الحوار العلمي مع الدكتور محمد مظفر حسين الندوي الكشميري
الحوار العلمي مع الدكتور محمد مظفر حسين الندوي الكشميري
About the Author
الدكتور عبد الحكيم
الحوار العلمي مع الدكتور محمد مظفر حسين الندوي الكشميري
أجراه: الدكتور عبد الحكيم
الباحث الأكاديمي والمترجم الهندي
_____________________________________________
Abstract:This scholarly interview explores the intellectual journey, academic achievements, and literary contributions of Dr. Muhammad Muzaffar Husain Nadwi Kashmiri. It highlights his early life in Kashmir, his educational journey at Darul Uloom Nadwatul Ulama, Lucknow, and his subsequent academic pursuits. The interview also examines his experiences in teaching Arabic, Islamic studies, translation, and literary research, while reflecting on the influence of his distinguished teachers and mentors. Furthermore, it presents his perspectives on Arabic language education, Islamic scholarship, and the intellectual and cultural landscape of India. Overall, the interview offers valuable insights into a life devoted to knowledge, education, and the promotion of Arabic language and literature.
About the Writer:Dr. Abdul Hakim is an Indian academic researcher and translator with an interest in Arabic language, literature, and scholarly communication. His work focuses on documenting intellectual experiences and highlighting the contributions of distinguished scholars and academics to education, research, and intercultural dialogue.
Keywords: Muhammad Muzaffar Husain Nadwi, Kashmir, Arabic Language, Islamic Studies, Nadwatul Ulama, Arabic Education, Translation, Indian Scholarship.
الملخّص :يتناول هذا الحوار العلمي سيرة الدكتور محمد مظفر حسين الندوي الكشميري، ومسيرته العلمية والفكرية والأدبية، وتجربته الطويلة في ميدان تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية والترجمة. ويستعرض أبرز المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيته العلمية، بدءًا من نشأته في كشمير، مرورًا برحلته في طلب العلم بدار العلوم التابعة لندوة العلماء في لكهنؤ، وصولًا إلى دراساته الجامعية والبحثية وتجربته في التدريس والتأليف. كما يسلّط الضوء على أثر أساتذته وشيوخه في تكوينه العلمي، ورؤيته لقضايا اللغة العربية وتعليمها لغير الناطقين بها، فضلًا عن تأملاته في واقع المؤسسات التعليمية والحركة العلمية والثقافية في الهند. ويكشف الحوار عن تجربة إنسانية وعلمية ثرية، امتزجت فيها مشقة طلب العلم بعزيمة التحصيل، والوفاء للأساتذة بشغف المعرفة، والطموح الأكاديمي بالانتماء الحضاري.

لدكتور محمد مظفر حسين الندوي الكشميري يُعَدُّ من أبرز الشخصيات العلمية في العالم الإسلامي، خاصة في مجالي اللغة العربية والدراسات الإسلامية في الهند، وُلد في ولاية جامو وكشمير، ونشأ في بيئة علمية أدبية، ثم التحق بدار العلوم ندوة العلماء في لكهنؤ، إحدى أعرق المؤسسات الإسلامية في الهند، حيث تلقى علوم الشريعة واللغة العربية على يد كبار علماء الهند وأدبائها. وبعد إتمام دراسته في الهند، واصل تعليمه العالي في عدد من الجامعات الهندية المرموقة، مما أتاح له التعمق في الفكر العربي والإسلامي المعاصر.تميز الدكتور بإتقانه الفريد للغة العربية كتابةً ونطقًا وخطابةً، وساهم بشكلٍ بارز في تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، كما كان له دور رائد في حركة الترجمة الأدبية والعلمية، حيث نقل العديد من الكتب المهمة بين الأردية والهندية والعربية، مما عزز الحوار الثقافي بين الهند والعالم العربي، ألَّف الدكتور دراساتٍ وبحوثًا رصينةً في الفكر الإسلامي، والحضارة الإسلامية، وعلاقات الهند بالعالم العربي، ودور الترجمة في التبادل الثقافي، ومن أبرز مؤلفاته:خلاصة التفاسير (في ستة عشر مجلدًا). ومساهمة أهل كشمير في اللغة العربية والأدب العربي. وأماثل كشمير. ومدارس كشمير الإسلامية. والعربية للأطفال (ثمانية أجزاء.(، وكعب بن مالك الأنصاري وإنتاجه الأدبي. وإلى جانب إنتاجه الأكاديمي، فما زال الدكتور شخصيةً محوريةً في المؤتمرات الدولية، حيث مثَّل الهندَ وأبرز إسهامات المسلمين الهنود في الفكر والأدب والثقافة،تميز أسلوبه بالوضوح والدقة مع التركيز على البُعد الحضاري في تحليلاته.نحن نقوم بإجراء هذا الحوار الثري لكي نستفيد من خبراته الموسعة في العلوم العربية وتجاربه العميقة في مجال التعليم والتدريس والتربية والترجمة الشفهية والترجمة الفورية في الهند وخارجها، وهو كالآتي:-
س: أهلاً وسهلاً مرحبًا بكم أستاذنا الكريم، بداية أرجو منكم التكرم بإخباري عن تاريخ كشمير، وكيف دحل الإسلام إليها؟
ج: يرجع تاريخ بزوغ شمس الإسلام في كشمير إلى القرن الأول من الهجرة النبوية عندما قدم حميم الشامي عام ٩٧ من الهجرة إليها مع ابن لراجا داهر الذي فر من السند عندما فتح العرب السند فاستاوى هذا المهزوم من ملك كشمير آنذاك قائلاً إن معي إمرئ مسلم فآواه الملك وضيفه ومنحه قطعة من الأرض سميت بملجمر يعنون به أرض المسلمين فكان فكلما ورد مسلم إلى كشمير كان يقيم بها ويتخذها مستقرأ له ومنطلقا للدعوة فتنورت بها عرضها وطولها وحزونها وسهولها ونجادها ووهادها وترقصت الحدائق والأنهار والجبال وخرت الأوثان والاصنام على وجوهها وقامت كشمير ومن عليها استقبالاً للإسلام وترحيبًا به وأخذت تعتنقه وتصافحه وتحتضنه بشوق واله ثم الذي ورد إلى كشمير هو عبد الرحمان بلبل الشاه الداعية في القرن السابع وأسلم على يديه ملك كشمير البوذي فأدى إسلامه إلى أن أسلم ستون ألفا من شعب كشمير ثم الذي غير تاريخ كشمير الثقافي والحضاري والديني هو السيد علي الهمداني في القرن السابع نفسه حتى غدت كشمير بقعة إسلامية فزينت المحافل الدينية والمجالس الإيمانية بطيوب تلاوة القرآن والمدائح النبوية وتذكير سننه وهديه وطريقه وبنيت المساجد والخانقاهات والزوايا والتكايا المدارس ودور العلوم الإسلامية الطول والجوال للإسلام وأهله، وأمست مركزًا ومهبطًا ومحطًا للزوار والوافدين للاستمتاع والتلذذ والتنشيط فالذين اكتحلت أعينهم برؤية كشمير الجميلة في الزمن القديم من الأوربيين للوقوف على حالتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية وتسقط أحوال أهاليها لا يحصى عددهم منهم بلومي phlegmy والدكتور انوايل Danville ودياسوس Dlonysios ونونوس Nonnos وهيرودوتس ومن للصين Hymen Tsing هيون سينغHerodotus والعرب الذين ذكروا كشمير في تاريخهم منهم البيروني صاحب كتاب " تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرزولة " حتى أنه ذكر لآليه وجواهره في كتابه المعروف الصيت سماه الجواهر ولم ينفلت ذكرها من معحم البلدان للياقوت الحموي وأظهر البلاد للقزةيني وكتاب الجغرافية لابن سيد المغربي والمسالك والممالك لابن خردذبه ومروح الذهب للمسعودي وصورة الأرض لابن حوقل النسبي وتقويم البلدان لأبي الفراء وفتوح البلدان للبلازري ونخبة الدهر في عجائب البر والبحر لشمس الدين الدمشقي ومسالك الابصار وممالك الأمصار لابن فضل الله المعمري لا اريد أن أطيل الكلام فيما قيل في جمال كشمير وطبيعتها ومحلها الجغرافي بل وأكتفي هنا على شعر قاله شاعر عراقي الأستاذ فيصل محمد حسن الخالصي:
هاهنا هاهنا تطيب الليالي. : ها هنا ها هنا يلذ شبابي
ما حياتي في غير كشمير إلا : عمر تافه كسعر التراب
باديتي التي هي جزء منها تدعى أرن بفتح الهمزة وكسر الراء ، قلت باديتي ولم أقل قريتي ذلك لأن القرية هي مجتمع الناس حيث اجتمعوا قال تعالى ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديدًا كان ذلك في الكتاب مسطورًا) [ الإسراء : ٥٨] واطلقت هذه الكلمة في القرآن على مكة ومكة والطائف وإنطاكية وبيت المقدس ونينوى وسدوم على الترتيب في الآيات الآتية وكل منها مدينة. وذلك قوله تعالى ( وكأين من قرية هي أشد من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم) [ محمد : ١٣] قال سبحانه ( وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) [ الزخرف ٣١] وفي التنزيل الكريم ( و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون) [ يس: ١٣] وجاء في القران الحكيم ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتما رغدا) [البقرة ٥٨] وقال تعالى ( فلو لا قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا و متعناهم إلى حين)[ يونس ٩٨] ، قال تعالى( إنا منزلون على هذه القرية رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون )[العنكبوت ٣٤]
فباديتي أرن محاطة بالجبال الراسيات الشامخات الخضراوات من ثلاث جهات من بين يديها ومن خلفها ومن يسارها وتركت جانبها اليميني مفتوحًا لنتمتع برؤية أطول بحيرة في أسيا ألا وهي بحيرة دل وهذي الجبال بارتفاعها تسرق قبلات من سماء الدنيا وتزيد في زينة الوادي وهى حرسة وادينا الذي يتخللها أنهر جارية تسقي المزارع والبساتين الغناء والحدائق الغلباء، يربو عدد سكانها عشرين ألفًا ليس بينهم من ليس منهم يتكلمون باللغة الكشميرية التي تكتب بخط اللغة الأردية.
س: أخبروني من فضلك عن ولادتك ونشأتك وأسرتك الكريمة التي تنتمي إليها؟
ج: ولدت فيها عام ١٣٨٥ من الهجرة من اب عالم يدعى شريف الدين و أم غير متعلمة المسماة راجه بانو لم أحظ بتربيتها إياي لأنها فارقت الحياة في صباي فلم ترني و لم أرها بملء العين غير أني سعدت بما كان يجب على أبي من تربيتي و تثقيفي و كان فضله علي كثيرًا .
قضيت أيام اليتم_ و أعرف ان اليتيم من مات أبوه في صغره فإذا بلغ أشده لم يعد يتيمًا عند العرب و لكن اليتيم عندنا في كشمير من مات أحد أبويه وقال أهل اللغة اليتيم في الحيوانات الذي ماتت أمه --كما قضاها أختاي وأخواي في فقر ومسكنة وذل شديد دون كفيل يكفلنا وراع يرعانا وذلك لأن أبانا كان معلمًا في مدرسة بعيدة عن باديتنا وكانت شبكة الكتاتيب قد بسطت من قبل الجماعة الإسلامية من أقصى كشمير إلى أقصاها ولم تكن المدارس قد أقيمت ولا المعاهد قد أنشئت بعدها شن السيخ والدوغرا حملات على كشمير فأغلقت المدارس و خربت المساجد و انقلبت كشمير ظهرا لبطن فبعد أبينا عنا جعلنا كبيت بغير سقف و لم أكن من أكبر الإخوة و الأخوات أكبرنا كان محمد سعيد و لكنه كان لا يبالي بالأمور البيتية و لا الشؤون العائلية فجعلت نفسي مسؤولا عن شؤون البيت من جلب الحطب من الغابة مع نساء محلتنا و لم أتجاوز عشر سنين من عمري ثم طبخ الطعام و خبز الخبز بيدي الصغيرتين و كنت أتردد إلى طاحون لنا كان يجري على الماء لكسب القوت و كان ذلك بشكل الدقيق .
س: حدثني من فضلك من المناهل العلمية والتعليمية التي استفدت منها من المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العصرية في الهند وخارجها؟
ج: قرأت الجزء الأخير من القرآن الكريم على والدي المرحوم لا أكثر وكان قد حاز شهادة المولوي الفاضل من جامعة كشمير طالبًا في الكلية الشرقية تديرها لجنة نصرة الإسلام التي أنشأها الواعظ رسول شاه الذي يعد سر سيد كشمي ر لترويجه العلوم الإسلامية و العلوم المعاصرة بين شعب كشمير كان له دور رائد في إنهاض أهل كشمير في حقل العلوم و المعارف فقد أنشأ بضعة مدارس والكلية الشرقية للعلوم الإسلامية ، كان أبي أول شخص أقام الجمعة في باديتنا وقد واجه نقدا لاذعا من قبل أصحاب الإفتاء كان من بينهم أخوه الأكبر المفتي شمس الدين المرحوم وكان مفتيا بارعا في وقته ولكن أبي لم يزل مصرا على ذلك فلم يأل جهدا إلا بذله دون مبال واكتراث في إقامة الجمعة لعلك تسأل لماذا خولف أبوك ؟ الجواب إن الفقه الحنفي لا يجيز ذلك إلا في المدينة وفي البوادي ذات شروط ولم تكن تحمل قريتنا تلك الشروط -.قلت قريتنا نظرًا إلى انها مجتمع- أصبح أبي معلمًا حكوميًا بعد الأربعين من عمره فسنحت له الفرصة لتعليم القرآن الكريم فأقام مدرسة " حي على الفلاح " و جعل يصلي بالناس الجمعات و يلقي الخطب الرنانة كان بارعًا في الخطابة والكتابة و كان يتكلم بالأردية الفصحى والعربية والإنكليزية قام بقمع البدع والخرافات حتى خالفه أصحاب المعدة والبطن فلم يبال بلومة لائم، والمدرسة الحكومية التي تعلمت فيها كانت إلى مستوى دون العاشرة إلى الدرجة التاسعة والمدرسة العالية كانت تبعد خمسة كلوميترات من مسكننا ولم تكن الطرق ممهدة مذللة بل كانت مغبرة متربة ذات الحصى فكان يصعب المشي فيها وكنت أقصر الطلاب طولا ولا يعزب عن البال أني كنت أتبكر إلى الغابة لجلب الحطب مع نساء الحي وكان ذاك يعز علي كثيرًا ويزيد الطين بل، زي المدرسة كان يتكون من قميص وبنطلون قصير فكان الذهاب إلى المدرسة والإياب منها مساء يغير حالتنا فكان يعلونا الغبار ويغطينا النقع فلم نكن نعرف بسبب النقع الذي كان يلصق بنا في السفر الطويل والطريق الوعر ثم كان لي في البيت أن أوقد الموقد وأصنع الشاي وأطبخ الطعام و الإدام بعد أن أحطب الحطب فأنى لي أن أعيد ما درست وأكرر ما تلقيت فالتعب والكلال كان ينسيني كل ما حصلت ودرست فأصبح ذلك سببًا أن رسبت في الامتحان في المستوى العاشر وأظلمت علي الدنيا وضاقت بما رحبت فما لي إلا ان صرت رهن البيت لا أدري ماذا أصنع ففتحتت دكانا وكل ما كان فيه من المبيعات إلا ما يقدر ثمنه ثلاثمائة روبية هن دية فلم أسترح بل جعلت اتململ كتململ السليم اللديغ وقضيت ثلاث سنين في هذه الحالة والظروف القاسية حتى عزمت على مغادرة بيتي وترك تجارتي التي لم أربح فيها ولم أكن أرغب فيها وكنت اقتل الوقت الذي اقلقني فيما بعد إذ ضيعت ثلاث سنين ذهبية بعيدًا عن حصول العلم وتلقي المعرفة والذي أغراني وهيجني على ترك بيتي وفراق أخي الصغير وأختيي الصغيرتين هو قيل ترب لي وهو ابن عمي أيضًا يدعى نذير أحمد الذي فاز الامتحان الذي رسبت فيه :
أنا فزت وأنت رسبت أمسى هذا الكلام نكتة تحول لي في حياتي إذ أغراني بقيله هذا على النشاط والتهيئ في المستقبل من جانب وأيقظ شيطاني وأنانيتي وألهب فؤادي بفوزه ورسوبي من جانب فغادرت باديتي- ولم تكن مغادرتي بيتي أقل من طامة كبرى أو نازلة نزلت على أهل بيتي - مودعًا أخي الأكبر محمد سعيد وأختيي الصغريين وأخي الأصغر الدكتور محمد منظور الحق متوجها إلى الكلية الشرقية التي تديرها لجنة نصرة الإسلام لمؤسسها نور الإسلام ميرواعظ رسول شاه الملقب بسرسيد كشمير المرحوم والمغفور الذي لعب دورًا مهمًا في نشر المعارف الإ سلامية والعلوم العصرية بين شعب كشمير وإنهاض النشئ بالأخلاق الحسنة وبث السيرة النبوية والثقافة الإيمانية فيها وكنت وراء السعي والبحث عن مدرسة أدرس فيها و تطعمني مجانا لأجل احتياجي وافتقاري لكوني من بيت لا يسع لأهله أداء الرسوم الشهري التعليمي والمطعمي فكان خير دار لي هذه الكلية التي لا تتقاضى من الطلبة مؤونة التدريس وتكاليف الإقامة والإطعام فتوجهت إليها ولم أكن قد سافرت إلى مكان ما من قبل فلم أتمكن من البلوغ إليها ورجعت بالإخفاق أصيلاً ولكن لا إلى بيتي بل وذهبت إلى بيت عمي غلام محي الدين المرحوم في صفابورة وهو يبعد عن باديتي خمسة وعشرين كلوميترا وأسررت إلى ابن عمي عبد الرشيد وهو غير ابن عم لي الذي عيرني بالرسوب فسألته أن يرافقني إلى الكلية إن كان عارفًا بالطريق المؤدي إليها فلبى طلبي وصاحبني حتى وصلناها وقابلنا عميد الكلية مولانا قاضي غلام حسن كان متخرجًا في دار العلوم ديوبند لاتسأل عن خلقه وعلمه وورعه وزهده فسألني عن مسكني فأجبت من بانديفورة من بادية تمسى أرن فقال هنالك تلميذ لي اسمه شريف الدين- وهو والدي - فقلت أعرفه فقطع عبد الرشيد كلامي قائلا: هو أبوه وكان أبي قد تتلمذ عليه وتلقى منه العلم قبل سنين عددًا وكان أبي قد صاحب ابن عمي نذير أحمد الفائز في الامتحان الذي رسبت فيه لمواصلة الدرا سة إلى الكلية نفسها قبل أشهر وأما أنا فقد أخفيت عليه ما أنا ناو وقاصد لأني أنا الذي كنت أقوم بجميع شؤون البيت من جلب الحطب إلى كنس البيت وطبخ الطعام فكيف كان لي أن أغادر البيت وكيف يمكن لي أن يسمح لي بمغادرة البيت و أنا قيمه. وعميد الكلية لا علم له بخليفة التحاقي بالكلية وحقيقة حالي فشك وارتاب في شأني وسألني لم لم يصاحبك أبوك وصاحب ابن عمك فبحت بما كان ورائي فلم يتجسس أكثر غير أنه سألني ما ترجمة" جلس زيد " بالأردية فأجبته من فوري ولم أكن أعرف من اللغة العربية إلا هذا فحسبني ذكيًا ولم أكن بذكي فلم يلبث أن سجل اسمي في الصف الابتدائي وأما نذير أحمد فقد سجل في المولوي الأول وهو بعد الابتدائية ولما تم التحاقي عدت إلى بيتي لآتي بالملابس ولم ذلك إلا قميصًا خشنًا وسروالاً كنت أستحيي منهما وهما يستحييان مني وعبأت لحافًا وفرشًا كانا يحكيان زمن دقيانوس، ولم أكن امتلك أجرة أجرة للحافلة فأعطتني ابنة عم لي عشرين روبية حسبتها عشرين ألفًا لأنها أمست لي بلغة إلى الكلية هذا ما يدل على أن أبي لم يكن راضيًا عني بمغادرة البيت لأني كنت صرت غمام البيت وهمام العائلة في قول أبي الطيب فكأن أهل البيت قالوا لي : أين أزمعت أيها ذا الهمام : نحن نبت الربا و أنت الغمام
ولكن الغمام كان قد أزمع على ال رحيل و أنى له أن يرى رأى آخر أ ويرجع القهقرى حتى وصل إلى محطه وطفق يدرس ليزيل عنه عار الرسوب في جو الحرية وقضى أربعة أشهر ولم يتلق من أبيه من عناية ولا رعاية لسخطه عليه. نعم ،كنت أريد أن ألفت نظر والدي إلى نفسي لكونه ساخطًا علي لفراري من البيت دون إذنه فكتبت إليه رسالة بعد أربعة أشهر بلغة الضاد ذاك وفق ما أمكن لي كان أبي عارفًا بها فلما وصلت رسالتي إليه فرح بقراءتها واستنار وتهلل بشرا كأنه استيقن أن ابني هذا سيكون له شأن في المستقبل وأن فراره سيأتي بأكل يانعة فارسل إلي خمسين روبية حسبتها لي خمسين مليونًا وتيقنت أني فزت بما رمته ونجحت في هدفي ثم واصلت خيراته إلي وعطاياه ولم تنقط عقضيت خمس سنين في هذه الكلية وتلقيت العلوم الإسلامية الشرقية من أساتذة بررة وعلى رأسهم القاضي غلام حسن عميد الكلية والشيخ نجم الدين والشيخ عبد العزيز والشيخ محمد اكبر اللولابي والشيخ غلام الدين القاضي
و الشيخ عبد القيوم عليغ وحزت شهادة المولوي الفاضل من جامعة كشمير وذلك عام ١٩٨٤م فشكرا لمدراء هذه الكلية وأساتذتها وخدمها وجدرانها ورحابها وأشجارها ولما عدت إلى باديتي بعد تخرجي في الكلية قال لي أبي ذات يوم أود لو تواصل دراستك في دار العلوم التابعة لندوة العلماء في لكناؤ، ولم تكن هذه الدار معروفة في كشمير إلا أن الشيخ معروف حكيم الندوي الأستاذ في التعليم العالي في دولة كشمير كان يسكن قريبًا من مسكننا ولكن والدي لم يكن متأثر به في شيئ غير أنه كان قد قرأ كتاب المختارات في الأدب العربي لشيخنا المبجل العلامة أبي الحسن الندوي المرحوم في الكلية الشرقية التي تخرج فيها كما تخرجت كان الكتاب قد أخذ مأخذه من قلبه وعقله وكان أثره فيه بالغًا فمن هذا الكتاب نفسه حصل على عنوان ندوة العلماء فقال إلى هنا تسافر وتتلقى فيها العلوم.
