآنية، والتاريخ الإسلامي؛ ولكن إقبال ندد بكل ذلك قائلا:”إن الوطنية ألد أعداء الإسلام”.
إقبال شاعر غير مفهوم من الشرق:
لايُذكر الشاعر محمد إقبال، اليوم، إلا بإطار الدولة؛ ففي سياق باكستان، إنه ذاك الفيلسوف الذي حلم للوطن. وفي السياق الهندي: إما أنه شاعر وطني، أو بطل للتقسيم. وفي عام 2021م، ذكرته ابنته الحية الأخيرة منيره صلاح الدين كأب شفوق؛ كان معجبا بكفاح تركيا للتحرير، وكان يعتقد بأن التعليم هو الدرب الوحيد للرقي والتقدم. ولقد كُرِّس معهد “دبستان إقبال” الواقع في لاهور لتعليم فلسفته من دون تدخل الدولة.
كتب السفير الباكستاني الأسبق لدى الهند محمد طارق:
“بعدما فشل النموذج الديمقراطي الباكستاني، استدلوا بشعر إقبال بطريقة غير صحيحة تبريراً للأفعال الخاطئة”.
ولكن الشاعر الباكستاني الآخر، عاطف توقير يرى هذه القضية بمنظارٍ مختلفٍ:
“تُستَخدَمُ قصائدُ إقبال، الآن، للهتافات السياسية أكثر من الإعجاب بإيقاعها الشعري، وتعبيرها الدقيق، وعمقها الفلسفي؛ فإن تراثه الأصيل يمثل قوة الخيال، وبراعة اللغة، والجرأة الأخلاقية لأعماله”.
(مقتبس من دي برينت (ThePrint)، 21/ أبريل 2025م)
[1] ديب دوتا تشاكرابورتي مراسلة، ومنسقة أخبار في صحيفة دي برينت، إنها تغطي السياسة الخارجية مع التركيز على جنوب آسيا، والدبلوماسية الإقليمية،تشتغل مع صحيفة دي برينت منذ يونيو 2022م.
