أمانة الكلمة
الدكتور قاضي عبدالرشيد الندوي الدوحة دولة قطر الإنسان جبل على فطرة التواصل فهو حيوان اجتماعي بطبعه ولم يخلق ليعيش وحيدا فريدا ، ولا يقدركذلك أن يعيش في عزلة وهو مرتاح منبسط . فاللسان والنطق والكلمة هي من إحدى أساسيات التخاطب وأهم وعاءات التواصل فهي تحمل تاثيراتها الايجابية والسلبية على المخاطب عندالتفاعل وإبداء الأحاسيس والمشاعر،عند… View Article
الدكتور قاضي عبدالرشيد الندوي
الدوحة دولة قطر
الإنسان جبل على فطرة التواصل فهو حيوان اجتماعي بطبعه ولم يخلق ليعيش وحيدا فريدا ، ولا يقدركذلك أن يعيش في عزلة وهو مرتاح منبسط .
فاللسان والنطق والكلمة هي من إحدى أساسيات التخاطب وأهم وعاءات التواصل فهي تحمل تاثيراتها الايجابية والسلبية على المخاطب عندالتفاعل وإبداء الأحاسيس والمشاعر،عند مخاطبة الناس وتربية النشء والأجيال وتهذيب العقول والأفكاروتربية. فانطلاقا من هذا الأساس كانت الكلمة وما زالت وستظل أمانة في عنق من يتبوأ ويسعد بمكانة تقديمها وإلقائها ونشرها سواء كان ذلك عن طريق اللسان أوعن طريق القلم أوغيرها من الوسائل الأخرى فيجب على من يصل الى هذه الدرجة الرفيعة والى هذه المكانة العالية أن يتأهل ليقود الناس ويربي الشعوب والأجيال الناشئة فهي بدون ريب مسؤولية حساسة يجب على من يقدم نفسه لها أن يكون على قدرالمستوى وعلى رفعة المسؤولية لأنها أمانة النبيين وأصحابهم والمصلحين فيما بعدهم عبرالقرون والدهور وما مرت بها من أجيال البشرية .
فقد قيض الله تبارك وتعالى الأنبياء والرسل رضوان الله عليهم ومن ثم العلماء والمصلحين ليتربعوا على عروش الهداية والإصلاح وتهذيب النفوس وتزكية الأرواحفكانوا خير وأجدر تأهيلا وتحملا لهذه المسؤولية العظيمة ضحوا نفسهم ووقتهم وأعمارهم وخصصوا كل جهدهم لأجل تحقيق هدف نشرالقيم العلياوبث الأقدارالانسانية الخلقية الشريفة النزيهة وتربية النفوس وتهذيب الأخلاق وتأسيس القيم العليا وتثبيتها في القلوب والنفوس .وقد استناروا من التوجيهات السماوية والإرشادات الإلهية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون المختارون من الله لإصلاح الناس ولإبقاء البشرية في دائرة الإيمان والإنسانية .
وكان الهدف وراء بذل كل جهد وتقديم كل تضحية بأن لا تترك البشرية تفلت من القيم الخلقية النبيلة وتهوي الى الحضيض فالكلمة الطيبة تحمل تأثيرالترياق في نفوس مخاطبيها كما أن العكس كذلك صحيح ” الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذّكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار “[1] .
وقد كانت البشرية في خيركثيرما دامت قد عرفت الخير والشر وميّزت بين الحق والباطل واحترمت القيم الانسانية الخلقية النبيلة . ولم يكن أصحاب الكلمة القاء وكتابة طبعا ونشراالا العلماء والمصلحون وأصحاب الفكرالأصيل والثقافة العالية والذين كانوا يشعرون أهمية وأمانة الكلمة وكانوا يحسون المسؤولية العظيمة لصدقيتها ، وكانوا يدركون مدى حساسية تأثيراتها الايجابية والسلبية على الفردوالأسرةوالمجتمع ، مدركين نتائجهاالباهرة ومخرجاتها المفيدة اذا صح استخدامها وصدق قائلها وأمن على قولها وبيانها ونشرها.وكذلك تأثيراتها السلبية الهدامة بل والكارثية في كثير من الأحيان على المتلقين إذا لم يشعرصاحبها أهمية المسؤولية ولم يصدق في بيانها ولم يأتمن في نشرها وإيصالها الى الناس على الوجه المطلوب .