قبل أن اسافر إلى ندوة العلماء لابد هنا من أن أقول هو أن أبي تزوج ثانية بعد موت أمي بسنة أو سنة ونصف لا استطيع أن أقول بالضبط ولتأكيد ثم طلقها بعد أن ولدت ولدًا و هو أخي فريد أحمد وكان يتوخى و يتحرى عن أخرى فأمسيت عائقا له في ذلك كي لا يتشتت أخواي وأختاي ولا يتألموا ويتوجعوا من دخول بيتنا من نفس لا علاقة لها بنا غير أنها زوج أبينا وهي التي لم تلدنا وهي التي لا تتألم بألمنا ولا تعرف مشاعرنا و أحاسيسنا ولو عرفت فليست هي أمنا الأصيلة تتململ و تتقلب بما يصيبنا كما تتململ الأم التي ولدتنا كانت بين يدي أمثلة لبيوت أمست خرابًا ووجارًا وجهنم يصلاها هؤلاء الأولاد الذين فقدوا أمهم وأخذت مكانها ثانية. ولكنه لا مفر لأبي من ربة البيت تدير شؤونه فيسنح له الوقت لكسب القوت للأفراخ فتزغزغ لهم الأم الثانية سقت لك هذه القصة القصيرة كي تعرف لم كان أبي يريد نأيي عن بيتي كان رحمه الله يشاء صيد طائرين بحجر واحد كما يقول المثل الإنكليزي ولكن )عسى أن تكرهوا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (أراد لي التعلم ومواصلة الدراسة وأراد لنفسه التزويج وحق له أن يفعل ذلك فكتبت رسالة إلى ندوة العلماء تسلمها
الاستاذ سحبان الشرق السيد سلمان الندوي فكتب الرد يقول فيه تلقيت رسالتك الطيبة وأن طلبك مقبول فلما تلقيت رسالته تهلل وجهي بشرُا ولم أتمالك نفسي وبشرت أبي بالخبر السار فتلقاه بسرور أشد من سروري لأنه نجح في مرماه ونال بغيته وما زلت انتظر شهر رمضان وذاك سنة ١٩٨٥م لأن إجراءات التسجيل لا تتم إلا في هذا الشهر في دور العلوم في الهند ولكني سمعت من في الفرس أني لا أحتاج إلى هذا العمل فمضى شعبان ورمضان واشتد خفقان قلبي لكوني مسافرًا أول مرة إلى بلد بعيد عن بلدي وأنا بدوي يريد أن يصبح ندويًا لا يعرف طرائق بلده فضلاً أن يعرف الطريق الموصل إلى لكناؤ وقد خوفني بعض الخلان قطاع الطرق و الصعاليك فاستعددت لمواجهة كل معضلة ونازلة مترقبًا شهر شوال الذي يتم فيه تسجيل الطلبة الجدد في الدار حتى آن وقت السفر فتجهزت له وتزودت بكل ما أمكن لي من الملابس عبعتها في حقيبة صغيرة مصنوعة من جلد رديئ خفيف يرى عليها مخائل الفقر والبداوة جاء وقت الفراق والوداع وسلم والدي المرحوم لي خمسماة روبية كما أعطاني ابن عمتي محمد أفضل شاه المرحوم روبيتين وودعني اختاي وصاحبني أخي الصغير محمد منظور الحق إلى بلدة تسمى باندي فوره وسلمت له تلكم الروبتين اللتين أعطانيهنا ابن عمتي وودعت أخي بدموع ساخنة وقلب خفاق فجاوبني بالدموع أكثر مني لأني كنت الوحيد الذي قام بتربيته وتنشئته منذ ماتت أمه ولم يكن يتجاوز السنتين من عمره حين فارقت أمنا الحياة فكان بعدي عنه وتركي إياه لا يقل عن صيحة نزلت من السماء أو رجفة ارتجفت بها الأرض فلم أتمالك نفسي عند الف راق وقتما رأيته يسخو بالدموع الحارة وتكلفت الإعراض عنه وبي ما بي من الحزن و البث لم أقدر على بثه وكنت كما قال الشريف ألرضي: نسرق الدمع في ال جيوب حياء : و بنا ما بنا من الأشواق وتوجهت نحو سرينغر و قضيت الليل في غرفة صديق لي غلام رسول اسما وكان زميلاً لي في الكلية الشرقية ولما كان الغد يممت نحو جامو و هي عاصمة دولة جامو وكشمير في الشتاء وأما في الصيف فكشمير عاصمتها ومن جامو كانت القطر كلها تتحرك إلى بلدان الهند و أما المسافة بين كشمير وجامو فكانت تقطع في يوم كامل عند وصولي إلى جامو استأجرت غرفة في فندق وتعشيت وصليت فتكلفت المنام وأنى لي أن أنام وفي الصباح الباكر غادرت جامو شطر لكناؤ ولم أكن حجزت المقعد للنوم لجهلي عنه فلم أنم طوال السفر الطويل الذي استغرق ستا وثلاثين ساعة حتى وصلت إلى محطة لكناؤ وكان التعب والأعياء قد أخذ من جسدي كل مأخذه وأمسيت أشعث أغبر يرى علي مخائل النصب والهزال الشديد واصفر لون وجهي فحينما وصلت ندوة العلماء أنشأ الطلاب يرون إلى كأني وحش من الوحوش فر من غابة او فر من قسورة وبدأ بعضهم يسألني عن اسمي وعن وطني وأنا تعبان جوعان عطشان لا أريد أن أتكلم بأحد ولا أن يسألني أحد شيئا ألقيت حقيبتي من كاهلي وبالتالي طرحته ورميته وطلبت الشاي من صاحب المطعم ثم دخلت الرواق الذي في الواجهة يشرف عليه الشيخ عبد العزيز البتكلي وكان دخل الغرفة التي أمرت أن أدخله طلبة كمثلي من مختلف البلدان وشتى الأقاليم والمناطق ذوو ألوان وألسن وأمزجة منوعة من أسر وعائلات مغايرة ومتضادة ولكن بغيتهم واحدة وهي الحصول على الالتحاق بالدار ورأيت أن بعض الطلاب لم ينجحوا في مرادهم و بعثوا إلى أجنحة لدار العلوم خارج لكناؤ فوقعت في حيص بيص فيما يفعل بي ولم أتصل بمتسلم رسالتي الشيخ سلمان الندوي وذلك ليس من عادتي أن أجعل إنسانًا واسطة بيني وبين غرضي ذلك لأن فيه تشابها بينه وبين قول المش ركين ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إلا أني أقلقت لئن لم أنجح فما يكون عقباي وقلت في نفسي لو ان إمام المسجد قرأ سورة النصر في صلاة المغرب فإني أكون من الفائزين الناجحين فوقع ما وددت وتمنيت واستيقنت أني من المقبولين دعيت في اليوم التالي للمقابلة في معهد اللغة العربية في مكتب عميد اللغة العربية وآدابها الشيخ واضح الرشيد الندوي فاكتحلت عيناي بزيارة أساطين العلماء وأفاضلهم وشموس اللغة العربية وآدابها الشيخ محمد رابع الحسني الندوي والشيخ سعيد الرحمان الندوي والشيخ واضح الرشيد الندوي وقد لبى نداء الله الشيخ الرابع ثم الشيخ واضح والشيخ سعيد الرحمان الندوي هو في قيد الحياة إلى هذه الآونة أطال الله بقاءه مع الصحة والعافية هذه أولى المصادفة بهم وقبل أن أواجه أسئلة من قبلهم سألوني عن مسكني واسمي وفي الوقت نفسه جاء غلام شاب بالشاي والشاي كما يعرف أصحاب الذوق السليم مأسر العلماء ومأصرهم فانشغل الأساطين بشرب الشاي إلا أن الشيخ واضح الرشيد الندوي طلب مني قائلا: وانشغلوا بالتلاعب ببعض الفواكه الجافة ورشفاتن(h انسخ لنا بعض السطو رعن سفرك من كشمير وإلى لكناؤ لك الشاي فاغتنمت الفرصة وانتهزت انشغالهم بالكلام وطفقت أسطر ما بدا لي وما شاهدت وما حدث بي طوال السفر غير أن لغتي العربية كانت رديئة للغاية وخطي أردأ منها وكنت أحمق ) بالشد على الميم( نفسي بأني أتقن اللغة و أنا تاجرها و ابن بجدتها كمثل ضرير بين الناس يحسب نفسه من المبصرين ولكن اجترائي حملني على هذه السفاهة وكتبت غير مبال بعمالقة اللغة أمامي فلما انتهوا من شرب الشاي طلب مني الأستاذ المرحوم واضح الرشيد الندوي تقديم ما زبرت ودفعت إليه ما وحيت فتشاوروا بينهم حتى قبلوا التحاقي فلا تسل عن سروري وانبساط قلبي وكان الصف المطلوب العالية الثالثة في الأدب فلم يغيروا شيئًا فتيقنت بأني ماهر في الكتابة ولم أكن شيئا يذكرو في اليوم نفسه أنبئت عن غرفة إقامتي وهي غرفة رقم ٢٠ اسم دار الإقامة شبلي الشرقي مولانا فخر الحسن الندوي السلطان بوري ومولانا نوشاد أحمد البهاري ومولانا جميل احمد المهاراشتري كانوا شركاء لي في دار الإقامة لمدة ثم الشيخ محمد أمين السلفي الغوندوي وطالب آخر لا أذكر اسمه كان نالندويا وسليم أحمد من مرادآباد كانت لنا فيما بيننا صلات أخوية وعلاقات متينة وكان السلفي أقرب إلي من هؤلاء لأننا كنا نشارك الفطور ونتنافس في الدراسة قلما كنا ننام فإذا وجدته مثلاً في منتصف الليل عكوفًا على كتاب كان ذلك أشد الأوقات علي فانهض وأبدا أدرس وإذا أبصرني دارسًا وهو نائم وقعت عليه كمثل صاعقة من السماء سمعت انه طار إلى جزيرة العرب لم أقل السعودية لأن الاسم الحقيقي هو جزيرة العرب في الحديث أخرجوا اليهود من جزيرة العرب وأمسى معتمدًا لشيخ من شيوخها - وبجانب غرفتنا كان يقيم صديق لي يدعي اي سي أبوبكر الصديق من كيرالا كنا دائمًا نبادل الآراء وكان شافعيًا نتكلم دوما بالعربية كان يصلحني وأصلحه لم يكن الغضب من عادته كما كان من عادتي ولا أنسى زميلي أنيس لقمان من مهاراشترا أذكى الطلاب وقد أعطي ملكة على الخطابة في كلا اللغتين الأردية والعربية إلا أن أرديته كانت أقوي له من العربية هو الذي نقل تذكير القرآن للعلامة الشيخ وحيد الدين خان إلى العربية الفصحى سمعت من فم الفرس أنه طار إلى جزيرة العرب كما طار محمد أمين السلفي وأكرر لاحقة السلفي لأن صاحبه كان يحبها على روحه وكان يبتهج بتكري ري إياها، وأما بالنسبة إلى أنيس لقمان فقد ذكر الشيخ وحيد الدين خان المرحوم أن أنيس لقمان سئل في الجزيرة من أنت؟ فأجاب : أنا ناقد أكبر نقاد الهند يعني وحيد الدين خان. وعندما دخلنا الصف في اليوم الثاني وكنا على وشك تلقي الدرس من الشيخ شفيق الرحمان الندوي صاحب الفقه الميسر على مذهب أبي حنيفة النعمان إذ تفرت كلمة سيئة من طالب مظاهري بنغلاديسي عبد الرحمان قال : المودودي كان مردوديًا فلم أتمالك غضبي عليه فلطمته بجمع يدي اليمنى غير مبال ما يفعل بي وغير مكترث لما أواجه من سخط الأ ساتذة فقام هو من جانب آخر فأصبح الصف فوضى حتى دخل الشيخ الصف وصادف ما صادف فاستشاط غضبًا على حالة الصف وسأل الطلبة عما حدث فأخبر ولكنه لم يلبث أن سكت عنه الغضب وأخذ الكتاب وجعل يدرس أذكر ذلك اليوم إذ حماني أنيس لقمان وشفعني وقد كنت وترا وعلمت أنه صاحب علم قد طالع كتب كبار العلماء مثل الشيخ المودودي رحمه الله و أنه متأثر بكتبه.
س: من هم الأساتذة الممتازون قد تلمذت على أياديهم، واستفدت العلوم العربية والدراسات الإسلامية منهم، وما هو دورهم الفعال في بناء شخصيتك الفذة؟
ج: تتلمذت على أساتذة كانوا عمالقة في مجالات شتى في العلوم الإسلامية و العلوم العربية و التاريخ و الفلسفة و السيرة والسياسة العالمية والجغرافية والفكر الإسلامي والأفكار المعارضة للإسلام وحقا وجدت نفسي في بيئة إيمانية سمحة بعيدة عن الخلافات المسلكية والمذهبية والعصبية وجوا حرا في الائتلاف والتضامن والتآلف بين الفرق الإسلامية والأحزاب المتنوعة وجوا جامعا بين دار العلوم الديوبندية وجامعة على جراه الإسلامية وبين القديم الصالح والجديد النافع ولكن أبناءها إما مالوا إلى الفكر الأول الديوبندي وهو الغالب عليهم في داخل الدار وخارجها غالب علمائها ومتخرجوها يحسبون أنفسهم منهم وأما أن يقوموا بالتآلف بين الفكرين فلا نجد له أثرا ولم تعد ندوة العلماء جسرًا بين هؤلاء وهؤلاء وقد أسست ندوة العلماء لهذا الغرض السامي وقد شاهدنا أن علماءها إنما يتحزبون لعلماء دار العلوم الديوبندية ويفضلونهم على غيرهم ويذهبون مذهبهم وينسجون على منوالهم في الفقه والفكر ويميلون عن غيرهم إليهم فكأنها فسقت عن مقصدها الأساسي وقد تدرس فيها اللغة الإنكليزية كما تدرس العربية في الكليات الحكومية والتجدد الذي دعت إليه ندوة العلماء قبل قرن لم يزدهر ولم يترق والجمود في الفكر هو سائد على الدور كلها إلا ما ألجأتها السياسة إلى قليل من التطور والتجدد ولم تختص بها دارنا هذه ولكن اللغة التي أكتب فيها هذه السطور رهينة لهذه الدار وهي التي علمتني الحياة وهي التي ثقفتني وهذبتني وأوقدت القناديل في قلبي إذ كان مظلمًا وأنقذتني من الحضيض الذي كنت واقعًا فيها من الجهل بالحياة من الجهل بالعقيدة الصحيحة من الجهل بشؤون العيش و هي التي أهلتني بالحصول على نيل الماجستير في الفلسفة والدكتوراه وجعلتني عزيزًا بين أقراني وأترابي كيف أنسى ذلك كله أليس جزاء الإحسان إلا الإحسان
أحسن بقول البحتري الذي قال:
أكفر النعماء عندي و قد نمت : علي نمو الفجر و الفجر ساطع
وأنت الذي أعززتني بعد ذلتي : فلا القول مخفوض و لا الطرف خاشع
وأغنيتني عن معشر كنت برهة : أكافحهم عن نيلهم و أقارع
فلست أبالي حاد بالعرف باذل : على ارغب أو ضن بلأخير مانع
تتلمذت على كبار الأساتذة المتخصصين في علم الحديث والتفسير والفقه وعمالقة اللغة والأدب لهم علو كعب في فنون العلوم و الفنون لهم كبير باع في علم الفلسفة والسياسة العالمية والحركات الإسلامية في العالم وخبرة بالحركات الهدامة وبصيرة نافذة فيما يحاك ضد الإسلام والمسلمين وما يبيت للمسلمين في البلاد لهم أعين ثاقبة فيما يعمله المستشرقون والمبشرون واليهود ومن والاهم وهم يتخلقون بأخلاق الصحابة فهم أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما وأبعدهم تكلفا، تلقيت العلم الندوي الداعية الكبير في بيته ومستقره راي بريلي ألقى علينا دروسًا من العلامة سماحة الشيخ أبي الحسن علي عن مؤلفه" روائع اقبال" كان من سقنا الشيخ نذر الحفيظ الندوي المرحوم و الذي كان يقرأ شعر إقبال بالأردية بصوت رخيم شجي ندي هو مولانا نياز أحمد كما أذكر ولست متأكدًا في الاسم ثم كان يلتمس مولانا نذر الحفيظ من سماحتنا بشرح تلكم الأشعار التي قرأها علينا المنشد ولا أنسى إذ أنشد قصيدة "مسجد قرطبة " ففاضت العيون وانسكبت الدموع وارتعدت الجلود لأن ذلك الشعر قد خرج من قعر قلب الشاعر ولا تسل عن شرح العلامة تلك القصيدة وعلاقته الوطيدة بينه وبين الشاعر أنبأنا العلامة أنه قام بتعريب بعض شعر إقبال وسعد بتقديمه إليه فابتهج بذلك ابتهاجًا شديدًا وبينما كان العلامة يملؤنا بتجاربه وعلاقته بشاعر المشرق تجاسرت يومًا وقلت له ما قاله العلامة وحيد الدين خان المرحوم بنسبة شعر لإقبال جاء خلال الدرس:
دشت تو دشت ہيں دريا بهی نہ چهوڑے ہم نے بحر ظلمات ميں دوڑا ديئے گهوڑے ہم نے
فقال لا يعتبر به فضحك الطلاب مني واستهزؤا بي على اجترائي، وألقى العلامة محاضرات حول الحركات الإسلامية المختلفة وتكلم عن المتحفظين والمتجددين وأعلام التجدد والتحفظ وعلى زعماء الإصلاح والصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين كان ذلك الشهر الكامل زهرة الحياة وربيعها سنح الله لنا الفرصة لنرى هذا الشخصية الفذة اليتيمة الذي كان كبار العلماء والفضلاء وأصحاب السلوك والأدباء يتمنون زيارته ولقاءه وكنا نحظى كل يوم بالتلقي منه لساعات طوال و نستفيد من خبراته ونصائحه وعلمه الغزير الفياض المتدفق الزاخر الدقيق العميق ونظراته الثاقبة النافذة وتأملاته المستغرقة كان يقتلها بعبراته الساخنة الحارة تستدرها ما يعانيه المسلمون ويكابدونه في المعمورة كلها بأيدي أعداء هذا الدين القويم من قديم الزمان وبأيديهم أنفسهم في معظم البلاد الإسلامية كان يحمل بين جوانحه قلبًا خفاقًا سليمًا مضطربًا حزينًا لما يرى من حالة المسلمين ويتفكر في حل القضايا يعقد لها ندوات ومؤتمرات ومجالس فيعرض قلبه أمام الحشد العظيم وكبار السامعين والمتثقفين والزعماء وأصحاب الجاه والحجى والنهى والعلم وذلك في العرب وفي العجم لا يخاف في ذلك لومة لائم له علاقات مع كبار الزعماء والعلماء والساسة وهو يكرم عند الجميع لنجابته وشرافته وأصالته وعراقته وفضيلته وعلمه الجم. سعدت بالأخذ من بحره الزاخر والتتلمذ عليه مرتين في راے بريلی في مستقره فاطلعت على حياته الاجتماعية والفردية فرأيت السذاجة والبساطة من عادته وفطرته وذكر الله في كل حين من أحيانه ديدنه كما آنسته دائم الفكرة حزينا كان ضحكه التبسم لكونه متخلقًا بأخلاق من جاء إلى الكون ليتم مكارم الأخلاق .
كنت لا أنفك أزور الشيخ بعد صلاة العشاء مجلسه الذي كان ينعقد كل ليلة عادة فلا أزال استمع إلى نصائحه وخبراته ولم يكن يلفظ درره إلا إذا لمس أحد من الأساتذة نبراته ومس عيدانه فكان كالبحر يلقي إلى السواحل جواهره ولآليه فكنا نترقب الشيخ الأستاذ الفقيه برهان الدين السنبهلي المرحوم قدومه كي يسأل الشيخ العلامة فيجيب هو عن سؤله ونستفيد نحن كما قيل أن الصحابة كانوا ينتظرون أعرابيًا يقدم إلى مجلس النبي لجراءته على السؤال وكنا أيضًا ننتظر قدوم الشيخ نذر الحفيظ الندوي الأزهري لأنه كان أقرب إلى الشيخ فيسأله بعض أسئلة كهيئة تلميذ فيكرمه بالجواب ونستفيد منه وسعدت بعض الأوقات بتدهين رأس الشيخ كأني أجمع خزائن الدنيا وكنوزها يا لها من أيام وليال !!! أذكر أيام الحمى ثم انثني: على من خشية أن يتصدعا وليست عشيات الحمى برواجع : إليك ولكن خل عينيك تدمعًا درست على الشيخ الرابع الحسني الندوي وكان يدرسنا كتابه " الأدب العربي بين عرض ونقد " فكان يقول خلال التدريس يقول صاحب الكتاب يعني نفسه كم يبتهج الطالب الواعي إذا درس على مؤلف الكتاب كتابه وسمع منه قوله : أحسن صاحب الكتاب هنا قوله وسمع منه قصة تصنيفه وتأليفه وما كابده من مشاكل في جمع مواده وعن تسويده وتبييضه ثم طبعه ونشره ومن ساعده في إخراجه وإعداده وقد كنت طالعت كتابه "جزيرة العرب" وهو كتاب فريد في موضوعه باللغة الأردية في أسلوب سهل ممتنع وغرضه من تأليفه إطلاع أهل الهند وباكستان والذين لغتهم الأردية على مولد النبي ومهبط الوحي السمائي كي يسهل عليه فهم سيرة النبي والأمكنة التي ذكرت في القرآن والحديث والشيخ أديب أريب فطري فكري تترشح النجابة والشرافة من محياه يستطيع تحويل أقسى شيئ إلى ألينه وأبغض إنسان إلى أحبه وأصعب قضية إلى أسهلها برؤياه يتروح رائيه وبكلامه يستلين القلب القاسي وبسكوته يسكن الأ رواح لم أره يبغض قط ولا يسخط على أحد مهما بلغ تمرده وتماديه وعصيانه هو علام متواضع هين لين لم أحط بعلمه خبرًا قبل ذلك اليوم الذي درسنا فيه أمام دار إقامته بجانب المسجد قبيل منتصف النهار في ظل شجرة لا تزال هي في قيد الحياة ولو لم يدرس غير ذاك كان يكفينا طوال الحياة في ذاك اليوم سبرت غور علمه و فقهه وتفقهه وفكره وتعمقه في اللغة العربية والأدب العربي كأني طالعت ألف كتاب في ساعة ورأيت أنه أسرى بي إلى سماء العلوم والمعارف والآداب والفنون كان يحبي وكنت أبادله حبًا بحب شديد ولا يعزب عن بال ما للشيخ سعيد الرحمان الأعظمي من فضل علي الطلبة بأجمعهم غير الذين لا يودون التعلم كل طالب رهين للغته وأسلوبه وقد سمعت في مؤتمر بأذني رأسي من أديب عربي يقول خذوا الأسلوب العربي من سعيد الأعظمي والفصاحة من سلمان الندوي درسنا الشيخ" دلائل الأعجاز " لعبد القاهر الجرجاني و" أسرار البلاغة " للمؤلف نفسه و" المفصل " للزمخشري الشيخ يستطيع أن يؤدي معنى واحد بعدة أساليب كأنه مهاجم مغوار مقدام كمي باسل لا يترك حتي يحيطه من جوانبه كله يصرف يفصل يكر يفر ولا يدعه حتي يقره في الأفهام يذوب أمامه جلمود صخر فضلاً عن إنسان مهما بلغ غايته في شدته لا يماثله أحد في غضبه وإن لم يكن غاضبًا لأن الغضب من فطرته والشدة من شمائله والعبس من خصائله لا تغيره قيام ليليه أمام بارئه العنف والشدة والغلظة من عادته من عنفوان شبابه وغضاضة غضه لا لا تغيرها تلاوته القران ليل نهار ولا مجالس الشيخ العلامة الندوي ولا صحية الشيخ الرابع الندوي والشيخ واضح الرشيد الندوي لعل البغوي ذكر في وصف موسى عليه السلام أنه إذا غضب احترقت عمامته على رأسه. إلا أنه في بيته سمح يصب الشاي لضيوفه بيده ولا يسنح أحدًا حتى طلبته الذين هم خائفون من سطوته وبطشه ويغيرون الطريق إذا صادفهم أو اعترضوا في دربه فرصة صبه الشاي في الفناجين ولا يمكن لأحد أن يدعو غضبه ببسط يده للصب، هو مواظب كل المواظبة على أعماله كله لا يقدر على التأخير عن الصف ولا التبكير إليه كل أعماله على تقدير "إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " هو أسد ندوة العلماء من حيث الملكية والسيادة والسيطرة والتغلب من حيث إن كبار علمائها وفضلائها يخشون منه، قلت يخشون ذاك لأن الخشية هي الخوف مع التعظيم و العلم لذاك قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ولان جل أساتذتها تلاميذه تلقوا منه العلم وأخذوا منه اللغة والأدب العربي وعلم الإنشاء وفنه وصلوا خلفه الصلوات الخمس وذلك سنين عددا وكتبوا في البعث الإسلامي والرائد فهو الذي يصحح مقالاتهم ويشيرهم إلى أخطائهم إذا كان هنالك خطأ ما فله الصول والطول وله السيادة والقيادة في الندوة لسبب فضائله ومساعيه وتضحياته ومسؤولياته المتنوعة ويحق له أن يكون هو البطل الوحيد في ساحة الدار.
نعم ، لنا أستاذ أجل أعلى الله خلقه ودعته لم يضارعه أحد في سعة فكره في الحركات العالمية وأدبه و نقده متواضع كأخيه أخذ بناصية اللغة العربية وقادها حيث شاء وهو سمح هين لين هادئ يمشي رويدًا لا يلتفت يمينًا ولا شمالاً ولا يتكلم إلا إذا دعت إليه الحاجة إلا فلا حاجة له إلى التكلم فإذا تكلم لا يفتح فاه كلامه خافت لا يدرك معناه إلا من اقترب منه، سمعت من سماحة العلامة الشيخ الندوي أنه لا يوجد للشيخ واضح الرشيد مثال إلى أمد بعيد هذا رأي العلامة في هذا الشيخ إذا درس لفظ دررًا ولآلي وجواهر ولكنه لا يفتح فاه إلا قليلا فيا له من أسلوب دقيق جميل في التدريس كان يدرسنا تاريخ الأدب العربي الجاهلي والإسلامي والأموي وقد طبعت محاضراته وهي في مجلدين ، التمست من الشيخ يومًا ما لم يلتمسه أحد قبل سألته أن يعلمني التعريب والترجمة فلم ينكر وليس الإنكار من عادته ولا عادة أسرته و عائلته. ما قال" لا" إلا في تشهده : لو التشهد لكان" لاؤه " نعم وأمرني أن أحضر إليه في مكتب جريدة الرائد في الجانب الشرقي من ندوة العلماء كل يوم بعد القيلولة بقليل وذلك في الثالثة مساء فطفقت أزوره وأتعلم منه التمرين في الإنشاء وكيف يترجم من العربية إلى الأردية وبالعكس لمدة أشهر وانقطع هذا العمل بسبب العطلة في شعبان. لم يزل الشيخ مديرًا لتحرير هذه الجريدة طوال حياته التي قضاها حافلة بالتضحيات المضنية انا اذكر ذلك الوقت الذي سألته فيه أن يرشدني ماذا أعمل بعد التخرج في داري هذه فأشار علي أن أدرس في الندوة لعله قد لمح في عند تدريسه إياي أنا أهل بهذه الوظيفة ولكن مولانا الشيخ عارف السنبهلي نصحني بأن النبات لا تنمو في ظل شجرة باسقة وارفة الظلال ففهمت معناه أنه يريد مني أن أرجع إلى موطني وأعمل داعيًا إلى الله ومدرسًا ومعلمًا في مهبطي.
والذي تعلمت منه الفلسفة الدقيقة للحياة والعكوف على الدراسة والشفقة بمعنى هذه الكلمة هو عالم النفسيات وماهر علم الحياة والأديب الفطري الذي وهبه الله بسطة في فقه العلوم الاجتماعية وملكة ومقدرة فائقة في معرفة أمزجة الناس وباعًا كبيرًا في دقائق الأدب العربي وسذاجة وبساطة في العيش حتى أنه قليلاً ما كان يلبس العباءة (الشيرواني) ولو كان يرأس حفلة عظيمة دأب يشمر عن يديه إلى مرفقيه ويلقي خطبته لم يزل ولا يزال ساكنًا في سويداء قلبي وفي إنسان عيني ذلك لأنه كان يحرض الطلبة على مطالعة الكتب سوى الكتب المقررة ويحض على تدقيق النظر في كتب السلف في الأدب مثل: مشكل القرآن وكتاب غريب القرآن وعيون الأخبار والشعر والشعراء وأدب الكاتب لابن قتيبة الدينوري (٢١٣_ ٢٧٦)، ومؤلفات الجاحظ (١٥٩- ٢٥٥ ) مثل البيان والتبيين والحيوان وكتاب البخلاء والمحاسن والأضداد و مؤلفات الزمخشري ٤٦٧- ٥٣٨ ( مثل أساس البلاغة و الكشاف و كتاب المفصل في صنعة الإعراب و الأمالي لأبي علي القالي ) ٢٨٨- ٣٥٦ (
وغيرها من المؤلفات أمرني يومًا أن أطالع عيون الأخبار لابن قتيبة فرحت إلى المكتبة واخرجت الكتاب ولكن الشيخ المرتضى الندوي المرحوم منعني من أن أذهب به إلى الرواق لأن أوراقه كانت غليظة قديمة صفراء فخاف أن لا تتقطع أوراقه فشكوت ذلك إلى هذا الشيخ الجليل المرشد الغالي فذهب بي إلى رئيس المكتبة المرحوم والتمس منه أن يعيرني الكتاب قائلاً أنا ضامن له وأردفه قائلاً إن هذا الطالب يحرص على المطالعة فلا يناسب منعه الكتاب لعلك يا قاريء تتشوق إلى سماع اسمه أ لا وهو الشيخ الأديب الأريب الفطري الموهوب نور عظيم الندوي الأزهري السلفي المرحوم. الأستاذ شفيق الرحمان الندوي صاحب الفقه الميسر لعله أول أستاذ صادفته في أول درس كان بيانه واضحًا جليًا غير خفي إذ أني لم أكن أفهم كثيرًا ما يلقي علينا في الصفوف ذلك لعدم إدراكي لكثير من الألفاظ لتسرع الأساتذة في الكلام ولبعدي عن ثقافتهم كان الأستاذ يجعل رقابته على أعمال الطلبة ويلمح من ملامحهم وأسارير وجوههم ما لا يلمحه آخر من الأساتذة ولعله كان وكل إليه هذه الوظيفة لأن الطلبة يفدون من البلاد المختلفة فلا يؤمن مما يعش الشيطان في بعضهم ما يضر الدار وأهلها .
كان الأستاذ ماهرًا في التدريس و التعليم و التفهيم، الأستاذ الكبير حبيب الرحمان كان يدرسنا المفصل في صنعة الإعراب للزمخشري بكل دقة و تفصيل كانت النظافة والطهارة من ميزته كان لا يتأخر عن الصف قط فحدث يومًا أنه تأخر قليلاً فسألته عن سببه فقال : لبست الملبس الذي ألبسه للصف ثم دعتني الحاجة إلى الذهاب إلى دورة المياه لقضاء حاجتي فلبست لبا سه الخاص الذي ألبسه للمرحاض و قضيت حاجتي ثم لبست زي الصف لذلك تأخرت قليلاً كان دائمًا يحلق رأسه وشواربه ويأمر بفتح النوافذ إن كانت مغلقة ويجعل نظارته وشمسيته بترتيب على الطاولة وكان من شأنه أنه إذا قام إلى بدأ الكتاب ذكر صاحب الكتاب ودعا له وأمر الطلبة بالتأمين وإن تفرت كلمة من طالب يذكر فيها أن العبارة غير واضحة أو أن العبارة فيها تعقيد لفظي أو معنوي استعتبه واستعفاه ويظهر سخطه عليه ويستغرق في الدعاء له.
وقد ذكرت أن ميزته كانت نظافته وتطهره رآني يومًا قد سال المداد من قلمي فمسحته بمؤخر رأسي فعل الطلبة الصغار فقال لي إن جئت إلى بيتي لا أسمحك تتكأ بوسادتي كي لا تتسخ هذه الوسادة بالمداد الذي لصق برأسك وهذا الشيخ هو صهر الأستاذ المحدث أبي السحبان روح القدس الندوي. الأستاذ الداعي الرحوم المفسر الشيخ سجاد النعماني له باع لا بأس به في تفسير القرآن الكريم وحقائقه وأسراره وخفاياه تلقيت منه تأويل الفرقان لمدة عام واحد إلا أنه كان له درس عام في التفسير في مركز التبليغ في نذير آباد لكناؤ وذلك مساء كل يوم الأحد لم أهمل درسًا من تلكم الدروس طوال دراستي في ندوة العلماء وللأستاذ يد في تشكيل حياتي من حيث التربية و التعليم و التزكية و الطهارة إلا أني عصيته إذ أوصاني أن أخرج مع الجماعة في سبيل الله لعام واحد بعد التخرج فلم أتمكن منه واستحييت بعد من الاتصال به كما كان ينبغي لي لإحسانه إلي و منه علي وتثقيفه حياتي وتهذيبه إياها أنا نادم على ذلك حتى هذه الأيام .
تلقيت بعض الدروس من الأستاذ الحماسي الجليل الداعي الواعي منشئ شباب الإسلام وجامعة السيد أحمد الشهيد الخطيب الماهر سحبان الهند الفصيح والكاتب الكبير الذي لا يخاف لومة لائم لا في العرب و لا في العجم يقول ما يراه صوابًا صحيحًا الحبيب إلى جل الطلبة المحبوب عند الناس المعروف بين الأنام الشيخ سلمان الحسني الندوي الذي أمسى موضع نقد بين العلماء لبعض تفرداته و لميله إلى التشيع كما يزعم الناصبيون – وليس بتشيع في شئي- في قول بعض العلماء ولكشفه عن ستار بعض الأحاديث الصحاح الحسان يخاصم الناصبية بغير هوادة وبدون خوف ويجادل أهل التشيع لرافضتيهم دون مداهنة ولين، ولا أنسى الأستاذ الشاب المصري لعله كان يدعى الشيخ أحمد كان يلبس قميصًا قصير الكم وبنطلونا كانت لحيته قصيرة جدًا لذا كان علماء هذه الدار يزورون عنه أعينهم ازورارا وينغصونه ولا يريدون رؤيته لا نعلم كيف ورد هذا المعلم إلى هذه الدار التي هي في الهند حيث الإسلام هنا اسم للملابس الخاصة والزي الخاص واللحى الطويلة والسراويل القصيرة والقمصان المرسلة إلى السيقان و أما في مصر فلا يرون بأسًا في الملابس إلا أن تكون ساترة حتى سمعت من فم الأسد أن مسلمًا غير مصري ذا لحية كثة طويلة لقي رجلاً مصريًا فقال له المصري أ أنت يهودي؟ لأن اليهود من ميزتهم إعفاء اللحى إلى حد منكر مستكره. وقد سمعت أن الشيخ واضح الرشيد الندوي السمح الهين اللين الكريم الرحيم الواسع الفهم والفراسة والفكر والعالم بأحوال العالم قد غضب عليه يومًا وزجره على زيه وأرى أن هذا التطرف ساد ندوة العلماء بسبب اتصالهم بالشيوخ الديوبنديين المتصوفين وما ورثه الندويون من أسرة الشاه علم الله ومن أجداد السيد أبي الحسن الندوي، نعم كان الأستاذ المصري يدرسنا البلاغة الواضحة و كنت حافظًا لأشعار هذا الكتاب من أوله إلى آخره إلا بعضًا منه فكلما دخل الصف طلب من الطلاب أن يقرأ أحد منهم العبارة وكان هو نفسه يقرأ معه لآنه كان يحفظ العبارات والأشعار وكنت أقرأ معه فكان يحبني و كنت أبادل حبي إياه حتى وكان بعض الأحيان يدعوني إلى شرب الشاي معه كان أستاذًا أديبًا ناقدًا سمحًا.