إن التطور التقني الهائل للعصرالحديث اذا جلب لنا خيرا كثيرا من الرفاهية والتسهيلات في جميع مرافق الحياة وخاصة في مجالات الاتصالات والمواصلات والتواصل عبرالتنمية العامة والوعي الصحي والطبي والتطورفي الاهتمام بالمرافق عن طريق الاكتشافات والايجادات الجديدة العديدة كل يوم التي تجعل حياة البشرمرفهة في كثيرمن الميادين وفي كثير من المجالات العلمية والعملية بتحديثات جديدة وتقنيات عالية مستحدثة.والمستهدف الأكبرفي كل هذابطبيعة الحال هوالانسان بفكرة العولمة والثورة في وسائل الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي حيث أن الشبكة العنكبوتية قد حولت العالم الى غرفة صغيرة وهوما يسمى بالعولمة والتي حشرت العالم في غرفة ترى عبرها كل شئ وتطلع خلال دقائق وثوان ما يحدث في أي ناحية من نواحيها وما يستجد فيها . فالإعلام ووسائل التواصل بشتى أنواعها وكثرة مصادرها جعلتنا موجودين في كل مكان وفي كل لحظة .
ولكن هذاالتطورالهائل بل المذهل في وسائل الاتصال والتواصل ، والوصول السهل الى جميع أنواع المعلومات وامتلاء الشبكة العنكبوتية من كل ايجابي وسلبي ، وتوفرهذه الايجابيات والسلبيات بكل خيرها وشرها للجميع دون قيود أوشروط جعل الكثير يدلي بدلوه ويكب ما عنده ، وقد ينثر سموم العنصرية والطائفيةوبالتالي فيعرض المجتمعات الانسانية والأبرياء من الناس الى الخطر . فمجزرة نيوزيلندا خير مثالعلى ذلك حيث قتل العدد الكبيرمن الأبرياء بدم بارد على يد طائش مجنون كان مدججا بسلاح العنصرية الصليبية كما أنه كان مدججا بالأسلحة الرشاشة لقتل الأبرياء من البشر الذين كانوا ينتمون الى فئة دينيةمعارضة له فكان الاتهام على وسائل الاتصال موجها ومباشرا والتي استغلها واستخدمهاونشر هذه المجزرة الهمجية الشنيعة المخيفة حية عبر الفيس بوك ليشاهده العالم المتمدن في القرن الواحد والعشرين . فقد يتسأل المرء كيف يصل الانسان الى هذا الحد من اللاانسانية والوحشية والهمجية والبربرية بأن يستهدف فئة من البشر ويهدف القضاء عليهم ولا يجد في نفسه قوة وقدرة أن يتحمل عقائد وآراء وتوجهات وأفكارالآخرين ويتخذ القتل والتدميروالتخريب وسيلة لغلبته وفرض عقائده وآرائه وتوجهاته فهذا خلل كبير في التربية الانسانية وهوة سحيقة لنظرية التعايش السلمي بين جميع فئات البشرية عبرجميع بقاع العالم دون النظر الى عقائد وأفكار وآراء وأديان الآخرين وشقة خطيرة في أساس التسامح البشري والحب والسلام والوئام الذي يقتضيه بالوجوب لإستمراروتواصل ودوام الحياة الانسانية فكل من البشريملك حقوقا متساوية في جميع الضرورات والحاجات الأساسية فمن هذا المنطلق يجب على العلماء والمربين والمصلحين والمثقفين وأصحاب القراروخاصة أصحاب التأثيروالكلمة بأن يهتموا بهذا الجانب الانساني الأساسي والتربوي المهم والا فإن هذه الفترة التي تتميزبكثرة وسائل التواصل السريعة سوف تنتج عن الفوضى الخلاقة المدمرة لن ينجو منها أحد من الصالح أو الطالح } فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم {[2]
من هنا فإن المسؤولية تتضخم حجمها على أصحاب الكلمة والكتاب وأصحاب الفكروالثقافة والتربية والصحافة والإعلام بأن يكونوا على قمة المسؤولية في كل ما يكتبونه وينشرونه سواء عن طريق الإذاعة والتلفزيون أوعن طريق الوسائل المرئية والمقرؤة من الجرائد والمجلات أو ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي الكثيرة من الواتس أب أو الفيس بوك أو غيرها الكثيرمن الوسائل والغروبات . فليس ببعيد أن ننسى بما لعبت هذه الوسائل من أدوار في الربيع العربي وما تمخضت عنها من النتائج الجيدة والسيئة والحروب والفوضى والقتل والدمار ، ومن ثم ماأدت الى مآلات خطيرة ومؤامرات من بعض الجهات والدول وصرف المليارات من الدولارات لإجراء الربيعات المعاكسةأو الثورات المضادة والتي أدتللأسف الشديد الى المزيد من القتل للأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السن وإقامة مجازرللأبرياء والمعصومين وتهجيرالملايين سواء كان ذلك في سوريا أو مصر أو اليمن أو ليبيا أوغيرها من البلدان فكان الهرج والمرج ، والمتهمون في هذه المعادلة كانوا هم المسلمون ، وهم من كانوا ضحية لهذا الإرهابفسمهاما شئت ولكن الضحية هو الذي كان المتهم فالله المستعان واليه المشتكى
وكنا كالسهام إذا أصابت مراميها فراميها أصابا
فرؤية الى هذه الطامة نقدرأن نخّمن حجم المسؤولية التي تعود الى الذين يقّدمون أنفسهم لهذه المكانة لنشر الكلمة .