تلقينا دروسًا ألقاها علينا الأستاذ المحدث الشيخ ابو السحبان روح القدس الندوي في المعهد العالي ولكن
لا أعرف ماذا كان موضوع محاضراته إلا أنه كان يكتب لجريدة الرائد " درس من الحديث " وكان يكون
درسًا رائعًا بهيجًا ممتعًا جدًا يقوم بتخريج الحديث وشرح ألفاظه ثم يذكر معناه بلغة فصيحة جدًا يتحلى الأستاذ بشمائل سمحة وأخلاق حسنة ألفيته دوما لين الجانب دعته جامعة علي كراه الإسلامية إلى إلقاء محاضرتين أمام أساتذة الكليات والجامعات في الدورة التنشيطية ظهرت فيهما براعته في اللغة والأدب وكنت أنا الذي أجيبه عن أسئلته فكثيرًا ما قال هل هنا أستاذ آخر يجيب سؤالي غير د. مظفر الندوي و ألقى محاضرة أخرى أمام حشد من الأساتذة الكبار والباحثين أعار كل منهم سمعه إليه واستمعوا إليه بسكون وأسكت الجميع أحسب أن تلك المحاضرة كانت بيت القصيد. استفدت من مكتبة شبلي كثيرًا وكانت تفتح في أوقات الدرا سة من السابعة صباحًا إلى الواحدة فلم يكن يمكن للطلبة الاستفادة منها فكتبت طلبًا إلى المهتمم الشيخ محب الله الندوي المرحوم شاكيًا إليه من عدم استفادتنا من المكتبة العامة لسبب انشغالنا بالدراسة خلال انفتاح المكتبة على مصراعيه لغيرهم فقال لي هذه أولى الطلبات من نوعها لأن الطلاب إنما يشكون إلي من أصحاب المطبخ ودور الإقامة لا غير فاستجاب الشيخ لطلبي وأمر المسؤولين عنها أن تكون المكتبة مفتوحة بعد المغرب فمن ذلك الوقت تكون المكتبة العامة مفتوحة للجميع إلى العتمة وتغشاها الطلاب للاستفادة.
للمكتبات دور مهم جدًا في تثقيف عقول النشء وتهذيبها وتجميع الآراء والأفكار والثورات العالمية وهي مصدر مهم من مصادر تشكيل المحيط وتوفير موارد المعارف والعلوم والفنون للباحثين والبحث عن الحقائق ويوفر فرصة لتبادل وجهات النظر وتتيح للفرد وقتًا للتعلم الذاتي الذي يخلق منه فردًا مبدعًا ومطلعًا على قضايا مجتمعه وما حوله ولها دور في تشجيع القراء على القراءة المزيدة لكونها مركزًا للمصادر والمراجع والتحف الفنية الجميلة الرائعة وبيتا للبحث العلمي الذي ينتج عنه ثقافة راقية سامية و هي التي تميز كل مجتمع من المجتمعات الأخرى بالإضافة إلى دور المكتبات في حفظ التراث الثقافي في كل مجتمع والإرث الثقافي يشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر الثقافة التي لا تقوم إلا بها فقد عرفت الثقافة بأنها ذلك الكل المركب الذي يتضمن المعارف والعقائد والأخلاق والعادات والفنون والقوانين، وأي قدرات يكتسبها الإنسان نتيجة لوجوده في مجتمع ما فهذه هي الأمور التي تسعى المكتبات لحفظها واختزالها عبر العصور والدهور.
والقارئ يطلع فيها على علوم وفنون وثقافات وحضارات وعادات لم يكن له به عهد فهي تلقي الإنسان في
بحر لا يعرف ساحلاً وميدان فسيح ووسيع لا نهاية له ولا غاية . لكنه لابد للطالب من استشارته معلميه
ومدرسيه في اختيار الكتب للمطالعة ولا يكون كحاطب ليل في اختيار الكتب للمطالعة و
ذلك يضره في بعض الأحيان وقع نظري على كتاب الروح لابن القيم وبدأت أطالعه فكأني جعلت أتيه
في المهامه والصحاري في أودية الجان لعل وجهي قد اصفر مما أحس رعبًا ودهشة فشعر به الشيخ
عارف السنبهلي المرحوم الذي تلقينا منه بعض الدروس في تفسير القرآن فقال هل أنت في صحة ؟ قلت
: نعم ، قال : فما بك ؟ أجبت ليس بي شيء يا أستاذ، قال أ أفطرت ؟ قلت : نعم ، فقال : فأي كتاب
تطالع في هذه الأيام ؟ فأجبت كتاب الروح لابن القيم فأمرني أن أرده إلى المكتبة بعد انتهاء الدرس،
وقال اقرأ كتب ابن القيم كلها إلا هذا الكتاب . سقت هذا الحديث كي ندرك دور الأستاذ في اختيار
الكتب للمطالعة.
س: متى التحقت بدار العلوم التابعة لندوة العلماء بلكناؤ، وفي أي سنة التحقت فيها، وما الكتب التي
درستها فيها كطالب للغة العربية وآدابها؟
ج: تخرجت في ندوة العلماء عام ١٩٨٩ الميلادي بعد أن ألزمنا الأستاذ الشيخ شمس الحق الندوي مدير
مجلة" تعمير حيات "الأردية الشهرية وكان يدرسنا المنثورات لسماحة الأستاذ الكبير الشيخ رابع الندوي
المرحوم وكتاب المختارات للعلامة الشيخ الندوي بأسلوب جميل رائع دقيق رشيق وهو أديب اللغة الأردية
بجانب اللغة العربية و له خلق حسن يختلط مع الطلبة يعانقهم و يصافحهم و يتحدث إليهم كأب رحوم
عطوف و يحض الطلبة على إلقاء المحاضرات ويمهد لهم الطريق ليمسوا خطباء في المستقبل يقدرون به على نشر الدعوة الإسلامية في مواطنهم ومساكنهم بأسلوب رائع حسن يتصدر المحافل والمجالس له دور فعال مهم في هذا المجال كنت أتحدث أن هذا الشيخ ألزمنا نحن الطلبة المتخرجين كتابة أطروحات على مواضيع مختلفة فاخترت أن أكتب أطروحتي عنوانها " كعب بن مالك الأنصاري وإنتاجه الأدبي " فكتبت بحثًا علميًا وعرضته على أستاذي الجليل الشيخ رابع الحسني الندوي وطلبت منه أن يشرفني بكتابة تقديم لهذا الكتاب فكما قلت : أنه لم يقل لا قط فشرفني وقدم الكتاب وقد جاء فيه: وقد أحسن الأستاذ مظفر حسين الندوي الكشميري بأنه ألف كتابًا يبحث فيه شخصية كعب بن مالك ونثره وشعره
وألقى الضوء فيه على مجتمع المدينة المنورة والأسرة التي نشأ فيها كعب بن مالك وأبرز عنصر الجمع بين الكمال في النثر والنظم وشرح مجالات النثر ومجالات النظم وأقسامها وآراء الناقدين في أقسام النثر وأقسام الشعر ومكانة كعب بن مالك بين شعراء عصره.
والكتاب له قيمة تاريخية ونقدية. فقد قدم المؤلف خلاصة مطالعته الواسعة في هذا الموضوع فلم يعد الكتاب كتابًا يبحث عن الجانب الأدبي لحياة كعب بن مالك بل يشتمل الكتاب على مباحث نقدية وتاريخية وفنية تفيد الدارس في التاريخ الأدبي والنقد الأدبي. أسأل الله تعالى أن يتقبل جهده وينفع به المتأدبين وينفع الكتاب أيضًا في نفخ العاطفة الإسلامية والحمية الإسلامية في الشباب سواء في النثر والنظم . وأرى أن هذا الكتاب يكون نموذجا طيبًا يسير عليه المشتغلون بالبحث والدراسة والعرض والتحليل لموضوعات أدبية في المنظور الإسلامي والله هو الموفق ٢٦/١٢/١٩٩٨م قضيت خمس سنين في ندوة العلماء كانت هذه المدة زهرة حياتي وفرصتي الذهبية لأنها شكلت حياتي ومنحتني ما لم أكن أتيقن إذ كنت في جهالة الجهلاء وعماية العمياء رسخت في الإيمان بالله ورسله والثقة بالدين القويم والاعتماد على الله وعلو الهمة والسعة في الفكر والبعد عن المخاصمات المسلكية والمذهبية والجدليات العنصرية ورسخت في نفسي قوة الدعوة إلى الله بغير مداهنة ورزقتني الجرأة على النهي عن المنكر أكثر من الأمر بالمعروف وبث العلوم الإسلامية.
س: بعد التخرج من دار العلوم التابعة لندوة العلماؤ بلكناؤ، التحقت بجامعة لكناؤ، فسؤالي هنا في أي سنة التحقت بها؟ وما التخصص التي اخترته للدراسة؟ وكيف كانت تجاربك هناك كطالب للعلوم الحديثة؟ وما أبرز الفروق التي لاحظتها بين أسلوب الدراسة في دار العلوم وجامعة لكناؤ؟ وما التحديات التي واجتهتها خلال دراستك هناك؟
ج: طبعًا، التحقت عام ١٩٨٨ بجامعة لكناؤ التي تقع بالجانب الأيسر من داري هذه لم يكن أهل الندوة يعرفون ذلك مني ولو عرفوه لألغوا اسمي ولمنعوني من ذلك وكنت أحضر الجامعة حين قيلولتهم وقيلولة العلماء والطلبة كما يعرفه الخافقان أحب الأشياء عندهم وهي سنة حبيبة إليهم وقد ألزموها عليهم وينامون ساعات بيد أن معنى القيلولة نومة خفيفة لعشر دقائق عند بعض أو عشرين دقيقة لا أكثر ولكن أصحاب دور العلوم إنما ينامون في النهار أكثر مما ينامونه في الليل وذاك طامة لا أقول كبرى إلا أنها طامة ولكن لو لاها لما أمكن لي الالتحاق بالجامعة وقد لقيني طالب آخر من داري هذه فسألني عن حضوري في الجامعة فخفت منه وقد خاف مني كان صنع صنعي وعمل عملي ولكن سرعان ما بثثت إليه بما أخفي فلم يملك أن فسر عن سره وأمسينا صديقين على الخير والشر: كشقي مقص تجمعتما : على غير شيئ سوى الفرقة ثم قابلت يومًا الشيخ جعفر مسعود الحسني الندوي – و قد انتقل إلى رضوان الله قبل أشهر بعد أن أصبح ضحية حادثة في شارع ما في لكناؤ رحمه الله تعالى - في الجامعة نفسها وكان قد عمل على شاكلتنا أو عملنا نحن على شاكلته ونسجنا على منواله دون أن نطلع على منواله ولكنه لم يبال بحضوري هنالك وكيف ذاك إذ لم آبه بحضوره هناك والناس سواسية كأسنان المشط فلو أهمل اسمي من الدار طلبت إهمال اسمه كان طالبًا أرشد أو كان قد تخرج.
كنت أحضر الجامعة بعض الأحيان لأن الأساتيذ بالجامعة كانوا يحيطون علمًا بما يتحلى طلبة ندوة
العلماء من العلم واللغة والأدب فلا يطلبون منهم المواظبة في الحضور، حصلت على شهادة الماجستير عام١٩٨٩ وكنت رجعت إلى موطني كشمير على أمر من أبي المرحوم - وقد لبى نداء الله في السادس والعشرين من ديسمبر ٢٠٢٠ - وأمر من أستاذه الشيخ قاسم شاه البخاري والشيخ البخاري) ولد عام ١٣٣٠ المصادف١٩١٠( هوتلميذ مفتي كفاية الله صاحب كفاية المفتي أسس الكلية الحنفية في سرينغر في الثمانيات من القرن المنصرم وهو منشئ لجنة تبليغ الإسلام ومنشئ مجلة الاعتقاد ومترجم القرآن الكريم إلى اللغة الكشميرية له مساع جميلة في بث العلوم الإسلامية في ربوع كشمير بيد أنه كان كما سبق تلميذًا لمفتي الهند الشيخ كفاية الله وشيخ الأدب الشيخ إعزاز علي والشيخ ابراهيم البلياوي والتقى بالشيخ شبير أحمد العثماني والشيخ حسين أحمد المدني وغيرهم في دار العلوم بديوبند ودرس بها عامًا واحدًا بعد أن درس في دار العلوم نصرة الحق في أمرتسر لمنشئها الشيخ عبد الكبير الكشميري والمدرسة النعمانية وتتلمذ هنا على الشيخ وجيه الدين النقشبندي تلميذ أنور شاه الكشميري وغيرهم إلا أنه كان يميل بقلبه وقالبه إلى الرضاخانية .
س: يا أستاذ، متى قررت اختيار مهنة التدريس؟ وفي أي كلية من الكليات حصلى على أول وظيفة لك؟ وكيف كانت تجاربك الأولى هناك كأستاذ للغة العربية؟ وما التحديات التي واجهتها في بداية مسيرتك التعليمية؟ وما الأساليب التي اعتمدتها لتسهيل تعليم اللغة العربية للطلاب؟ وهل هناك مواقف أو ذكريات خاصة لا تزال تحتفظ بها من تلك الفترة؟
ج: أيوة! نعم، قد التحقت في الكلية الحنفية عام ١٩٨٩ في سرينغر، ودرست بها عامين اللغة والأدب والنحو العربي وصرفه ولكن فتاويه كانت تزعجني ك ثيرًا فلم أكن أتمالك نفسي وأظهر عدم رضاي بما ينشر في مجلة الاعتقاد الشهرية من أجوبة عن استفتاآت بما يرضي بها أهل البدعة منها الاستعانة بالقبور أنبأني يومًا عميد هذه الكلية الشيخ علي أكبر عن هذا الفتوى فدخلت على الشيخ البخاري وسألته عن مصدر فتواه فقال إن الشيخ أشرف علي التهانوي قد أفتى به فقلت له إن كان أفتى بهذا فإني أغادر كشمير فضلاً عن هذه الكلية وآوي إلى كهف من كهوف هماله هب ولو كان هو أفتى به فهو ليس بشارع كيف ننبذ آيات الله وراءنا ظهريا وأحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم نجعلها نسيًا منسيًا فأمر حواريه منهم صديقي الشيخ شوكت حسين كنغ أن يبحث عنه في فتاوي التهانوي فلم يجده. كان من شأنه أنه كانيكرم علماء ديوبند وندوة العلماء غير أنه عندما رجع من الهند بعد قضاء أربع عشرة سنة في دور العلوم المختلفة المتنوعة ونهل من مناهلها أحاط به أهل البدع من البوادي ومدينة سرينغر فلم يقدر على الخروج من هذا الإطار وهو أول من عقد حفلة كبيرة على اقتراح ممن كانوا متأثرين بالبريلوية والرضاخانية في إسلام آباد في كشمير الشمالية وأيد فكرهم وبدعاتهم وأقبر الديوبندية التي تعلمها من علمائها في دورهم وقد اعتنق بآرائه بعض الجهلة في كشمير وكليته الآن في احتضار من حيث العلم والتربية .
خلال المدة التي قضيتها في هذه الكلية اطلعت على ظروف كشمير الدينية والثقافية ووقعت في صراع فكري طويل فغادرت الكلية وجعلت أدرس في مدرسة النور الإسلامية لمؤسسها الشيخ الصديق أرشد حسين الندوي أثناء تلك المدة التحقت بجامعة كشمير عام ١٩٩١ كباحث في قسم اللغة العربية كان يرأسها آنذاك المفتي عبد الغني الأزهري) ولد عام ١٣٥٢ ( وقد انتقل إلى رحمة الله قبل بضع سنين التحق بمظاهر العلوم عام ١٩٤٧ ثم ساقه الشوق للعلم إلى أن يواصل دراسته في دار العلوم بديوبند فتخرج فيها عام ١٩٥٢ من مدرسيه الشيخ حسين أحمد المدني ومولانا إبراهيم البلياوي والشيخ القارئ محمد طيب ومولانا السيد أختر حسين رحمهم الله ثم سافر إلى جامعة الأزهر بمصر وأخذ العلوم الإسلامية من علمائها. كان في وقته الوحيد الفريد يرجع إليه إذا ورد ضيف من العرب فكان يعمل مترجمًا له إلى الكشميرية وهو الذي كان مشرفًا على في الماجستير والدكتوراه كان أستاذًا سمحًا أحبه ويحبني أكثر مما كنت أحبه كان شديد التدين راسخ العقيدة لم يكتب إلا قليلاً جدًا إلا أنه كتب رجالاً وكان موردًا كثير الزحام يثق به الناس يزوره عامة الناس وخاصتهم للاستشفاء من مرضهم فينفخ وينفث ويفتل فيشفيهم الله بعضهم فيحسبون هو الذي شفاهم، أسس مدارس في كشمير وخارجها لتحفيظ الق رآن غير أن هذه المدارس لا تدرس فيها العلوم غير واحدة أو اثنتين لبى نداء الله عام ٢٠٢٣ رحمه الله .
س: يا أستاذ، ماكان موضوع رسالتك في درجة الماجستير والدكتوراه؟ وما الأسباب التي دفعتك لاختيار هذا الموضوع تحديدا؟ وما الأهداف التي كنت تسعى لتحقيقها من خلال بحثك؟ وما المنهجية التي اعتمدتها في دراستك؟ وما الجديد أو الميزة التي يتميز بها بحثك العلمي مقارنة بالأبحاث السابقة في هذا المجال؟ وهل واجهت صعوبات أثناء إعداد الرسالة؟ وكيف تغلبت عليها؟
ج: كان عنوان أطروحتي في الماجستير في الفلسفة الدكتور أحمد أمين المصري في ضوء كتاباته و مؤلفاته اخترت هذا الموضوع لكوني محبًا له أشد ما يحب الطالب الأستاذ لأسلوبه ولغته وفكره الواسع العميق وجمعه المواد عن المظان المستندة ثم إعمال فكره فيها والفحص المتقاطع ثم أخذ النتائج وكشف الزوابع عن المصادر وتنقية النصوص التاريخية ثم الوصول إلى الحقيقة ليس له مؤلف صغير أو ضخيم حتى رسائله إلا طالعتها في ندوة العلماء حتى ونسخت بعضها وكان من دأبي مطالعة مؤلفات كاتب واحد حتى آتي إلى آخر كتاب له لا أطالع خلال هذه المدة مؤلفات كاتب آخر لئلا يختلط في ذهني بعض المواد ببعض وهذا أهم في المطالعة لابد للطالب الواعي المواظب على القراءة الدؤوب على الدراسة العكوف على التدقيق وفي النظر في الكتب أن لا يطالع تصانيف لمختلف المصنفين في وقت واحد .
الدكتور أحمد أمين )١٨٨٦- ١٩٥٤( كان أديبا كبيرا و كاتبا بارعا يكتب بأسلوب جذاب خلاب مثير
للإعجاب بأسلوب سلس سهل مرسل يتفنن فيه و يتصرف له فيض الخاطر في عشرة مجلدات كان
يكتب كل أسبوع على موضوع بسيط مثل الشمس و القمر و الماء و الأرض و السماء وغير ذلك فيتأدب فيه و يتفلسف و لكن يغلب الأدب على الفلسفة و يجعل القارئ يستمتع و يتلذذ فيحلو ترداد عباراته ويتلذذ تكرارها كأن القارئ في حديقة ذات أزهار مفتحة منوعة فواحة تلثمها الرياح العليلة وجداول كالأفاعي فيرتاح ويبتهج ويترقص سرورًا وهو مؤرخ قدير وسيع المطالعة سابر غور دقائق التاريخ المتعمق في خفاياه وأسراره المستوعب أجزاءه وعناصره والمستخرج منها نتائج وعبرا له موسوعة تاريخية نقدية "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظهر الإسلام" و"يوم الإسلام" و"زعماء الإصلاح" و"حياتي" وغيرها من المؤلفات. أنهيت الماجستير في الفلسفة في سنة ونصف ثم تم تسجيلي في الدكتوراه في عام ١٩٩٢ وكانت الظروف في كشمير تدهش منها الأفئدة وتبلغ القلوب الحناجر وتزيغ الأبصار وترتعد الجوارح وتدمع الأعين- لم أستعمل هنا العيون لأنها تختص بالأرض قال تعالى (وجنات وعيون) الشعراء: ١٣٤[ وقال) إن المتقين في جنات وعيون(الحجر : ٤٥[ والأعين تختص بالإنسان قال تعالى ) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور(] غافر : ١٩[ و قال ) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (] الزخرف : ٧١[ و قال تعالى: )قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس و استرهبوهم ]الأع راف ١١٦[ و قال : ) و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين( ] المائدة : ٨٣[ وقال ) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون(] الأعراف: ١٦٩[ و غير ذلك من الآيات الكريمة –
وكانت القيامة قد قامت من أقصى كشمير إلى أقصاها والقنابل تقذف من كل جانب وإطلاق الرصاصات صار شيئًا عاديًا وأهل كشمير بين المطارق والسندان ورحى الحرب دائرة تطحن أجسامهم وأجسادهم ليل نها ر وكأن أصوات : خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه واضربوا فوق الأعناق و اضربوا منهم كل بنان تسمع في كل درب من الد روب و في كل طريق من الطرق فانقلبت الأرض ظهرا لبطن ووقع كل حي في حيص بيص أضرمت النيران في البيوت حتى في الاصطبلات قلما كان الإنسان يتوقع أن يخرج من بيته ثم يرجع إليه وكان الهلع يزداد ليلاً إذا طلب المحارب الطعام وقضاء ليلة. فضاقت بنا الأرض بما رحبت و اشتد الخوف بسبب الجرحى والقتلى كأن ياجوج ومأجوج فتحت أبوابهم وهم من كل حدب ينسلون. كل يوم كان يصيب عشرات من الشعب بقنابل يدوية ورصاصات وإطلاق نار حتى أنه قتل مئة ألف نسمة في المدة التي كنت باحثًا في جامعة كشمير لم يكن الإنسان يتمكن من المطالعة والدراسة المتأنية الدقيقة ولكن بفضل الله ومنه وإحسانه أتممت هذا البرنامج ومنحت شهادة الماجستير في الفلسفة فلما ذهبت بها إلى البيت وقدمتها إلى أبي لم يتيقن وجعل يقرأها كأنما يقرأ شيئًا مفترى مختلقًا مزورًا كيف يتوقع من ولد رسب في الاختبار عندما كان في الصف العاشر والآن هو يدفع إلي هذه الشهادة فجعل يقلبا مرارًا وتكرارًا و يتهلل بشرى بما رأى وبدا السرور الشديد في وجهه المشرق البهي وأخد يدعو لي ويتمنى لي مستقبلاً زاهرًا باهرًا ولما تم تسجيلي كباحث في الدكتوراه لم أزعج نفسي في اختيار الموضوع ذلك لأن الدكتور البروفوسور الشيخ محمد أسلم الفلاحي الأزهري هو أشار علي أن أجمع المواد عن علماء كشمير بداء من السيد علي الهمداني محسن كشمير لأنه هو الذي أنقذنا من شرك بالله فبمساعيه الجليلة الجبارة المتواصلة الدعوية فآمنا برب العالمين وكان هذا الموضوع يختلج في ذهني فشفعني الدكتور وقصة اختلاج الموضوع طريفة جدًا وهي كما يلي :
كنت يومًا من أيام دراستي أتجول أصيلاً بعد صلاة العصر في رحاب ندوة العلماء كعادة طلبة هذه الدار و الدور الأخرى وكديدن المعلمين والشيوخ إذ صادفني الشيخ الفقيه الظريف الطريف السمح بسيط الملبس والمأكل فقال لي : مظفر! ماذا أعطت كشمير للعالم الإنساني غير المحدث العلامة أنور شاه الكشميري وأدت فريضة الكفاية يعني لم تنجب شيئًا في تاريخها الطويل غيره فتبسمت وجرى وجريت ولكن القصة لم تنته هنا بل بدأ يساورني ويدور في خلدي كلامه وتأملت ألم تنجب كشمير غير المحدث العلامة أنور شاه الكشميري أهي عقيمة ؟ متى أصابها العقم ؟ وجعلت اتفكر واتدبر وارجع إلى نفسي وأخذت أطالع كتب التاريخ عن كشمير فبرز لي بعض العلماء ولكن الغلة اشتدت فطفقت أقرأ تاريخ علمها ولكن العطش لم ينطفئ، هذا، ورأيت بعد عودتي من لكناؤ وذاك في بيتي رؤيا عجيبة رأيت أن كومة قاذورات قد تلطخت بها أوراق بالية صفراء قديمة مكتوبة فيها عبارات بالعربية مقطعة لا يدرك معانيها لقدمها وبلاها فاستخرجتها منها ومسحتها بخرقة صافية ونقيتها فقدمت على عمي المرحوم يدعى المفتي شمس الدين كان معروف الصيت في مديريته كثير الرماد غزير الزحام لا يوضع قدره عن الموقد فعرضت عليه ما رأيت فسمع بتأن وصبر فعبر بان الله سيستخدمك في خدمة دينه وستحيي بقلمك بعض ما أتى عليه البلى. عندما أشار علي الدكتور محمد أسلم الفلاحي تذكرت هاتين القصتين فعزمت على أن أتخذ موضوع بحثي " مساهمة أهل كشمير في اللغة العربية والأدب العربي"
وعكفت على دراسة المخطوطات في قسم المخطوطات في مكتبة إقبال في جامعة كشمير والمجمع الثقافي لدولة جامو وكشمير واحدًا واحدًا وذلك لمدة طويلة طوال النهار حتى برزت لي شخصيات عظام كتبوا بالعربية في مواضيع شتى وبرز لي شعراء وأدباء ومحدثون ومفسرون وفقهاء لا يطلع عليهم الكبار من العلماء والفضلاء فضلاً عن غيرهم وأدركت أن أول ترجمة للقرآن الكريم إلى الفارسية في شبه القارة الهندية كتبه عالم كشميري يسمى فتح الله الكشميري و ذلك سنة ٦٣٥ من الهجرة ثم قام الشاه ولي الله الدهلوي بترجمته بعد قرون وأن المجدد للألف الثاني هو تتلمذ على الشيخ يعقوب الصرفي الكشميري وهو الذي كتب تقريظًا على" سواطع الإلهام " لأبي الفضل الفيضي وطلع لي العلامة رشيد الدين الذي لازم الشيخ رفيع الدين بن ولي الله الدهلوي والمفتي علي كبير البنارسي واستفاد من الشيخ عبد القادر الدهلوي وكان من أشهر تلاميذ الشاه عبد العزيز الدهلوي يقول عبد الحي الحسني في نزهة الخواطر: "ولازم الثلاثة ملازمة طويلة حتى صار علمًا مفردًا في العلم معقولاً ومنقولاً وانتهت إليه رئاسة التدريس بمدينة دهلي" واطلعت على أن مولانا مملوك علي أستاذ الكل أخذ أكثر الكتب الدراسية عن الشيخ عبد الرشيد الكشميري الدهلوي وتتلمذ عليه الشيخ الكبير مولانا محمد مظهر ومولانا الشيخ خليل أحمد وكان الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوي تلميذًا للشيخ محمد أمين الكشميري الولي اللهي الذي كان من أجلة أصحاب الشاه ولي الله الدهلوي يقول صاحب نزهة الخواط رعنه: كان من آجلة أصحاب الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي ينتسب إلى شيخه ويعرف بالنسبة إليه وهو الذي أخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن ولي الله بعد وفاة والده كما صرح به الشيخ المذكور في " عجاله نافعه" وفيه مفخرة عظيمة وقد صنف له الشيخ ولي الله بعض رسائله" يقول مولانا الشيخ زكريا الكاندهلوي في أوجز المسالك عن مولانا مملوك علي: أخذ أكثر الكتب الدرسية بل جميعها عن العلامة الشيخ الأجل مولانا رشيد خان الدهلوي الكشميري وهو أرشد تلامذة الشيخ الأجل الأكبر مولانا شاه عبد العزيز الدهلوي ومملوك على هو أستاذ مولانا عبد الرشيد الكنكوهي .
واطلعت على الشيخ صدر الدين آزرده الدهلوي الكشميري تلميذ مولانا فضل الإمام الخير آبادي وتتلمذ على الشاه رفيع الدين والشاه عبد العزيز ابني الشاه ولي الله الدهلوي وتتلمذ على الشاه محمد إسحاق والذين أخذوا عنه العلم هم مولانا رشيد أحمد الكنكوهي ومولانا قاسم الشاه النانوتوي منشئ دار العلوم بديوبند ومولانا مظهر النانوتوي ومولانا خير الدين أبو أبي الكلام آزاد السياسي العلام المفسر واستفاد من علومه كبار الشعراء منهم غالب وشيفته وأخذ منه العلم سر السيد أحمد خان منشئ جامعة علي كراه الإسلامية.
جاء ذكر هذا عفوًا أثناء الكلام ولسنا بصدده في هذا المقام وأكثر عملي كان دراسة المخطوطات لأنه قد أسندت الخرافات والترهات والأباطيل والكرامات وخرق العادات الذي لم يكن طبعي يميل إلى ذكرها قط فكنت أتوخى الحقائق والصدق والصواب لا الكذب والافتراء فعانيت كثيرًا جدًا في ظروف حرجة ضيقة إرهابية شديدة ولكني وطنت نفسي على أن لا آلو جهدًا في جمع المواد عن علمائنا فزرت العائلات والأسر التي ظننت أنه توجد عنهم مخطوطات مهما كانت عقائدهم ونزعاتهم وميولهم حتى أن بعض المتشددين منعني أن أكتب عن علماء أهل التشيع وانضبط شيئًا عنهم ولكني لم أكترث بكلامه ولم آبه به لا يعزبن عن البال أني لم أجمع المواد بل أني قمت بنقد وجرح وتعديل للمؤلفات والمخططات حسب الضرورة وأصبحت مطعنا لكثير من العلماء ومرمى للأصدقاء لأنهم لم يكونوا يتوقعون مني أن أستعرض عالمًا شهيرًا بالنقد لقدمه ولحداثتي .
تقدمت بهذا البحث إلى القسم العربي بالجامعة وذهبت بنسخة منه إلى ندوة العلماء وعرضته على
العلامة سماحة الشيخ الندوي فشرفني بتقديم الكتاب فأعلى به مكانة الكتاب وذكره ومما وجاء فيه:
" ولقد أحسن أخونا الفاضل الأستاذ مظفر حسين الندوي إذ اختار موضوع رسالته – المقدمة لنيل شهادة الدكتوراه – تراجم من نبغ في أرض كشمير من المؤلفين والشعراء والعلماء وقد قام بعمل غير مسبوق إذ لم يجد في المظان المطبوعة تراجم مختصرة أو مطولة لطبقة العلماء فإن المؤرخين كما يتحدث إلينا أخونا كاتب هذه الرسالة ما أهمهم إلا الجانب السياسي لتاريخ كشمير وأني لا أذكر قد مر علي مؤلف يجمع تراجم العلماء المسلمين في كشمير إلا بعض الرسائل في مناقب بعض الشخصيات وهذا لا يكون مادة لوضع الكتاب. إن المؤلف الشيخ مظفر حسين عكف طويلاً على المخطوطات الميسرة فوجد في ثنايا أوراقها أخبارًا متناثرة عن العلماء والمؤلفين فجمعها داخل إطار موضوعه فكانت هذه الرسالة ولا شك أنه قام بعمل مضن شاق جدًا من عزمه إلى النجاح وبوب الأخبار التي عثر عليها في فصول تقليدية لرسائل الدكتوراه فبدأ بسرد جغرافية كشمير وتاريخها العلمي ودخول المسلمين في أراضيها وما قاموا به من الدعوة إلى الله ثم محاربتهم البدع والخرافات والأباطيل التي ما أنزل الله بها من سلطان وذكر مجهودات كل عالم وأديب كتب في الفقه ووأصوله واللغة العربية وآدابها . إنئ أهنئ للأستاذ مظفر حسين وأدعو له بدوام التوفيق والنشاط في العمل وأشكره على إخراج كتاب جامع لأشتات السير والتراجم" أني بدوي أولاً صرت ندويًا آخرًا كنت أسكن بعيدًا بستين كليومترًا عن سرينغر حيث تقع الجامعة فلم يكن لي من بد أن أقيم في مهجع من مهاجع الجامعة ولكن لم أكن أقدر على دفع رسومه ولم أكن أستطيع أن استأجر غرفة للإقامة فاستشرت أخي الفاضل الحافظ الداعي إلى الله الخطيب الماهر الأستاذ أرشد حسين الندوي وهو حضري --وكان بدأ تأسيس مدرسة النور الإسلامية وأنا من السابقين في تأسيسها وجعلها منبع نور وهداية وقد درست فيها معلمًا خمس سنين وكنت من أركان هذه المؤسسة وأميرًا للهيئة الاستشارية لمدة عامين - و سألته إن كان هناك مسجد أصلي بالناس فيه لأن الظروف قاسية شديدة وبذاك يعرفني الناس وأعرفهم فلو سأل جندي لهم عني، من هذا ؟ يجيبونه هو إمامنا وهو باحث في الجامعة ومدرس في مدرسة النور ليقتنعوا بأنه ليس من خارج كشمير ويشهدوا أني لست بإرهابي محارب فذهب معي إلى مسؤولي المسجد وكانوا ينتمون إلى جماعة التبليغ ليني الأخلاق بعيدين عن البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان فوجدت موئلاً ومأوى في وسط سرينغر وأمسيت إمامًا وذلك عام ١٩٩١م فكنت أدرس في المدرسة من التاسعة إلى الواحدة ثم أغادر إلى الجامعة إلى الرابعة وأرجع إلى موئلي وأصلي بالناس المغرب والعشاء والفجر لقيت من المصلين الحب الشديد والتقدير والتكريم لم أكن أتوقع ذلك منهم وفي عام ١٩٩٢ وفقني الله بالخروج في سبيل الله كنا يقول أهل التبليغ وسافرنا إلى كوكتا لمدة شهرين ولم أزل منشغلا بجمع المواد و ترتيبها وتدوينها وتسويدها وتبييضها وقدمت بحثي إلي القسم العربي في عام ١٩٩٥، وفي السنة عينها أصبحت ضحية للإرهاب وقاسيت ما قاسى يوسف عليه السلام ولاقيت ما لاقاه بمعنى هذه الكلمة وأطلق سراحي بعد سنة كاملة- بيد أني لم أكن أنتمي إلى جماعة لا سياسية ولا إرهابية بل أتبع آراء العلامة الشيخ وحيد الدين خان فيما يقوله بالنسبة إلى الحركات التي تحارب الدول بالأ سلحة و أن هذا أقبح فعل يفعله المحاربون في بعض الدول و ذلك لا يجوز عقلا و لا شرعا لأن هذا العمل لا ينتج إلا على الخسران المبين أ لم يتل هؤلاء قوله تعالى سبحانه : (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين و إن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ، ألآن خفف الله عنكم و علم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين و إن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله و الله مع الصابرين) ] ٦٥-٦٦ [ هذه الآية أصل في ما يجب على المسلمين إذا آن وقت اللقاء بالعدو -لا سمح الله -ولكن أكثر العلماء لا يدققون النظر في مثل هذه الآية .
فلم يطب هذا الرأي ولم يطب أن أكون دكتورًا أتعلم وأبحث وأعلم وأقضي حياة سعيدة هنيئة لبعض المحاربين فكادوا كيدًا حتى ورطوني ونصبوا شبكات لي ليصيدوني فكان ذاك- وكنت قد قدمت بحثي إلى الجامعة لنيل شهادة الدكتوراه - كما قلت- و بعد تقديمه بعامين نلتها في مؤتمر عظيم بيد حاكم كشمير من قبل الهند أمام حشد كبير، وكان هذا يومًا مشهودًا ذلك لأن الأحوال في كشمير لم تكن تلائم للمؤتمرات كان الحظر على التجول نافذًا والطرق كانت مسدودة وكانت الجنود متيقظين واقفين في كل مكان و الخطر داهما من قبل المحاربين ألا يقذفوا قنابل ويطلقوا الرصاصات ويفسدوا الأمن والسلام وكان المحاربون قد هددوا وأوعدوا من يحضر هذا المؤتمر يردى لأ جل ذلك كانت الحكومة الهندية قد بثت الجواسيس وعينت الشرطة والجنود بمختلف أنواعها وأقسامها في كل مكان فكان الذعر والهلع والخوف قد ساد سرينغر وما حولها. وبعد نيل هذه الشهادة صرت عاطلاً لم يكن لي عمل غير أني إمام مسجد ولي عيال يتكون من زوجي وابن لي وابنتين وراتبي لا يتجاوز ستمائة روبية لا يكفيني هذا المبلغ القليل ولكن الله تعالى قد تكفل رزق الإنسان وقال ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) ] هود: ٦[ و هو القائل (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم) ] العنكبوت: ٦٠[ و قال عز من قائل ) الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز) ] الشورى: ١٩[ وطفقت أتردد إلى الجامعة للحصول على وظيفة التدريس و لكن الأوضاع كانت تعاندني و قد أشرب رئيس القسم الحقد والاستكبار أضف إلى ذلك علاقته بآخرين من شاكلته فلم أتمكن من الحصول على الوظيفة بالرغم من نجاحي في كل مجال بيد أني كنت أدرس في القسم في ظروف حرجة ضيقة قبل يتم تعيين هذا الرئيس فتوكلت على الله وعلى الله فليتوكل المتوكلون وفي عام ١٩٩٩ تم اختياري كمحاضر في التعليم العالي في دولة جامو وكشمير وأرسلت إلى كارجيل حيث انشبت الحرب بين الهند وباكستان في السنة نفسها وفي الشهر عينه فرأيت بعيني كيف تطحن النفوس وتضيع الأملاك و تنهك المحارم وتخلب الجلود ويشرد الناس وتهلك الحيوانات وتخرب النباتات وتزلزل الأرض وتملأ الجواء بالدخان لا أعرف بالضبط من اخترع البارود ومن أرشد الناس إلى إيجاد آلات للدمار والفساد ولماذا اضطرت إليه الدنيا بأسرها تشعر بعدم الأمن والسلام والطمأنينة بسبب وجودها لو لم تكن هي ؟ ألم يكن بوسع الإنسان أن يعيش بغيرها ؟ أ لم يخلق الإنسان ليستمتع بنعمة الهدوء والدعة ؟ كم من الشعب في العالم يموت جوعًا
وعطشًا لا يجدون ما يقيموا به ظهورهم جل الأموال في العالم إنما ينفق في التنافس في جلب الأسلحة الحديثة النووية المدمرة للإنسان اليس في وسع الحكومات والدول أن يفكروا ويتدبروا ويتأمل في طرق تفكيرهم وآرائهم ليعيش أبناء آدم عيشًا هنيئا مريئا متوادين متحابين مترابطين متآخين؟ من علمهم الحقد والتباغض والتحاسد والتشاحن ؟ نعلم بالضبط أن الساسة هم المفسدون لهم عقول لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعونه بها أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً قد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة من عرفان الحق والصواب فقد أمست الدنيا بسببهم غابة للوحوش الضوارئ والغربان والذئاب فمن لي بإنسان ينقذ الإنسانية من المستنقعات وأكوام القاذورات ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ؟!!!