يسرنا ويفرحنا من هذا المنطلق بأن أخانا الأستاذ الدكتور معراج الدين الندوي قدشعربمسؤولية الاصلاح ونشرالكلمة الصادقة الحقة في خضم بحرما يطرح وينشر فأصدرمجلة عربية أدبية محكمة دولية شهرية سماها ” مجلة التلميذ ” حيث أن اسمها يشيرالى ما يهدف اليه من تربية الناشئة وتثقيف جيل الشباب وتصحيح الفكروإحقاق الحق وإبطال الباطل ونشرالمنهج الاسلامي الوسط الذي يدعوا الى احترام جميع الأديان وتقديرجميع الثقافات وتثمين الآراء وتحمل الخلاف والاحترام المتبادل والتسامح الشامل والتعايش البشري السلمي العام واعتراف الحقوق المتساوية لجميع البشردون فرق أو تمييز فإذا تحقق شئ من هذا فسيكون في نفسه انجازا باهرا .
فنرجوا أن يوفقه الله لمزيد من العمل والعطاء في مجالات العلم والأدب والثقافة وخدمة اللغة العربية وخدمة الكلمة الحقة عبر مجلته وشتى أنشطته . فبهذا ستتخرج انشاء الله ناشئة وينهض جيلايكون ملما بهذه اللغة العالمية ويستفيدعبرها على علوم وفنون وثقافات العالم على وجه العموم وأوضاع واحوال وثقافات العالم الاسلامي على وجه الخصوص ويتخذ الوسطية الاسلامية منهجا لها في مسيرتها للحياة وينيربها دروب الآخرين كذلك .
فنحن بدورنا لايسعنا الا أن نثمن جهوده ونقدرمساعيه لأجل النهوض بالناشئة الاسلامية والجيل الجديد ومسيرته المستمرة المتواصلة لأجل تقديم الخدمات في شتى مجالات العلم والعمل والفن والأدب والثقافة والدعوة الى الوسطية والى الخلق النبيلة العالية فسوف تثمرهذه الجهود ثمارها وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وسنرى مخرجاتها ونتائجها الباهرة في القريب العاجل .
كما لايسعنا كذلك أن نشكر جهود المثقف الكبيرالأستاذ الدكتور أصغرحسن سامون حفظه الله تعالى الذي يتفضل فيشمل برعايته الكريمة واشرافه الميمون لهذه المجلة العربية العلمية والأدبية والثقافية والدعوية والاصلاحية فيقف الى جانبها في كل صغيرة وكبيرة ويشد ازرها ويزيل العوائق من طريقها ويجعل مسيرتها سهلة سلسة مستساغة بالوقوف صامدا للدفاع عمن يتحداها فجزى الله خيرا ووفقهم للمزيد من الرقي والتقدم والعطاء فهذه الجهود اذا خلصت في النية والجهد والعمل ستكون مؤثرة في حياة من استفاد وتاجا على رؤس الجاهدين والباذلين لمثل هذه الأعمال والإنجازات وستخلد ذكراهم انشاء الله تعالى فنعم ما قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى :
وما من كاتب الا سيفنى ويبقي الدهرما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غيرشئ يسرك في القيامة أن تراه
وقال أحد الشعراء الآخرين
كتبت وأيقنت يوم كتابتي أن اليد تفنى ويبقى كتابها
فإن كتبت خيراتجزى بمثله وإن كتبت شرا عليها حسابها
والله ولي التوفيق .
كتبه الدكتور قاضي عبدالرشيد الندوي
نزيل الدوحة دولة قطر
[1] سورة ابراهيم الآية رقم – 25 ، 26 .
[2] سورة النور الآية : 63 .