قضيت سنتين وشهرًا واحدًا في كارجيل بعد ان بدأت بها أدرس العربية إذ كانت المادة موجودة غير أنه لم يبدأ بها تدريسها ظانا بأن الأساتذة الأرشدين يأبون من التدريس هنالك لبعد السفر ووعورته وتكليف وفرة المؤونة وبعد الشقة فالذي يبدأ بها التدريس لا يتمكن من مغادرة هذه الكلية طوال وظيفته وقد نصحني الأستاد الأرشد الذي كان بها قائلاً: إن ابتدات التدريس هنا لا يمكن لك العود إلى كشمير فلا تبدأ ولكني وطنت نفسي على العمل غير مبال لما يأتي وغير مكترث بما ألاقي فلم يحدث فعلا ما حذرني منه الأستاذ الناصح وهمي وشغلي الشاغل ليس إلا تدريس اللغة العربية في الحل والترحال فجمعت بعض المتحمسين من التجار والأساتذة والأئمة والموظفين في سوق كارجيل ليتعلموا هذه اللغة المحبوبة لمدة سنتين فجاء ذلك بأكل يانعة وتيقن الناس أنها لغة التحادث والتفاهم ولا تحمل التقديس إلى حد لا نلمسها ولا نمسها فضلاً عن نتعلمها كما كانت معاملتهم وسيرهم بالق رآن الكريم بأنه كتاب مقدس لابد أن نلفه في غلاف منظف ونضعه في طاق أو رف لا نمسه لأنه للتبرك به فحسب فبذلك بعد الناس عن تلاوته وتعلمه فأنى التدبر والتامل والتفكير في آيه وكيف الاعتبار بنصائحه وتذكيره ثم كيف العمل وفق أوامره وترك نواهيه فقد حسب الناس بعض الرسوم والعادات والأباطيل والترهات أنه الدين مع أن الله لم ينزل بها من سلطان.
س: يا أستاذ، كم كتابًا ألفت حتى الآن، وعلى أي موضوعات كانت تدور؟ وهل يمكن أن تحدثني بإيجاز عن كل واحد منها، وما الدوافع التي كانت تلهمك للكتابة، وأي من كتبك تعتبره الأقرب إلى قلبك، ولماذا؟ وهل نال أي من مؤلفاتك جوائز أو تقديرًا خاصًا؟
ج: في الحقيقة، قمت بطبع مؤلفات عدة أولها: كعب بن مالك الأنصاري وانتاجاته الأدبية وقد سبق ذكره
ثانيها :مساهمة أهل كشمير في اللغة العربية والأدب العربي الجزء الأول، وهو يتضممن تاريخ كشمير العلمي والأدبي- بدءا من السيد علي الهمداني الذي غير مجرى تاريخ كشمير من الوثتية إلى التوحيد كما غير ثقافتها وحضارتها وفكرها وجعلها بقعة للإسلام -إلى القرن الرابع الهجري.
ثالثها: مساهمة أهل كشمير في اللغة العربية و الأدب العربي في القرن الرابع عشر يحوي هذا الجزء
إسهامات علماء كشمير في العلم والأدب في هذا القرن . وهذان المؤلفان ليسا يقومان على سرد ما
ألفوا وزبروا بل يقومان بنقد مؤلفاتهم إذا أدى الأمر إلى ذلك دون النظر إلى قداسة باحهم وطهارة
ساحهم لأن الدنيا لا تسير إلا على العدل والنصف .
رابعها: مدارس كشمير الإسلامية دراسة نقدية وهذا الكتاب كما هو واضح من اسمه يبحث عن المدارس الإسلامية ما لها وما عليها لأنها قائمة على المناهج القديمة لا يريد مسؤلوها تغيير شيئ من طرق تدريسها وتبديل منهجها القديم ويحسبون ذلك الخروج على المتحفظين والانحراف عن المذهب الذي توهموا أنه لا بجوز التجاوز عنه قيد شعرة، أثار هذا الكتاب الصغير الحجم ضجة بين أوساط العلماء ومسؤلي دور العلوم في كشمير سمعت هذه الضجة في ندوة العلماء ذلك أني استعرضتها في ثنايا مدارسنا وذكرت: أقيمت جامعة دار العلوم الديوبندية فكان منهجها الدراسية الدرس النظامي القديم يدرس فيها القرآن الكريم وتفسيره والحديث الشريف ورجاله مع الشرح وأصول الحديث والفقه وأصوله وغوامضه وفروعه والمنطق والفلسفة اليونانيين والجدل والمناظرة والنحو والصرف والأدب العربي القديم الكلاسيكي وأما العلوم المعاصرة فهي مذمومة مدحورة منبوذة مطعونة عندهم لأن أصحاب هذه العلوم هم المغاربة فاللغة الإنكليزية هي لغة الاستعمار علينا أن نطردها عن أوطاننا ونحاربها بكل قوة وبدون هوادة وهي لغة مستكرهة كذلك الجرائد والمجلات أردية كانت أو إنكليزية أو عربية فقراءتها ضياع وقت وعبث لأن الله ما خلق الإنس والجن إلا لعبادته فلا فائدة ولا رجع في قراءتها وإنما علينا أن نذكر الله في الأحيان كلها حين يضيع الآخرون أوقاتهم في قراءة الجرائد والمجلات وأن كل جديد مضر وبدعة وكل بدعة ضلالة وأما ما يحيكه اليهود والنصارى والكفار وينسجونه ضد الإسلام و يبيتون له فلا علاقة لنا به (ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون)، وأن كل قديم صالح وكل جديد ضار مع أن المنطقة والفلسفة القديمتين اللتين يدرسونهما تلقاهما المسلمون القادمة من اليونان مع ذلك هو صالح لأنه قديم وأما العلوم الحديثة والتكنولوجيا والعلوم المعاصرة الأخرى فليست بصالحة لأنها جديدة وقد خرج عليهم إمام أهل السنة ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ٢٧٦ هج قائلاً: "ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين ال جلالة لتقدمه ولا المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره بل نظرت بعين العدل إلى ألف ريقين وأعطيت كلا حقه ووفرت عليه حظه" وهو يتحدث عن الشعر والعلم والبلاغة وهما دون ما نتحدث عنه لأن النشء إنما مستقبلهم منوط بما يدرسون اليوم فابن قتيبة يشكو في زمانه قبل اثني عشر قرنًا ما نشكوه اليوم يقول: " فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويضعه موضع متخيرة ويرزل الشعر الرصين ولا عيب له إلا أنه قيل في زمانه ورأى قائله " وعلى العكس من دار العلوم الديوبندية أقيمت جامعة على كراه الإسلامية أقيمت لترويج الأفكار الغربية – بنية صحيحة – وقبولها بحذافيرها واستدل منشؤها بأن السيل لا يمسكه إلا السيل وأنه لابد للمسلمين بالتسلح بما تسلح به الغرب فغلبوا علينا فهناك بون شاسع بين الفكرين وبين الحضارتين وفجوة تحتاج إلى جسر يصبح وصلة بينهما فكان أن شعر به أهل النهى فأقيمت دار العلوم لندوة العلماء لتوصل بينهما ولتكون كجسر وقنطرة وتكون رابطًا بينهم باتخاذ القديم الصالح والجديد النافع ومن كل علم طرفها ووتطلع على العلوم الحديثة مع العناية الشديدة بالقرآن والسنة والتاريخ الإسلامي ويكون المتخرج فيها خبيرًا بالحركات العالمية التي تعمل في مجال العلم والدعوة والسياسة وتعلم الطلبة الرماية والفروسية ولكنها تقلصت واقتنعت بدراسة العلوم الإسلامية واللغة العربية والأدب العربي أما برامجها الأخرى العلمية وتجديد مناهجها الدراسية من العلم الحديث فقد هجرت وتنوسيت لاستيلاء العلماء الديوبنديين عليها فلم يبق فرق بين الدارين دار العلوم الديوبندية وبين دار العلوم لندوة العلماء إلا التركيز على اللغة والأدب .
وكان الذي حثني علي تأليف هذا الكتاب هو خيانة أرباب الحل والعقد وجور المحاكم ورشا الموظفين في مكاتب الحكومات وجلب الأطباء والمهندسين المال بالباطل فتأملت أن سبب هذا الفساد كله هو بعدهم عن الدين لأنهم تعلموا في الكليات والجامعات فأنى لهم أن يفهموا أنهم مسؤولون أمام رب العالمين حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من جاء بقلب سليم إنهم سلكوا طريقًا ماديًا بحتًا لم ينعموا النظر في حقيقة الدنيا أنها زائلة فانية لا بقاء لها أما أصحاب الدين في دور العلوم وهم الذين يتوقع منهم ألا يخونوا في الأمانات ويجوروا في الحكم ولا يقبلوا الرشا ولكنهم لم يتعلموا العلوم العصرية الدنوية لذلك لا يتمكنون من الحصول على الوظائف الحكومية ولا المناصب التي تنفع الناس في دار الدنيا فهناك فجوة وهوة كبيرة ضخمة بين مناهج دور العلوم وبين العلوم العصرية ألم يكن في وسع أصحاب الدور تدريس بعض العلوم العصرية التي تأهل الطلبة على أن يناكبوا الطلبة الذين يدرسون هذه العلوم في الكليات والجامعات ويزاحموهم في الحصول على المناصب الحكومية وأن يصبحوا محاميين أطباء مهندسين أيحق للمتخرجين من دور العلوم أن يصبحوا كلا على الآخرين يؤمون في المساجد فيعتقدون ما يعتقده أصحابها من الخرافات والأباطيل فإن لم يداهنوهم أخرجوهم من فورهم أهم يقضون أعمارهم هكذا أذلاء يتكفكفون أمام الناس مطيعين لما يملون لهم ؟ سألت يومًا عالمًا كبيرًا ومنشئًا لدار للعلوم بالنسبة إلى إدخال تحسينات ومواد حديثة في مناهج الدراسة فارتجل قائلاً : نحن مقلدون، ولم ينته الأمر على ذلك بل ذهب بكتابي هذا إلى الشيخ مولانا رابع الندوي وأراه عبارتي التي ذكرتها في شأن ندوة العلماء فلم يبال به ولم يؤاخذني على ما ذكرت بشأنها.
ثم ذكرت فيه ما هي حالة هذه الدور السيئة من حيث التعليم والتعلم وطرق التدريس وأن معظمها إنما هي دور لتحفيظ القرآن فحسب و لكن أسماءها كمثل " كنز العلوم " و " بحر العلوم" و" خزينة العلوم " و الجامعة العربية " والجامعة الإسلامية " و"دار العلوم " و " بيت العلوم " وغيرها من الأسماء التي لا حقيقة لها.
ونقدت معتقداتهم الواهية الباطلة المختلفة لتعاليم الإسلام وتشويه للحقائق الدينية فواجهت منهم تهديدات وتوعيدات لم تخطر لي ببال حتى شكوني إلى الشرطة وأصحاب الحل والعقد في الحكومة خامسها: أماثل كشمير وهذا الكتاب يلقي ضوءًا مستفيضًا على جوانب مهمة للشخصيات العلمية الذين تركوا خلفهم تأليفات بالعربية وآثارًا غير مندرسة وتناولت كتبهم بالنقد وكشفت عما تضمنت مؤلفاتهم من علوم ومعارف وتفردات وهفوات. سادسها: العربية للأطفال في ثمانية أجزاء كتبتها للطلاب الذين يدرسون في المدارس بنيت لتعليم العلوم الدنيوية المعاصرة ليؤهلهم للتكلم بالعربية و يساعدهم على فهم القرآن والحديث، سابعها: سلسلة في التواصل العربي في أحد عشر جزءًا وهذا الكتاب يدرس في مدارس كثيرة في كشمير وخارجها، ثامنها: خلاصة التفاسير وهو عصارة جهدي المتواصل يمتد على خمسة عشر عامًا جمعت فيه كلال الليل بكلال النهار ولي في ترتيبه وتدوينه قصص وخلفية أنا ذاكر إياها في السطور الآتية، كنت أجمع المواد في أوائل التسعينيات للدكتوراه فاطلعت على أن عالمًا كشميريًا يدعى الشيخ معين الدين النقشبندي المتوفى ١٠٨٥ هجـ قد كتب تفسيرًا على طراز تفسير البيضاوي وهو في حالة خطية في مكتبة " خدابخش" في بتنه بولاية بهار الهند أسماه " زبدة التفاسير " فكتبت طلبًا إلى من كان يتولى أمرها فأجاب أنه لا يمكن تصويرها لأن قرارنا لا يسمح لنا ذلك فعزمت على السفر إلى بيهار كي أخطه بيميني ثم آتي به فجهزت للسفر ما أحتاج إليه وعبأت حبيبتي بالملابس ووضعت فيها عشرة آلاف روبية نقدًا وتوجهت إلي جامو وقد سهل الله لي وعورة السفر لأن السفر من كشمير إلى جامو جبلي وبجانب الجبال نهر عميق طويل يدعى نهر الدماء لأن كثيرًا من المسافرين قد أمسوا ضحيته وهو في بعض الأماكن ثلاثمائة ميترًا أسفل من الطريق الذي يمر بها السيارات فإذا انقلبت -لا فعل الله ذاك- سيارة واندحرجت فيه لا يمكن لأحد أن يبقى حيًا وهذا السفر كان يستغرق أكثر من عشر ساعات والآن قد جعل هذا السفر سهلاً جدًا لأن الشارع قد وسع وعرض أي جعل عريضًا فلا يكلف إلا خمس ساعات ومن كشمير إلى جامو يربو مساحته ثلاثمائة كيلو متر قضيت الليل في جامو وفي اليوم التالي غادرت إلى بتنه بيهار وهذا السفر يستغرق أكثر من ثلاثين ساعة لم أقدر على النوم بسبب الحقيبة التي أقلقتني وأزعجتني لما عبأت فيها من النقود والملابس ولكن الله شاء أن يحدث ما كنت أخشاه ففي سراي مير قلت لكشيري كان يسافر أطإلى بنغال: إني لم أنم البارحة وتعبت طول النهار – وأكثر التعب نتج لأجل حراستي الحقيبة - أريد أن أصيب حظًا من نوم لكوني شديد الاحتياج إليه فقال واثقًا : لك ما تقول فنمت هنيهة إذ تنبهت فرأيت أن الذي سهرت له و تيظت قد حرمت منه فلم أجد حقيبتي فصحت و هتفت ولكن لم أجد له على أثر فسألت الكشميري ألم أعهد إلىك أن تخافظ حقيبتي فقال : مهيم !! ؟ قلت : أين حقيبتي ؟ قال: غلبني النوم إثر ما نمت. هكذا تجردت عن كل ما كان عندي من المتاع ونزلت في محطة بتنه ولم يكن معي شيئ غير خمسمائة روبية كانت في جيبي وتصدق علي رجل من كشمير خمسمأة وهذا المحافظ مأتين وخسرت عشرة آلاف وجوالتي وجميع ملابسي وحتى حذائي وكان الوقت سحرًا وذهبت أبحث عن مسجد كي استريح قليلاً فألقيت المسجد مغلقًا ورأيت رجلاً يصنع الشاي فطلبت منه أن يصب لي فنجانًا فشربت وشكرت الله تعالى على أنه قضى حاجة السارق على كره مني وما كنت لأعطيه هذا المبلغ الكبير لو أنه سألني ثم فتح المسجد فتوضأت و صليت تحية للمسجد ثم صلاة الشكر لله تعالى الذي نجاني من القوم الظالمين الذين يقطعون جيوب المسافرين غير مبالين ما يقاسون في الطريق ومثل هذه الحادثات إنما تحدث في البلدان الغير المتمدنة والدنيا الثالثة نظرًا إلى خطورة وضخامة هذا العمل الشنيع القبيح شدد الله فيه وقال (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا) ليرتدع عنه الناس ويحس الإنسان الأمن والسلام والوئام لا يخاف أحدًا غير الله تعالى، بعد الصلاة المكتوبة اتجهت نحو مكتبة " خدا بخش " ولقيت مديرها وقصصت عليه القصة بحذافيرها فألفيته رجلاً سمحًا كريمًا عالي الهامة والهمة فمن علي بألف روبية وأكرم وفادتي وأمر بألا أكلف شيئًا مدة إقامتي في المكتبة ولكني قد استحييت كثيرًا فعزمت على العود إلى كشمير وطلبت منه أن يرسل هذه المخطوطة بشكل فيلم مدمج مضغوط وكان يكلف أربعة آلاف روبية فوفى بوعده كما وفيت بعهده كان هذه التفسير صغير الحجم بمقاس صغير لا يعدو صفحاته خمسمأة صفحة كلمات تفسيره أقل من ألفاظ القرآن الكريم فقمت بتحقيقه وتنقيحه وتدقيق النظر في غوامضه وتخريج أحاديثه وشرح ألفاظ القرآن لأن بعض الألفاط تحمل معاني عدة والمراد منها في السياق واحد منها وقمت بتفصيل ما أجمل وإزالة الإشكالات لبعض القضايا المهمة بذكر أقوال المتقدمين لتنوير جوانبها وذكر ترجيحات المفسر ووقمت بإضافة الأقوال إلى قائليها فإنه يقال: إن بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله وعمدت إلى التصويب لما وقع فيه من تصحيف وذكرت ما وقع فيه من الإسرائيليات واعتمدت في إعداد هذا التفسير على آراء أساطين المتأولين والمفسرين والمحققين وجعلت نصب عينيي تفاسير المتقدمين جلها والمعاجم العربية الموثوق بها كلها وكتب الأحاديث جميعها حتى اجتمع لدي مواد ضخمة كثيرة فسميته" خلاصة التفاسير" طبعته أخيرًا في عشرة مجلدات وأنا حتى الآن أباشر بإضافات وإدخال تحسينات إلى هذا التفسير، كتبت مقالات عديدة على مواضيع متنوعة لجربدة الرائد نصف الشهرية في المدة التي كنت طالبًا في ندوة العلماء، وكما تقدم أني كنت اتعلم فن الترجمة و الإنشاء من الأستاذ الجليل الشيخ واضح الرشيد الندوي و هو الذي كان يدير هذه المجلة فلا غرو أن يحرضني على الكتابة والخطابة ولا عجب أن يحضني على ممارسة اللغة والتدريب في الترجمة ونقل العبارات من لغة إلى لغة أخرى فكنت أحاول أن أكتب في كل شهر مقالة وأقوم بموازنة ما كتبت وما طبع .
وكتبت مقالات عدة في مجلة الدراسالت العربية التي تصدر من قسم اللغة العربية جامعة كشمير في
المدة التي كنت باحثًا فيها وفيما بعد أيضًا وهي بحوث ذات قيمة أدبية ولغوية وعلمية.
ونشرت لي مقالة في" ثقافة الهند " وهي مجلة أدبية ثقافية سنوية تصدرها الهند أصبحت هذه المقالة
مرجعًا مهمًا للباحثين والعلماء الذين يريدون الاستفسار عن تاريخ كشمير العلمي والأدبي واللغوي و
الدعوي. كما ساهمت بمقالات في " مجلة التلميذ " لمنشئها الدكتور معراج الدين الندوي تصدر من كشمير شهريًا باشرت مديرًا لها لسنين. وكتبت عشرات مقالات باللغة الأردية في الجرائد اليومية الأهلية والمجلات على عناوين دينية وذلك في أيام حرجة، من أهم أعمالي في حقل نشر اللغة العربية وترويجها في كشمير إنشاء معاهد للغة العربية والآداب العربية وذلك عندما تخرجت في ندوة العلماء عام ١٩٨٩ م أخذت أدرس في الكلية الحنفية لصاحبها الشيخ مولانا قاسم شاه البخاري المرحوم وقد سبق ذكره لم أكتف على التدريس في داخل الكلية لأنى على خبرة تامة على أن التدريس داخل دور العلوم والكليات والجامعات فوائد له محدودة مقصورة على بعض الطلبة والطالبات وآفاق الطلبة الفكرية تحيطها بعض الكتب فلابد من فتح الأبواب المغلقة على النشء في جو تسودها الحرية والوئام ونحيط عامًا بأن معظم الطلاب في المدارس والمعاهد ودور العلوم والكليات والجامعات لا يدرسون إلا ما كلفته إياهم هذه الدور فتضيق عليهم الدنيا الواسعة وقد زاد الطين بلة بتفرق المسلمين إلى أحزاب وجماعات وفرق فهم لايطالعون من الكتب إلا التي تصدرها وتنشرها جماعاتهم لأن كبارهم الذين تولوا تشتيتهم وتمزيقهم لا يسمحون جهلتهم وعامتهم بدراسة مؤلفات الفرق الأخرى وينصحونهم بأنها تضلهم عن الطريق السوي فبذلك عم الفساد في البر والبحر بما كسبت أيديهم وتيقن كل شرذمة أنها على الحق والصواب وكل حزب بما لديهم فرحون.
نعم، كنت أتحدث عن إنشاء المعاهد للغة العربية بجانب تدريسي في الكلية الحنفية استأجرت غرفة خارج الكلية ولم يكن راتبي إذ ذلك إلا ستمأة روبية فطفقت أدفع ماة روبية إلى صاحب الغرفة شهريًا لأدرس الطلاب العلوم العربية والعلوم الشرعية مجانًا وسميت هذا المعهد بمعهد اللغة العربية والدراسات الإسلامية ولكن كما يعرف من له إلمام بتاريخ كشمير العلمي خاصة أن أهل سرينغر لا يميلون إلى الدراسة فأنت لا تجد في دور العلوم من الحضريين أحدًا يدرس فيها إلا أنهم يتبرعون لها ويكرمون أهلها ويسمعون نصائحهم ومواعظهم ولكن لا يرسلون أفذاذ أكبادهم إليها ليتعلموا الدين وهذا المعهد أنشأته في سرينغر فلم أجد الأجواء ملائمة له إذ لم أتلق من الناس ما كنت أتوقع وثانيًا لم يكن الناس يحسبون أن لغة القرآن هي لغة التخاطب والمحاورة ولغة الكتابة كانوا يحسبون أن القرآن الكريم هو كلام الله المقدس المطهر لابد من تغليفه في ثياب طاهرة نظيفة زبرجدي حريري ثمين وأن يوضع على طاق مرتفع لا يصل إليه يد أحد لئلا يكدر قداسته ويعكر طهارته فإذا كان القرآن بهذه المكانة عندهم فكيف لهم أن يدرسوا لغته ويفهموا معانيه فلا يمسه إلا المطهرون وهم القدسيون وهم الملائكة المقربون أما نحن فإننا أدناس أنجاس ولسنا طاهرين، نعم ، بعد أن أخفقت في تحقيق أمنيتي في هذا المكان استأجرت غرفة في مكان آخر ظانًا أنه مكان خصب لتعليم اللغة العربية ولكن ظني كان مخطئا إذ لم أتلق تجاوبًا صحيحًا مناسبًا من الناس إلا أن بعض الطلبة قد تلقوا بعض الدروس الابتدائية وانصرفوا غانمين أنفسهم وتركوني خائبًا في عملي فغادرت هذا المكان وبدأت أدرس في غرفتي حيث كنت إمامًا في مسجد -كما تقدم- هنالك اتصل بي بعض الشبان الجادين الباذلين أوقاتهم المجتهدين وتتلمذوا علي سنين حتى أتقنوا لغة الضاد كان بعضهم موظفين في الحكومة ومن حسن الحظ أنهم أخذوا يدرسون اللغة في مساكنهم بعد تلقيهم اللغة مني فبذلك بدأ هذا العمل ينمو وينتشر وأنشأنا النادي العربي قاصدين إلى عقد حفلات ومجالس يلتقي الطلاب من المعاهد التي فتحها تلاميذي في أحيائهم وكانت هذه النوادي تعقد في المساجد ليسمع عامة الناس وخاصتهم ما نحن فاعلون هكذا جعل الناس يفهمون أن اللغة العربية هي كاللغات الأخرى لغة التخاطب وجعل أصحاب الصحف والمجلات يشتركون محافلنا ومجالسنا ويسألوننا أسئلة فنجيب عنها هذه بداية نشر اللغة العربية في كشمير من حيث هي لغة حية نامية راقية تتكلم بها وتكتب ثم من بختنا أن رجع صديق لي من السعودية تعلم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة يدعى خورشيد الأندرابي بكتاب مهم في مجال تعليم اللغة العربية ألا وهو " الناشئين لغيير الناطقين بها " وكان له كتاب يدرس فيها فطلب مني أن ندرس جميعًا فلبيت دعوته ودرسنا في هذا الكتاب سنين. لم أبن مبنى للتدريس كآخرين من غيري ليس من شأني جمع التبرعات والزكاة والصدقات لا يمكن مني ذلك لاستحيايي من مد اليد إلى الآخرين وقد تعود المتخرجون في دور العلوم أنهم لا يكتفون بالتدريس في المدارس لأن تكاليفهم لا تتحقق بما يكسبون شهريًا بشكل الرواتب فيضطرون إلى تأسيس مدارس لملأ الفراغ وعند معظمهم أمسى هذا العمل تجارة رابحة. أدرس الطلبة في المساجد وفي بيتي دون أن أكلفهم شيئًا لأن الله أغناني عنهم وأعطاني أكثر بكثير مما أحتاج إليه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولكل من أعطاه الله نعمة عليه أن يحدثه (وأما بنعمة ربك فحدث).
كاتب هذه السطور الآن متقاعد و ليس ببطال ولا عاطل بل بدرس ليل نهار رأيته إما عاكفا على كتاب يدرس و إما منشغلا في الكتابة و إما منهمكا في التعليم و التدريس و إذا وجد فراغا قضاه في حقل له يعمل كالفلاح المجد لا وقت عنده للتخاصم و التنازع و ليس له مسلك خاص و لا مذهب يميل إليه هو مسلم يوقر جميع العلماء من أي
مذهب كان إذا كان صحيح العقيدة و يرى أن انحطاط المسلمين في العالم أجمع ليس سببه إلا بعدهم عن العقيدة الصحيحة و تنا زعهم في أمرهم ذلك لأن الله قال) و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و
اصبروا إن الله مع الصابرين ( ] الأنفال : ٤٦[ و لذلك يسعى و ذلك الذي جعل شعاره في حياته .
س: يا سيدي الكريم! إن ولاية جامو وكشمير قد أنجتب في أرضها الخصبة العديد من الدعاة والمشائخ والمفكرين العظام، الذين قدموا خدمات جليلة في شتى مجالات العلوم الشرعية والفنون الأدبية، من خلال مؤلفاتهم القيمة وأبحاثهم العميقة، ومن أبرز هؤلاء الأعلام نذكر العالم الجليل العلامة أنور شاه الكشميري، والشيخ نور الدين محمد الجيلاني، والحافظ صدر الدين وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة خالدة في ساحات العلم والمعرفة، فسؤالي إليكم هو كيف ترون جهود هؤلاء العلماء الأفذاذ والمشايخ الصوفية الذين انتشروا إشعاعهم الفكري والروحي في أنحاء العالم، وما تقييمكم لدورهم في نشر العلوم الإسلامية والعلوم العربية؟
ج: ولدت في بيئة إيمانية يسودها الفكر الشيخ المفكر الإسلام السيد أبي الأعلى المودودي لم يكن أبي ركنا الجماعة الإسلامية إلا أنه كان مولعا بكتب المفكر الإسلامي اود أن أذكر ان تفهيم القرآن الذي يزين مكتبة أبي الصغيرة ثمنه خمس و سبعون روبية فقط ذلك يدل على أنه أول طبع له اشتراه أبي للمطالعة ثم تنقيحات و رسائل و مسائل و پرده فأولا بأول تأثرت بمؤلفات المودودي و أمسى فكره جزءا مهما من حياتي إلى أن التحقت بندوة العلماء و لم أطالع مؤلفات الشيخ العلامة الندوي غير الكتب التي ألفها بالعربية منها ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين و إلى الإسلام من جديد و الطريق إلى المدينة و إذا هبت ريح الإيمان استمتعت بها من حيث التاريخ و الأدب كما تأثرت بكتب د. احمد أمين و طه حسين و لطفي منفلوطي و السيد قطب و أحب الشعراء إلي هم الملك الضليل امرئ القيس و حسان بن ثابت و المتنبي و البحتري و ابو التمام و جرير و الفرزدق و الأخطل و عمر بن أبي ربيعة و شريف الرضي و من الكتاب القدامى الجاحظ و ابن قتيبة .
و لما انقلبت دنيا المسلمين ظهرا لبطن لم أتأثر بأحد تأثري بفكر الشيخ العلامة وحيد الدين خان و رأيت أن فكره هو العلاج الوحيد لقضايا المسلمين لأنهم رجعوا القهقرى إلى ظروف المسلمين الذين واجهوها في مكة المكرمة قبل هجرتهم إلى المدينة بل وأعنف منها ذلك لأن المسلمين الأوائل استطاعوا مغادرة وطنهم إلى موئل آخر منيع و قدروا على استيطانهم هنالك و فتح الانصار لهم ابوابهم على مصاريها حتى قسموا ازواجهم و ما يمتلكون و أنى للمسلمين اليوم هذه التسهيلات أنهم مطرودون منبوذون لا يجدون ملجأ و لا مأوى إن ألجئوا إلى ترك أوطانهم و أنا أسميه فقه وحيد الدين للمسلمين المستضعفين في العالم لم أدع كتابا له إلا و طالعته و زرته في منزله مرارا سألته أسئلة فأقنعني بأجوبته ففكره سائد على.
و بما أني عملت في حقل التفسير و أصوله صرت مولعا بالرازي والطبري و القرطبي و البيضاوي و الزمخشري و أبي بكر الجصاص و أبي بكر المعروف لابن العربي أبي حيان الأندلسي و الآلوسي و أبي السعود و ابن كثير و السعدي و الواحدي وابن عاشور و غيرهم و قضيت حياتي بين كتب الأحاديث و أخص منها الصحاح الستة و عشت مع المعاجم أخص منها الصحاح و لسان العرب و المفردات في غريب القرآن و معاني القرآن و تهذيب اللغة و المصباح المنير و القاموس و غيرها .
فهؤلاء الفحول العماليق و أصحاب هذه الكتب شكلوا حياتي التي أعيشها – الحمدلله – مطمئنا هادئا . فلم أتأثر بشخصية واحدة بل أخذت من الأساطين صفوهم وتركت كدرهم و كما قلت إن ظروف المسلمين القاسية قد اضطرتني إلى أن أجنح إلى الفكر الوحيدي و قلت أنه هو الدواء للأمة في الأوضاع الراهنة فإن شاء الله أن تكون الغلبة و السيطرة للمسلمين على غيرهم جنحت إلى الفكر المودودي لأنه يقال : إذا تغير الزمان تغيرت الأحكام و أنه لكل مقام مقال.
س: لقد قمت بتأليف كتاب في موضوع التفسير تحت عنوان ـ" مراجعة وتنقيح التفسير العربي (خلاصة التفاسير) في ستة عشر مجلدًا، وهو تفسير حظي بقبول واسع بين الطلبة والباحثين والأساتذة في المدارس الإسلامية والجامعات المعاصرة، نظرا لما يمتاز به من دقة في العرض وشمول في التحليل، واعتماد على اهم المصادر التفسيرية المعتمدة، فسؤالي إليكم هو ما الدافع وراء اختيار اللغة العربية لكتابة هذا التفسير بالذات؟ وما هي العوامل والأسباب التي تحثكم على تقديم هذا العمل التفسيري الشهير، وهل كان هناك حاجة علمية أو منهجية دعت إلى وضع هذا التفسير بهذه الصورة الموسوعية؟
ج: أما بالنسبة لماذ وحيت هذا التفسير بلغة الضاد و ذلك يرجع إلى فطرة العمل و هو أن التفسير الموجز – زبدة التفاسير للشيخ معين الدين النقشبندي -الذي أمسى سببا لوجود هذا التفسير الضخيم كان باللغة نفسها و قمت بتنقيحه و تحقيقه و تخريج أحاديثه و تصحيح أخطائه اللغوية و هذا العمل كان يتطلب مني أن أكتبه باللغة التي اختارها المفسر و ذلك الذي دفعني إلى كتابة هذا التفسير باللغة العربية.
و ثانيا : أن التفسير الذي جعلته نصب عيني لم أرد ترجمته إلى الأردية أو إلى لغة أخرى و كان ذلك بإمكاني -والحمد لله- و لو فعلت ذلك لم يفد شيئا و كان تضيبع وقت و تضيبع الوقت حرام .
ثالثا: أن اللغة العربية هي أحب إلي من أي لغة و هي لغة أبي القاسم و هو أحب الناس إلي فأحببت أن أختار اللغة التي تكلم بها حبيبي و خليلي تيمنا و تبركا .
رابعا : لابد للإنسان أن يتكلم و لو في المؤتمرات و الحفلات باللغة التي يستطيع التعبير عن نفسه بسهولة و يسر و ذلك أبعد عن التصنع و التكلف و الله لا يكلف نفسا إلا وسعها .
و السؤال الآخر الذي وجهته إلي كيف بدأت فكرة أدب الأطفال لي فالجواب نشأت هذه الفكرة بقراءة قصص النبيين و القراءة الراشدة للعلامة الندوي و قصص العرب للكيلاني فرأيت أن أرتب كتابا للنشء أراعي فيه تربيتهم على الدين المبين بذكر قصص دينية ثم أزينه بتاريخ كشمير و مناظرها و مشاهدها لكونها على مرأى و مسمع من الطلاب فيسهل عليهم فهمها و وضعته أصلاً للطلبة الذين يدرسون في المدارس العصرية في أسلوب عصري حديث جعلت له تمارين و حل اللغات و الأسئلة على أساس الدرس على نهج مباشر .و لكن مسؤولي كانوا يطالبون مني أن أوفر لهم معلمين يقدرون على تدريسه و ذلك الذي لم يمكن مني و الذي قدم هذا الكتاب هو الأستاذ الدكتور محمد أسلم الإصلاحي رئيس القسم العربي بجامعة كشمير سابقا و جامعة جواهر لعل نهرو بدلهي كما كتب تقريظه الأستاذ المفتي عبد الغني الأزهري المرحوم رئيس القسم العربي بجامعة كشمير سابقا.
ثم كتبت كتابا آخرعلى طراز حديث جدا للنشء أسميته " سلسلة في التواصل العربي " و هو أسهل من الأول و وضعته جاعلا التجربة السابقة نصب العين و أضفت إليه بعض الأناشيد الإسلامية و الوطنية و ذكرت فيه حدائق كشمير و الآثار و المساجد و الزوايا و شرحت فيه الألفاظ الغريبة .
يدرس هذا الكتاب في المدارس الكثيرة في كشمير و خارجها و هو في أحد عشر مجلدا ساهمني في ترتيبه صديقي رؤوف أحمد زرغر عميد " مدرسة مارس للتعليم " الأهلية قام بتزيين الكتاب و تحسينه و هو رسام بارع و بذلك اصبحت هذه السلسلة مفيدة جدا و جعلت تزاحم الكتاب الحديثة في حقل التعليم و التربية .
إنه لا شك في أني أكثر العلماء كتابة في كشمير ذلك أنه لم يكتب أحد من علمائها تفسيرا ضخيما بالعربية في تاريخها الطويل مثل ما كتبت حتى في الهند ليس هناك مفسر كتب تفسيرا أضخم من خلاصة التفسير بالعربية فتفسير المظهري لثناءالله البانيبتي هو في ستة مجلدات و تفسير القنوجي فتح البيان فهو أيضا في ست مجلدات و لا أرى لأحدا في الهند أضخم من التفسير الذي كتبت ففي حقل تفسير القرآن الكريم لا يناكبني أحد و لكن ليس معنى ذلك أني أناكب العلماء و المحققين و المفكرين و أزاحمهم في علمهم و فقههم و فهمهم و فكرهم ذلك أمر بعيد عن الحق حتى في فهمهم القرآن من نواح معنوية و لا أدعي أني أعلم العلماء في كشمير بعد المحدث أنور شاه الكشميري و ذلك أمر بعيد عن الحق أيضاً.
س: كيف يمكن تطوير اللغة العربية وتعزيز مكانتها في المدارس والجامعات العصرية بولاية جامو وكشمير على وجه الخصوص، وفي مختلف أنحاء الهند على وجه العموم، بالإضافة إلى ذلك، ما دور العلماء والمفكرين والمربين في إحياء الاهتمام بالعربية كلغة حية وليس فقط كلغة دينية أو أكاديمية؟
ج: السؤال بالنسبة إلى تطوير اللغة العربية في كشمير و خارج كشمير إنما يبتني على محاولات جدية و مجاهدات متواصلة مربوطة مستمرة بعقد حفلات عربية شهرية على الأقل و ذلك في كل مكانة توجيه الدعوة إلى جميع محبي اللغة و إعطاء الفرص للمشاركين و المساهمين في إلقاء محاضراتهم و كلماتهم و أن تعقد هذه المجالس في داخل المؤسسات و الكليات و الجامعات و دور العلوم و المساجد و أن لا تنحصر دراسة اللغة في داخل الكليات و الجامعات و دور العلوم بل و يوسع نطاقها و يدرس خارجها حيث يتعلم من يكون مشغولا في تجارته و وظيفته و أعماله الأخرى صباحا و مساء.
و لابد من المخاطبة و التحدث بالعربية مع الآخرين عند اللقاءات و المقابلات و عند أخذ المجالس لتعميم ثقافة التكلم ذلك لأنه لا يتوقع توسيع ثقافتها و نطاقها إذا لم نتعود بالتكلم بها و لا يمكن تطويرها إذا كانت محادثاتنا مع ذوينا بلغة غيرها .
و كذلك لا مناص من تعاطي كتابة مقالات و بحوث بهذه اللغة سواء نشرت أم لم تنشر .
و من عجب العجاب أن يدرس الأساتذة الطلبة في الأقسام العربية بالإنجليزية أو الأردية نابذين اللغة العربية وراءهم ظهريا هذه حالة سيئة و ذنب من كبائر الذنوب التي لا تغتفر إلا بالتوبة النصوح و توطين الأنفس على ألا يعودوا لمثله أبدا إن هؤلاء يأكلون في بطونهم نارا لأنهم يكسبون أقواتهم على اسم هذه اللغة و يعملون عملا غير ذلك.
و من أعجب العجب أن يدرس الكتب العربية التي وضعت رأسا لتدريس اللغة و التمرين عليها و لفهم أساليب الكلام بالعربية بالإنجليزية في الكليات و الجامعات و بالأردية في دور العلوم حتى وقد ترجم " دروس اللغة العربية " ل- ف- عبدالرحيم إلى الأردية و الإنجليزية و كذلك ترجم مختارات المفكر أبي الحسن إلى الأردية. هذا ظلم – والله- عظيم و جور لا يماثله جور.
ليست قضية خلوالمشهد الأدبي باللغة العربية مثل القصص القصيرة و المسرحيات تتعلق بالهند فحسب بل هذا مظهر عام بالنسبة إلى العجم و هذه الأصناف من الأدب محالها البلاد العربية لعراقتهم و لثقافتهم و لرسوخهم في خفايا لغتهم بيد أن المسارح السنسكريتية تعتبر من أوائل المسارح في العالم .
و لعل سبب عدم اعتناء أدباء اللغة العربية بهذه الأصناف هو اعتقادهم بأنها تجد مكانًا في الدوائر الأدبية فضلا عن دوائر العلماء و و أنها لا تحظى حظها من الاهتمام و العناية و أن العرب هم ابن بجدتها و جذيلها المجرب لا ينبغي لنا الخوص فيها و لا يناسب لنا سبر غورها .
و يمكن أن يكون سببه الآخر أن اللغة العربية إنما يعتني بها في الهند العلماء و أصحاب دور العلوم وهم لا يحسبون أن هذه الأصناف من الأدب لها أهمية ما لكونهم متحفظين كلاسكيين يحبون كل شيئ قديم و لو كان قبيحا بشعا و يكرهون كل شيئ جديد ولو كان حسنا مستحسنا يعلمون الفلسفة اليونانية كما يعلمون البخاري و مسلما و يعتقدون أن الله يجزيهم على تعليم الفلسفة اليونانية كما يجزيهم على تدريس الصحيح للبخاري و الصحيح لمسلم حتى و أقول يدرسون في الأدب " نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن " لأحمد بن محمد الشرواني الذي يحض أكثره على هوى النفس و الفحش و لا يدرسون كتاب العلامة أبي الحسن الندوي " المختارات من الأدب العربي " و لا "المنثورات " للشيخ رابع الحسني الندوي اللذين يخرضان على مكارم الأخلاق و البر و الشجاعة و السبب أنهما من معاصريهم . يعللون كفريات القدامى و يبرزون تفردات الجدد هذا هو محكنا و عمدتنا .
س: لقد قضيت جزءًا كبيرًا من عمرك المبارك في خدمة اللغة العربية وعلومها بين التدريس والتأليف والترجمة، وكنت نبراسًا للطلاب في هذا المجال، ففي ضوء خبراتك الواسعة وتجاربك الثرية، ما هي من وجهة نظرك الشخصية أسهل وأنجع الطرق لتدريس العلوم العربية (النحو والصرف والبلاغة والأدب) في عصرنا الحالي؟
ج: الطريقة المفضلة في تدريس اللغة العربية كأستاذ هي طريقة المباشر دون أن نستعين بالترجمة إلى اللغة التي يفهمها الدارس يستخدم لهذا العمل معمل اللغة إذا تيسر ذلك و إن لم يتيسر فيستخدم الصور و الآلات كمثل أن نشتري موزة من طين و نضعها على الطاولة أو كان عندنا كتاب فيه صورة موزة فنري الطلبة هذه الموزة و نقول لهم هذه موزة و لا نقوم بترجمته إلى لغة أخرى .
و لا يتكلم في الصف لا الأستاذ و لا الطلبة بغير اللغة العربية و لو تكلموا خطأ مائة في مائة إلا عند الاضطرار الشديد فلا يحل عندئذ إلا اللمم غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه و إلا فهو مأخوذ عند الله.
إن هذا الوضع يزعج المدرس و الدارس لأيام معدودات قلائل ولكنه يمهد لهم الطريق إلى التمارين و التدريب و يحثهم على البحث و الطلب و يلجؤهم إلى التسنم و التفتيش .تكون هذه حالة قلقة تهز الدارس هزا و لكن لا فرار منه .
لا نركز بادئ ذي بدء على الأفعال على صيغها تحفيظها و تفهيمها إلا ما جاءت عفوا حتى تجتمع لدى الطلاب مجموعة كبيرة من المفردات تتعلق بما يرونها في مطابخهم و مطاعمهم و غرفات نومهم و صفوفهم و ما تتعلق بما يأكلون و يشربون و يلبسون و يعرفون أسماء أعضاءهم و أقاربهم فإذا اجتمعت مجموعة كبيرة من هذه المفردات يقوم المدرس بتركيب الاسمين متكونة بمضاف و مضاف إليه لأيام ثم بتكوين الجمل التوصيفية فإذا تمكن الطلاب منها و تأكد المعلم أن المواد اللغوية قد تيسر للدارسين و أنهم يقدرون على تكوين الجمل الاسمية القصيرة المفيدة و أخذوا يميزون بين الجمل الناقصة و الجمل المفيدة بعد التدرب و التمرن لمدة أشهر أنشا يعلمهم الأفعال الماضية حتى يتأكد من تعلمهم إياها و تعليمهم إياها انتقل إلى الفعل المضارع ثم إلى الأمر و النهي ولا نكلفهم فوق طاقتهم و مقدرتهم لا التكليف ما لا يطاق ينفرهم عن اللغة ثم يطلب منهم تكوين الجمل على موضوع معروف لديهم مأنوس لهم و يسألون أن يكتبوا عما يفعلون في البيت و الصف و المطبخ و غيرها و يوفرون جوا حرا للتكلم لا يزجرون على الأخطاء و يوفرون بكتب القصص الصغيرة المشوقة يقرؤونها تدفعهم صفحة منها إلى أخرى .هذا هو الترتيب الصحيح الذي يشوقهم إلى المزيد .
س: ما هي مواضع الضعف البارزة في طرق تدريس اللغة العربية وآدابها في الكليات والجامعات العصرية في كافة أنحاء الهند شرقًا وغربًا؟
ج: من مواضع الضعف في تدريس اللغة العربية في الكليات و الجامعات و دور العلوم عندي -كما ذكرت- هو التدريس الغير المباشر فالأساتيذ و الدارسون لا يتمرنون على اللغة خطابة و تكلما و لا كتابة إلا بعض منهم- و قليل ما هم- لذلك نرى أن بعض الباحثين يكتبون بحوثهم لنيل شهادة دكتوراهم بالإنجليزية أو الأردية فكأن قضاء عمرهم ذهب سدى دون رجع و فائدة فالماجستير في اللغة العربية و الأستاذ في الفلسفة و الدكتور إذا لم يقدر على التحدث بلغته التي درسها و تعلمها عشر سنين و أكثر هي نازلة من النوازل و كارثة من الكوارث فالتمرين الخطابي و الكتابي و التدريبات على عليهما من أهم العناصر لرقي اللغة و من مواضع الضعف عدم التعمق في اللغة و خفاياها و أسرارها و اشتقاقاها و معرفة أسرها و عائلاتها .
و في كثير من الكليات و الجامعات ينسى المدرسون استخدام السبورات و هو من اهم وسائل التعليم للطلبة الضعاف.
التغذية الاسترجاعية أهم في التعلم و التعليم و الدرس و التدريس فإذا فقدت و لم نطلب من الدارس استرجاع ما تعلمه من أستاذه و لم نطلع على تلقاه و لم نقف على مدى فهم ما سمعه من أستاذه فهو كمثل أرض بذرت فيه الحبوب ثم لم تبال بها و لم تتعهد بها فكيف تتوقع أنها تأتي بأكل .
أما بالنسبة إلى التمهر في فن الترجمة فإنه يبتني على التدرب و التمرن و الإكثار منه كالكاتب على آلة الكاتبة يضرب أنملته على الحروف غير أن ينظر إليها و غير أن يتفكر في التهجية لأن إكثاره من هذا العمل ليل نهار جعله ماهرا في عمله ، حاذقا في مهنته.
من دأبي كنت أترجم عبارة من كتاب " إذا هبت ريح الإيمان"
للشيخ الندوي إلى الأردية ثم أصححه بترجمته " جب ایمان کی ہوا چلی "
و أترجم عبارة " روائع إقبال " إلى الأردية
ثم أقابله بما جاء في " نقوش إقبال " و بالعكس
هذا ما يساعد الطالب على ترجمة صحيحة
الطريقة السهلة لتعلم اللغة هي أن يجعل الدارس اللغة العربية همه و شغله الشاغل ، يبحث عنها يتفكر فيها ، يدور حولها، يتكلم بها ، لا ينفك عنها قياما و قعودا و على جنبه و ليس هناك طريقة أسهل مما ذكرت و أشد اختصارا منها و إن بحث عن أسهل منها – لا فعل الله – فهو على خطر كناطح صخرة ليوهنها
الوجبات السريعة تضعف عقله و فهمه و شعوره و معدته و عملية التمثيل العضوي و تجعله من داخله كأعجاز نخل خاوية ، لابد من اختيار الوجبات التي صنعت بعملية طبيعية فطرية
فالمثابرة و المصابرة و المواظبة على العمل الذي يختاره الإنسان هي السلالم و المراق للوصول إلى العلى .
س: هل هنا في بلادنا الهند أي أديب عبقري قد أثر أثرا قويا بالغا في مسيرتك العلمية والأدبية والثقافية؟
ج: لا شك هنالك أدباء مهرة في الهند لهم علو كعب في الأدب العربي و قد نالت ندوة العلماء قصب السبق في حقل الأدب لم يسبقهم أحد و لكني لم أتأثر بأحد تأثري بالشيخ الدكتور سعيد الرحمان الندوي أنا رهين إحسانه و منه علي لتغلبه عليها فأنا حقا صرت من قتلاه بإحسانه طوال مدتي في ندوة العلماء كنت تحت عتاب الشيخ و قد أخرجني من الصف كما سبق و لكني لا أزال أحبه من سويداء قلبي لأني تعلمت منه كثيرا ولم أزل أردد قول أبي الطيب بالنسبة إلى عتابه :
لعل عتبك محمود عواقبه : و ربما صحت الأجسام بالعلل
س: ما هي التحديات والمشكلات التي تواجهها اللغة العربية في الهند؟
ج: التحديات و المشكلات التي تواجهها اللغة العربية اعتمرت عام ٢٠١٩ وحججت في العام نفسه فرأيت عجبا في عقر الدار و موئل اللغة العربية و منطلقها الفندق التي كنت أقيم فيها في جوار المسجد النبوي رأيت مكتوبا في واجهته " كوفي شوب" فتوهجت غضبا و تميزت غيظا و سألت موظفا عن مالك الفندق فدلني على مكتبه و دخلت عليه و سألته عن تحريف اللغة العربية لغة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلم يبال بسؤالي كأنه لم يكن بسؤال و سألته عن سفور الموظفات فلم يبال غير أنه لم سخطه علي علي سؤالي إياه فغنمت الإياب إلى غرفتي متوهجا غضبا و ازداد خفقان قلبي على سكوته على سؤالي كأنه كان مضطرا بعض الاضطرار في فعلته ( بفتح الفاء) هذه – و بعد أسبوع مضيت لزيارة الجامعة الإسلامية و مرت سيارة الأجرة بمخضة بنزين فصادفت لوحة عرض كان مكتوبا فيه. " آتو ستوب " فعلمت أنه يريد به Auto stop فتحيرت و دهشت إذا رأيت الإنكليزية مكتوبة بالحروف العربية فتذكرت ما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم
سرت لوثة الإفرنج فيها كما : سرى لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة : مشكلة الألوان مختلفات
و رأيت أن الذي شكى منه حافظ قبل سنين قد زاد الطين فيه بلة و الأمر قد تفاقم إذا أن الثوب ليس بعربي الذي ضم إليه رقعات من غير ثوبه إذ ليس في "آتو ستوب "
كلمة عربية أضيف إليها كلمة إفرنجية بل كلمتان كلتاهما إفرنجيتان و كذلك كلمتان كوفي شوب.
و من حسن حظي أن دخلت على مدير " قسم اللغة العربية لغير الناطقين بها " من غير قصد مني فسلمت عليه فرد السلام و سألني عن من أنا فقلت : حاج جاء لزيارة الجامعة فأمر بالشاي كعادة العرب فشربت و لم ألبث أن شكوت إليه مما رأيت بالقرب من الجامعة بل بالقرب من قسمه في الشارع و هو" آتو ستوب"
و قلت له إذا كانت الحالة هذه في مهبط اللغة العربية و موئلها و مأواها و معدنها و منبتها و مصدرها فماذا يا ترى عن حالتها في الأقاليم الأعجمية النائية عن مخرجها و كان المدير نفسه يتكلم بالعربية بمنخره لا أكاد أفهمها و كان لا يكاد يبين .
و قبل هذه الزيارة زرت الجامعة الملية الإسلامية كانت بها فتاة من الإمارات العربية لعل صديقا لي عرفني لها فقابلتني و تكلمتها بالعربية ظانا أنها تبتهج بتكلمي معها بالعربية و لكنها كانت تستحيي بالتكلم بلغة بلدها فاستنكرتها استنكارا شديدا ظهر ذلك من سيمياي .
هذا من جانب و لكن من جوانب أخرى نرى بعض المتحمسين في جزيرة العرب إنما يعملون في حقل إنهاضها و رقيها و يقومون بإدخال تحسينات في المناهج سنويا لتمهيد طرق تعلمها و تسهيل فهمها ذلك مظهر لا يكاد ينكره إلا جاهل .
ثم إن هناك كثيرمن يتكلم بهذه اللغة و لكنهم يتركون اللغة القرآنية و اللغة النبوية الفصحى و قد دونت كتب كثيرة تعلم الدارجة و السوقية و هي أمارة سيئة و علامة تشير إلى عقباها فالذي يتكلم بهذه الدارجة لابد من استنكاره و منعه لأنها تذهب برواء هذه اللغة الكريمة و بهائها و رونقها و تبعدنا عن اللغة الأصيلة الفصحى ، و ما كانت لغتنا العربية تضيق عن التعبير عن أسماء المخترعات فماذا لجأنا إلى اختيار الكلمات الإفرنجية التي هي سم قاتل للغتنا العربية .واها لحافظ إبراهيم حيث صدع عن هذه النائبة التي نزلت ببعض أهل العرب الذين بدلوا اللسان العربي المبين و شوهوا اللغة قائلا:
وسعت كتاب الله لفظا و غاية
و ما ضقت عن آي به و عظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
و تنسيق أسماء و المخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
حقا قال :
أرى كل يوم في الجرائد مزلقا
من القبر يدنيني بغير أناة
هذه التحديات تواجهها اللغة العربية في موئلها و لكنها لا تعاني بها الهند الحمدلله لأن أهل متحفظين في حماية اللغة العربية يشهد بها جرائدنا و مجلاتنا و مقالاتنا و بحوثنا و هي تخلو إلى حد بعيد عن لوثة الإفرنج و لكن مصيبتنا عدم تكلمنا بها في محافلنا و مجالسنا و مكاتبنا ،
مستقبل لغتنا- إن شاء الله – زاهرة باهرة لدينا باحثون متحمسين حريصون على نشرها و ترويجها و بسبب التعصبات المسلكية و المذهبية التي تفاقم أمرها أخيرا هي تدفعم إلى التنافس و التسابق في أعمالهم و من تلكم الأعمال نشر اللغة و بها يتغلبون على ذويهم في حقول التنافس و كل منهم يحرص في حصول قصب السباق
وقد ناط مستقبلهم بها إذ هي تكسب لهم الأقوات و العز فهم مضطرون إلى أن يكونوا مهرة فيها و يقوموا بترويجها و لنا مدارس و معاهد و دور العلوم تدرس فيها هذه اللغة كما تدرس في بعض الكليات و الجامعات و كذلك علاقة الهند ببلاد العرب هي متينة و بهذا و ذلك تجد اللغة العربية أفرادا و شخصيات في كل مكان لهم يد طولى و تحمس و أنفة و حفيظة يسبب ذلك نشر اللغة. لم يكن يوجد مثل هذا التحمس وعدد المتحمسين من قبل هو الذي يمسي سببا لرقي اللغة و تقدمها .
س: ماهي النصائح والاقتراحات التي تود أن تتركها للنشء الجديد الحريص على تعلم اللغة العربية وآدابها؟
ج: ينبغي لمعلمي اللغة العربية و مدرسيها أن لا يكتفوا بصفوفهم و تدريسهم داخل دورهم و قصورهم لأن أكثر الناس الذين يريدون أن يدرسوا هذه اللغة لا يجدون وقتا للتعلم في الأوقات التي تخصص للتعلم في هذه الدور سواء أ كانت جامعات أو كليات أو مدارس لكونهم موظفين و تجارا و صناعا و طلبة فأنى لهم الفرصة في جلاء النهار و هم يحرصون على تلقيها فلا بد من تخصيص أوقات الدراسة التي تلائمهم و تناسبهم بكرة و أصيلا ، عشية أو ضحاها و إذ لم يسنح لهم الفرصة في هذه الأوقات ففي يوم الأحد و أيام العطلة.
و ثانيا : لا يثقلوا كواهلهم بكثرة الأعمال و لا يطلبوا منهم حفظ شيئ بل نيسر لهم عملهم و نعلمهم متلاعبين كمثل شخص حمل عشرين كلوجرام من متاع على عاتقه تضيف إليه ربع كلوجرام بل و أقل منه كأنه لم يشعر به و إن جعلنا نسأله أن يحفظ شيئا و يكتب عملا و هو مهندس أو طبيب أو أجير أو منشغل في أمور مهمة أخرى فكأننا خسرناه و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
ثالثا : أن يجعلوا همهم اللغة العربية و يعكفوا على تعلمها و تعليمها و درسها و تدريسها و يرصدوا لمواقع نشرها و بثها حتى في أحرج الأحوال و لا يؤخر عمل اليوم لغد لأن للغد أعماله و لا ينتظر الفرج و السعة و تغير الظروف و الأوضاع و الصحة لأنه يمكن أن لا تتغير هذه الأحوال فيضيع به وقتنا الغالي .
بودي أن أنصح الطلبة الذين يتعلمون هذه اللغة الكريمة و يعتزون بها و يتفاخرون بتكلمها و دراستها و فهمها و يتنافسون في إحيائها و إنهاضها و نشرها كتابة و خطابة و يوصلون كلال الليل بكلال النهار في عقد حفلات و مجالس و حلقات عربية في مختلف بقاع الهند أن يستقيموا في أعمالهم هذه و لا يسئموا و لا ييأسوا و لا يقنطوا إن واجهوا -لا فعل الله – بعض عقبات في طريق عملهم و عانوا مشكلات و صعوبات و تعرضوا لعوائق لأنها ابتلاءات و اختبارات و هي كسحابة صيف تأتي و تذهب :
فقلت ثقي بالله يا فوز إنها :
سحابة صيف عن قليل تقشع
و تعترض في سبيلك لتتثبت و تتنشط و تتحمس و تتقوى و تصبح أكثر حمية لها من قبل و ليعلم الأشبال أن هذه اللغة هي حياتنا نحيى بها و هي تدور في شراييننا و عروقنا لأنها لغة القرآن و لغة رسولنا الكريم و لغة الصحابة و أهل البيت الكرام و هي في حرف الإمام ابن تيمية كما قال :"
نفس اللغة العربية من الدين و معرفتها فرض واجب فإن فهم القرآن و السنة فرض و لا يفهم إلا بفهم اللغة و لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "
و أقول لهم ألا يكتفوا بالقليل من اللغة بل لابد من إتقانها و إجادتها و إحكامها و التعمق فيها كما قال الزركشي بالنسبة إلى تفسير القرآن:
و ليس لغير العالم بحقائق اللغة و مفهوماتها تفسير شيئ من الكتاب العزيز و لا يكفي في حقه تعلم اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا و هو يعلم أحد المعنيين و المراد الآخر و فشمروا عن ساق الجد و خوضوا في بحرها المتلاطم و اسبروا غوره تفوزوا بلآلي و دررا و جواهر تغنيكم عن مستلذات الدنيا.
شكرًا لك يا سعادة الأستاذ إلى إتاحة هذه الفرصة السعيدة وعلى هذه المعلومات المفيدة عن حياتك العلمية وشخصياتك البارزة المليئة بالنشاطات القيمة والمجهودات الكثيرة من أجل اللغة العربية والأدب العربي، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في عمرك وعملك ومالك وحياتك. جزاكم الله أحسن الجزاء.
مع السلامة إلى اللقاء
